الجن والبطل الجزء الثالث
ليلة الأشباح وعهد الحماية
بقلم سامر الخفي
عادت ليالي الصحراء لتفرض سيطرتها، ولكن هذه الليلة كانت مختلفة. لم يكن الظلام مجرد غياب للنور، بل كان وكأنه كيان حي، يتحرك ويتنفس، ويحمل معه وعيدًا لا يُحتمل. جلس أمجد مع والده، "الحاج محمود"، تحت سماء مرصعة بالنجوم، في خيمة بسيطة نصبت في طرف القرية، ولكنها كانت تبدو وكأنها آخر حصن للإنسانية في مواجهة جيش لا مرئي.
كان الحاج محمود، رجل في الستينات من عمره، يتمتع بهيبة الوقار، وصوت خفيض يحمل نبرة الحكمة. كان يضع يديه المرتعشتين قليلاً على إحدى حفيداته، "آمنة"، الطفلة ذات العينين الواسعتين، التي كانت نائمة نومًا عميقًا، لم تعكر صفوه حتى أصوات الرياح الحادة.
"هل أنت متأكد يا بني؟"، سأل الحاج محمود، صوته يرتعش بصعوبة. "أنهم يلاحقونك؟"
أومأ أمجد برأسه، وهو ينظر إلى الأفق. "نعم يا أبي. لقد رأيتهم. لقد شعرت بهم. إنهم ليسوا مجرد جن عاديين. إنهم أقوى، وأكثر خبثًا. لقد حاولوا أن يسرقوا مني 'الجوهرة المفقودة'، ولكنني حميتها."
تنهد الحاج محمود، وتلا آية من القرآن الكريم، "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ". كان دائمًا مصدر قوة لأمجد، ولكن هذه المرة، شعر أمجد بثقل الهموم يتزايد على كتفيه.
"هذه الجوهرة، يا بني، هي ثقل كبير. إنها ليست مجرد حجر كريم. إنها تحمل سرًا، سرًا قديمًا، وقد وقعت في أيدي غير أمينة عبر التاريخ. إنها تجذبهم، إنهم يريدونها لغاياتهم الشريرة."
"وأنا لن أسمح لهم بذلك، يا أبي. مهما كلف الأمر. لست أقاتل من أجل نفسي فقط، بل من أجلكم، من أجل ليلى، من أجل كل إنسان بريء."
قطع حديثهما صوت غريب، صوت يشبه صرير العظام، ولكنه كان قادمًا من بعيد، ولكنه كان يبدو وكأنه يقترب. ارتفع حاجب أمجد، ووضع يده على خنجره.
"يبدو أنهم بدأوا يصطادون"، قال بصوت هادئ، ولكن بعينين متيقظتين.
"إنا لله وإنا إليه راجعون"، تمتم الحاج محمود، وعيناه امتلأت بالدموع. "أتمنى لو أنني كنت قادرًا على قتالهم معك. ولكن سني قد تقدم، وقوتي قد خارت."
"لا يا أبي. قوتك في إيمانك ودعائك. هذا يكفيني. وجودك هنا، دعمك، هو ما يجعلني أقوى."
وفجأة، بدأت الخيمة تهتز بعنف. بدأت الرمال تتطاير، والنار في الموقد بدأت تنطفئ. ظهرت أشكال غريبة في الظلام، أشكال شفافة، تتشكل وتتلاشى. كانت أشباحًا، أشباحًا تحمل نظرات فارغة، ولكنها مليئة بالشر.
"أيتها الأشباح، ابتعدوا! هذا المكان مقدس!" صرخ أمجد، وهو يقف أمام عائلته، درعًا بشريًا.
بدأت الأشباح تقترب، وسمع أمجد همساتها، همسات كأنها تخرج من قبور بعيدة، تردد كلمات مشؤومة. "الحذر! الظلام قادم! لن تستطيع حمايتهم!"
كان أمجد يشعر ببرودة شديدة تتسلل إلى جسده، برودة لم تكن طبيعية. بدأ يقرأ آيات التحصين، آيات تلاها مرات لا تحصى، ولكن هذه المرة، كانت قراءته تحمل صدى عميقًا، كأنه يستجمع كل ما لديه من قوة روحية.
"قل هو الله أحد، الله الصمد..."
بدأت الأشباح تتراجع قليلاً، ولكنها لم تبتعد. بدأت تتجمع حوله، وكأنها تحاول أن تحاصره. رأى وجه "ليلى" في خياله، وجهها الذي يبتسم دائمًا، وجهها الذي يمثل النور في حياته.
"لن أترككم تؤذون أحبائي!" صاح أمجد، ودفعته الغيرة إلى الأمام.
اندفع نحو أقرب شبح، وخنجره في يده. ولكن الخنجر مر عبر الشكل الشفاف دون أن يلمسه. شعر بخيبة أمل، ولكنه لم يستسلم.
"أيها الجن، أيتها الأشباح، أقسمت بالله العظيم، أن أدافع عن الحق، وأن أحمي الأبرياء! لا تظنوا أنكم تستطيعون إخافتي!"
وفجأة، سمع صوتًا مألوفًا. كان صوت "الدكتور فؤاد"، صديقه الأكاديمي، الذي كان يقيم في نفس القرية، وكان مهتمًا بالأساطير والتاريخ. كان يحمل معه كتابًا قديمًا، وكتابًا آخر حديثًا.
"أمجد! لا تقاومهم بالسيف وحده! استخدم العلم أيضًا!" صاح الدكتور فؤاد.
"كيف؟" سأل أمجد، وهو يتجنب هجوم شبح آخر.
"هذه الأشباح، ليست مجرد أرواح تائهة. إنها أشكال للطاقة السلبية، استدعيت بقوى الظلام. ولكن، يمكن تعطيلها بالقوى المضادة، قوى الأمل والإيمان، ولكن أيضًا، قوى العلم والمعرفة!"
قال فؤاد، ثم بدأ يقرأ من الكتاب الحديث، عن ترددات الطاقة، وعن كيفية تحويلها. بينما قرأ أمجد من الكتاب القديم، الذي كان عبارة عن مخطوطة عن طقوس قديمة، كان يتضمن بعض الكلمات القوية التي يمكن أن تعطل القوى السلبية.
عمل أمجد وفؤاد معًا، كل منهما يدعم الآخر. كان أمجد يقرأ الآيات القرآنية، وكلمات التحصين، بينما كان فؤاد يستخدم كلماته العلمية، التي بدت وكأنها غريبة، ولكنها كانت فعالة.
بدأ ضوء أبيض خافت ينبعث من بينهما، ضوء يزداد قوة، ويكبر، ويطرد الظلام. بدأت الأشباح تتراجع، تصرخ، وكأنها تحترق.
"لن تفلتوا منا!" صرخ الصوت الغامض مرة أخرى، من بعيد.
"سنقاومكم بكل ما أوتينا من قوة، وبكل ما علمنا ربنا!" رد أمجد.
في لحظة، اختفت الأشباح. عاد الهدوء إلى الخيمة، وعاد الدفء إلى الموقد. كانت الرياح تهدأ، وبدأت النجوم تظهر بوضوح أكبر.
نظر الحاج محمود إلى أمجد وفؤاد، وابتسم ابتسامة مرهقة. "لقد أثبتكما الله، وجعلكم سببًا في نصر الحق."
"هذه ليست نهاية المعركة يا أبي"، قال أمجد، وهو يشعر بالإرهاق، ولكنه يشعر أيضًا بقوة جديدة. "لقد رأينا اليوم، أن العدو ليس مجرد قوى سحرية. إنهم يستخدمون كل ما لديهم، ونحن يجب أن نكون أكثر استعدادًا."
نظر إلى الدكتور فؤاد، وقال: "شكرًا لك يا دكتور. لم أكن لأتوقع أن العلم يمكن أن يكون سلاحًا ضد هذه القوى."
"القوة الحقيقية يا أمجد، هي في الوحدة، وفي استخدام كل ما لدينا من معرفة وإيمان لمواجهة الشر. العدو لا يفرق بين العلم والإيمان، بل يسعى لتدمير كليهما."
جلس أمجد، يتأمل ما حدث. لقد واجه الأشباح، ونجا. ولكنه كان يعلم أن هذا مجرد فصل في رواية طويلة، رواية سيستمر فيها الكفاح، رواية سيحدد فيها مصير الأبرياء.