الجن والبطل الجزء الثالث
كهف الأسرار ونداء الواجب
بقلم سامر الخفي
مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، والتي بدأت تمحو سواد الليل تدريجيًا، كان أمجد قد وصل إلى منطقة "جبل الندم"، وهي سلسلة جبال وعرة اشتهرت بأساطيرها القديمة، وتقع على مقربة من واحة "عين العذراء". لم تكن رحلته إلى هنا عبثية، بل كانت موجهة، بناءً على معلومات دقيقة حصل عليها من "سالم"، صديقه المقرب، الذي يعمل في قسم الآثار، وقد عثر على خارطة قديمة تشير إلى وجود كهف سري في هذه المنطقة، كهف يُعتقد أنه كان ملجأً لبعض الجماعات التي مارست طقوسًا غامضة في عصور سابقة.
كان الكهف، كما وصفه سالم، مدخلًا ضيقًا مخفيًا بين الصخور، يبدو وكأنه شق طبيعي في الجبل. تسلق أمجد المنحدرات بمهارة، فقد تدرب على هذه التضاريس منذ صغره، معتادًا على قسوة الصحراء وتحدياتها. الهواء هنا كان مختلفًا، يحمل معه رائحة الأرض الرطبة، ورائحة غريبة، مزيج من الكبريت والأعشاب البرية.
"اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً"، دعا أمجد وهو يضع قدمه بحذر على حافة المدخل. كانت الظلمة تستقبله، ظلام كثيف لا تخترقه أشعة الشمس. أشعل مصباحًا زيتياً كان يحمله، وانبعث ضوء خافت اهتز مع حركة يده.
داخل الكهف، كانت الجدران مغطاة بطبقة سميكة من الغبار، وتتزين ببعض النقوش القديمة التي بالكاد يمكن تمييزها. بدأت أصداء خطواته تتردد، مضاعفةً الشعور بالوحدة والترقب. كان يدرك أن أي خطوة يخطوها قد تكون نحو المجهول، نحو عالم لا يعرف كيف يتعامل معه.
"أستغفر الله العظيم من كل ذنب أذنبته"، تمتم، محاولًا أن يجد الطمأنينة في الذكر. كان الهدف من دخوله هذا الكهف، هو العثور على "الجوهرة المفقودة"، وهي قطعة أثرية قديمة، يعتقد أنها تمتلك قوى خارقة، وأنها إذا وقعت في الأيدي الخطأ، يمكن أن تستخدم في إحداث الشرور. لقد علم أمجد أن هناك جهة معينة تسعى للحصول على هذه الجوهرة، جهة لا تقل خبثًا وشرا عن تلك الكائنات التي واجهها في الصحراء.
استمر في السير، يتفحص كل زاوية وكل شق في الصخور. رأى بعض الأدوات الحجرية القديمة، وبقايا أوانٍ فخارية. كل شيء هنا يحكي قصة عن حياة مضت، عن بشر عاشوا هنا، وربما مارسوا طقوسًا ما، تركوا وراءهم بصماتهم.
فجأة، توقف. سمع صوتًا خافتًا، صوتًا يشبه همسًا بعيدًا. أوقف المصباح، وحاول أن يلتقط الصوت بأذنيه. كان الصوت يتكرر، يبدو كأنه قادم من عمق الكهف. شعر بالبرد يتزايد، وبدأ يشعر بأنفاس باردة تلامس وجهه.
"من هناك؟" سأل بصوت قوي، رغم أن قلبه كان يدق بعنف. لم يأتِ رد، بل زاد الهمس، وكأنه يزداد قوة واقترابًا. بدأ يشعر بالهلع يتسرب إلى روحه. أضاء المصباح مرة أخرى، وركز ضوءه على مصدر الصوت.
وجد نفسه أمام فتحة صغيرة في جدار الكهف، تبدو وكأنها تؤدي إلى ممر أضيق. الهمسات كانت تأتي من هناك. شعر بشيء ما يشدّه نحو تلك الفتحة، شيء لا يمكنه تفسيره. كان مزيجًا من الفضول والخوف، مزيجًا يدفعه إلى الأمام رغم كل التحذيرات التي كانت تدوي في عقله.
"إن لم يكن له سبل إلا ذاك، فإن ذاك هو السبيل"، قال لنفسه، مستحضرًا حكمة قديمة. وضع حقيبته جانبًا، وأمسك بخنجره، ثم انحنى ليدخل الممر الضيق. بالكاد استطاع أن يمر بجسده، والشعور بالضيق يحيط به.
داخل الممر، كان الظلام أكثر كثافة. الهمسات أصبحت أكثر وضوحًا، بدأت تتشكل كلمات، كلمات بلغة قديمة، لغة لا يفهمها، ولكنها كانت تحمل نبرة تهديد واضحة. بدأ يشعر بأن عينين تراقبه، عينين تلمعان في الظلام.
"أقسم بالله العظيم، أن لا أسلط عليك سلطاناً إلا وكنت أنت عليهم أقدر، وبقدرتي عليهم أقدر"، تلا أمجد، محاولًا أن يقلل من تأثير القوة التي يشعر بها. كان يشعر بأن هذه القوة تسعى إلى إخضاعه، إلى زرع الخوف في قلبه.
بعد مسافة قصيرة، وصل إلى غرفة صغيرة، في وسطها، وجد منصة حجرية، وعليها، شيء لامع. رفع المصباح، ورأى الجوهرة. كانت بحجم قبضة اليد، لونها أزرق غامق، تتلألأ ببريق غريب، وكأنها تحمل بداخله نجومًا مضيئة.
لم يكد ينتهي من التفكير في أمر الجوهرة، حتى سمع صوتًا عميقًا، صوتًا يخرج من العدم، صوت يهز أركان الكهف: "لقد وصلت أخيرًا، أيها الحارس. ولكن هل تظن أنك ستأخذ ما ليس لك؟".
تجمد أمجد في مكانه. رأى الظلال تتجمع حول المنصة، تتكثف، وتأخذ أشكالاً مخيفة. لم تعد مجرد ظلال، بل أصبحت كائنات، كائنات ذات ملامح مشوهة، وعيون جاحظة.
"أنا أمجد، حامي هذه الجوهرة، ولن أسمح لك بأخذها"، قال أمجد، صوته يحمل ثباتًا لا يخفى.
ظهر أمامه شكل غامض، بالكاد يمكن وصفه، شكل يرتعش ويتلوى، وينبعث منه ضوء أسود. "أنت مجرد إنسان ضعيف، أمجد. قوتك هذه، هي قوى ضعيفة أمام قوى الظلام الحقيقية".
"بالإيمان بالله، لا يوجد ضعف"، أجاب أمجد، وبدأ يقرأ آيات من سورة البقرة، تلاوة قوية، تهتز بها جدران الكهف. شعر بأن الكائنات الشيطانية تتألم، تصرخ.
"لن تستطيع! إنها ملك لنا!" صاح الشكل الغامض، وبدأ يمد ذراعًا طويلة، رفيعة، نحو الجوهرة.
لم يتردد أمجد. اندفع نحو المنصة، وأمسك بالجوهرة. شعر ببرودة غريبة تسري في يده، وبريقها ازداد قوة. في اللحظة التي أمسك بها، شعر بأن الكائنات الشيطانية تبتعد، وكأنها تخشى لمسها.
"لقد فشلت أيها الملعون"، قال أمجد، وهو يتراجع نحو الممر.
"هذه ليست نهاية المعركة، أمجد. سنعود، وسنأخذها منك، ومن كل ما تحب!" هدد الصوت، ثم اختفى.
عاد أمجد إلى الخارج، وهو يشعر بالإرهاق، ولكن بشعور بالانتصار. لقد حصل على الجوهرة، ولكنه كان يعلم أن كلماته الأخيرة للشكل الغامض كانت صحيحة: هذه لم تكن سوى بداية معركة أشد ضراوة.