الجن والبطل الجزء الثالث
الأشباح القديمة وأسرار العائلة
بقلم سامر الخفي
عاد أحمد وأمينة إلى السيارة، وقلوبهما مثقلةٌ بما رأوا وما شعروا به. لم يكن الطريق إلى القرية سهلاً، فالصخور التي كانت تبدو ثابتةً قبل ساعات، أصبحت الآن كأنها ترقص، والرمال تتشكل كأنها موجاتٌ في بحرٍ لا ينتهي. كانا صامتين، كلٌ يفكر في الأحداث المروعة التي شهدها في "وادي الظل".
"هل تعتقدين أن ما حدث كان صراعاً بين الخير والشر؟" سأل أحمد أخيراً، والصوت يبدو غريباً في سكون السيارة.
"لا أعرف يا أحمد. ولكنني أشعر بأننا أزعجنا شيئاً كان نائماً، شيئاً له علاقةٌ بماضٍ عميق." أجابت أمينة، وعيناها تراقبان الأفق. "وإشارات هذه الأوراق... إنها تتحدث عن 'حراس' و'عهود' و'ثمنٍ باهظ'."
عندما عادا إلى القرية، كانت "نور" تنتظرهما على عتبة منزلها، وقد أدركها القلق. رؤيتها لوجه أحمد الشاحب، ووجه أمينة المتعب، زاد من مخاوفها.
"ماذا حدث؟ هل وجدتم شيئاً؟" سألت بسرعة.
"وجدنا... وجدنا دليلاً على أن هناك قوىً قديمةً كانت تعمل في تلك المنطقة،" أجاب أحمد، محاولاً أن يخفف من حدة ما سيقوله. "ولكن الأمر أعقد مما كنا نعتقد."
قادتهما أمينة إلى منزل الشيخ راشد، حيث اجتمعوا لمناقشة ما حدث. شرحت أمينة، بكلماتٍ دقيقة، عن "بئر الخوف" وعن النقوش والتعويذات، وعن الظل الذي ظهر.
"يبدو أننا واجهنا كائناً من عالمٍ آخر،" قال الشيخ راشد، وعلامات القلق تظهر على وجهه. "ولكن كيف يمكن أن يكون لهذا علاقةٌ بخالد؟"
"الأوراق تتحدث عن 'روحٍ تائهة' تم استدعاؤها، ومن ثم اختفت. وقد قرأت أيضاً عن شخصٍ سافر بعيداً، وعاد محملًا بقوةٍ خارقة، ولكنه كان خائفاً. هذا قد يشير إلى أن خالد، عندما كان في رحلته، ربما تعرض لشيءٍ ما، أو أنه استدعى شيئاً عن غير قصد."
"ولكنه لم يظهر أي علاماتٍ تدل على ذلك،" قال أحمد، وعيناه تتجهان نحو نور.
"ربما كانت تلك القوة كامنةً بداخله، ولم تظهر إلا مؤخراً،" قالت نور، وهي تتذكر رؤاها الغريبة. "في أحلامي، كنت أرى ظلالاً، وأشعر بوجودٍ غريبٍ يحيط بنا."
"وماذا عن هذه 'الحراس' و'العهود' التي ذكرتها أمينة؟" سأل الشيخ راشد.
"الأوراق أشارت إلى أن هناك عهداً قديماً بين البشر وقوىً ما، عهدٌ يقوم على حماية هذا المكان، مقابل قوةٍ معينة. ولكن يبدو أن هذا العهد قد تم كسره، أو أن هناك من سعى لكسره."
"ولكن من؟ ولماذا؟" سأل أحمد، وهو يشعر بأن الأحجية تزداد تعقيداً.
"لا أعرف. ولكن ربما كان لهذا الأمر علاقةٌ بأحداثٍ وقعت في القرية قبل زمنٍ طويل، أحداثٌ لم نعد نتذكرها."
في هذه الأثناء، كانت ليلى، التي استمعت إلى كل شيء، تنظر إلى الصندوق الخشبي الذي أحضره أحمد وأمينة. كان الصندوق يحمل على سطحه نفس الرموز الغريبة التي رأتها في بعض أوراق خالد القديمة.
"هذه الرموز... أعرفها!" قالت ليلى فجأة. "لقد رأيتها في دفتر ملاحظات خالد. كان يرسمها كثيراً، ويقول إنها 'تفتح الأبواب'."
"الأبواب؟ أي أبواب؟" سأل أحمد.
"لا أعرف. لقد كان يتحدث عن أشياء غريبة، عن عوالم أخرى. كنت أعتقد أنها مجرد أوهام، أو خيالاته الجامحة."
"ولكن ربما لم تكن أوهاماً،" قالت أمينة، وهي تتأمل الصندوق. "ربما كان خالد يحاول فهم ما يحدث، وكان يبحث عن إجابات."
"ولكنه اختفى،" قالت نور، بصوتٍ خفيض. "اختفى دون أن نجد له أثراً."
"ربما لم يختفِ،" قال الشيخ راشد، وعيناه تلمعان بذكاء. "ربما تم استهلاكه. أو ربما انتقل إلى عالمٍ آخر."
"ولكن كيف يمكن أن نفهم هذا؟ وكيف يمكن أن نوقف هذا الشر؟" سأل أحمد، وهو يشعر بالإحباط.
"نحن بحاجة إلى معرفة المزيد عن هذا العهد، وعن القوى التي كانت تحميه،" قالت أمينة. "وإذا كان خالد قد حاول فتح 'الأبواب'، فقد يكون لديه مفتاحٌ لفهم ما يحدث."
"علينا البحث في أغراض خالد،" قالت ليلى. "ربما نجد شيئاً يفسر كل هذا."
وبدأوا يبحثون في غرفة خالد، بين كتبه وأوراقه. وجدوا دفتراً قديماً، مليئاً برسوماتٍ ورموزٍ غريبة، وبعض النصوص المكتوبة بخط اليد. كان الدفتر يبدو وكأنه يحمل شيئاً من أسرار خالد.
"هنا،" قالت ليلى، وهي تشير إلى صفحة معينة. "هذه الرموز... هي نفسها التي كانت على الصندوق. ويقول خالد هنا، 'الرموز ليست مفاتيح، بل هي بوابات. والبوابات تفتح أبواباً أخرى'."
"يبدو أن خالد كان على وشك اكتشاف شيءٍ عظيم، أو ربما خطير جداً،" قال أحمد.
"ولكن لماذا لم يخبرنا؟" سألت نور.
"ربما كان خائفاً، أو ربما كان يعتقد أننا لن نفهم،" أجابت أمينة.
بينما كانوا يتفحصون الدفتر، لمح أحمد شيئاً لفت انتباهه. كانت هناك صورةٌ صغيرة، رسمها خالد، لامرأةٍ غريبة، ترتدي ملابس قديمة، وتجلس بجوار بئرٍ مظلم. تحت الصورة، كتب خالد: 'الحارسة القديمة. هي من تحمل المفتاح.'
"من هي هذه؟" سأل أحمد، وهو يشير إلى الصورة.
"لا أعرف،" قالت ليلى. "ولم أرها من قبل."
"ولكنها تبدو مألوفة،" قالت أمينة، وعيناها تتفحصان الصورة بتمعن. "نظرتها... وطريقة جلستها... إنها تشبه... تشبه 'مريم'."
"مريم؟" تساءل أحمد. "من هي مريم؟"
"كانت امرأةً تعيش في القرية منذ زمنٍ بعيد، منذ زمن الأجداد. كانت تعيش منعزلة، ويُقال إنها كانت تمتلك معرفةً بأسرار القرية القديمة. كانت تُعرف بـ 'حارسة البئر'."
"حارسة البئر؟" قال الشيخ راشد، وارتسمت على وجهه علامات الدهشة. "اسم مريم لم يُذكر منذ عقود. لقد اختفت فجأة، وكأنها لم تكن موجودة."
"ربما لم تختفِ،" قالت نور، وصوتها يكاد يكون همساً. "ربما كانت هي نفسها 'الحارسة القديمة'."
"ولكن إن كانت كذلك، فأين هي الآن؟" سأل أحمد.
"هذا ما يجب علينا اكتشافه،" قالت أمينة. "يبدو أن مفتاح كل هذا، يكمن في معرفة سر 'مريم' وعلاقتها بـ 'بئر الخوف'."
شعر الجميع بأنهم يقفون على حافة اكتشافٍ كبير، اكتشافٍ قد يغير كل ما يعرفونه عن ماضيهم، وعن حاضرهم. ولكنهم كانوا يعلمون أيضاً، أن هذا الاكتشاف قد يكون خطيراً، وأنهم قد يوقظون قوىً نائمة، قد لا يكونون مستعدين لمواجهتها.