الجن والبطل الجزء الثالث

وهج الضلال

بقلم سامر الخفي

كانت الليالي تمضي ثقيلة على "بدر"، كأنها أردية من رصاص تخنقه. لم يعد يجد في هدوء منزله ما يبعث على السكينة، بل أضحى الفراغ صوتاً مدوياً، يردد همسات لم يكن ليلقاها إلا في تلك الأقبية المظلمة التي بدأت روحه تتشرب سمومها. كانت "نور" لا تزال تبحث عنه بقلب مفطور، تستدرج خيوط الأمل من بين خيوط اليأس المتشابكة، لكن ما كانت تدركه بدأ يفقد بريقه.

في تلك الليلة، لم يستطع بدر مقاومة النداء الخفي. استيقظ قبل أذان الفجر بساعة، والجبين يقطر عرقاً بارداً، والعينان جاهدتان لمقاومة الشحوب الذي استقر عليهما. نظر إلى صورة "نور" المعلقة على الجدار، كانت بسمتها تنطق بالحب والأمان، وبدت له كأنها من عالم آخر، عالم لا يستطيع العودة إليه، فجذوره باتت مغروسة في تربة أخرى، تربة الأوهام القاتلة.

ارتدى ملابسه بصمت، وتسلل خارج الغرفة كشبح، تاركاً خلفه هدوءاً اصطناعياً يزوره الظلام. هبط إلى الشارع، والبرودة تلسع جلده، لكنها لم تكن مقارنة ببرودة روحه. وصل إلى ذلك المكان الذي بات يعرفه أكثر من معرفته لممر بيته. الباب القديم، الخشبي، ذو النقوش الباهتة، يفتح على عالم آخر، عالم يغتال فيه الضوء، وتنتصر فيه الظلمة.

في الداخل، كانت الأصوات مكتومة، والوجوه مشوهة، والضحكات عارية من الفرح. كان "الشيخ سالم" جالساً في زاويته المعتادة، يراقب الوافدين الجدد بعينين براقتين، تحملان شيئاً من الازدراء وشيئاً أكبر من ذلك، شيئاً يشبه الانتصار. لم يكن الشيخ سالم يبيع مجرد وهم، بل كان يبيع النسيان. نسيان الهموم، نسيان الآلام، نسيان الذنب. وكان "بدر" أحد زبائنه الأوفياء، وإن كان قد استنفذ كل ما لديه ليغطي تكاليف الجرعات.

"أهلاً بك يا بدر، يبدو أنك تبحث عن راحتك المعهودة،" قال الشيخ سالم بصوته الأجش، الذي كان أشبه بصوت صرير باب قديم.

أومأ بدر برأسه، بالكاد استطاع التنفس. كان يشعر بضعف شديد، وأن جسده لم يعد ملكاً له. "المال... أحتاج المزيد من المال."

ضحك الشيخ سالم ضحكة خشنة. "المال؟ المال يباع لمن يقدر قيمته. أما أنت، فقد بعت كل شيء. لكن لا تقلق، دائماً ما يكون هناك حل. هناك خدمة تحتاج لمن يقوم بها."

ارتعش بدر. لم يكن يكترث بما يطلبه منه الشيخ سالم، طالما أن الثمن هو تلك الراحة المؤقتة، ذلك الهروب من عذاب الواقع. "ماذا تريد؟"

"هناك شيخٌ روحانيٌّ، يدّعي أنه يمتلك قوى خارقة، ويتغنى بالحق والعدل. يزعجنا. يزعج عملنا. نريد منك أن تلقنه درساً، درساً لن ينساه."

لم يفهم بدر ما كان يعنيه الشيخ سالم بالدقة، لكن الفكرة بدت مقلقة. "روحاني؟ كيف؟"

"لا تقلق بشأن التفاصيل. فقط اذهب إلى ذلك المكان، وافعل ما أقول لك. سيأتيك الدليل، وسيأتيك المال. المال الذي سيجعلك تنسى كل شيء. تنسى نور. تنسى ذنبك."

كانت كلمات الشيخ سالم كالسم الزاحف في عروق بدر. لم يفكر مرتين. كانت فكرة إيذاء شخص آخر، مهما كان، أقل إيلاماً من فكرة مواجهة نفسه. وافق على مضض، وخرج من ذلك المكان، محملاً بثقل جديد، ثقل جريمة لم يرتكبها بعد، لكنه كان مستعداً لارتكابها.

في هذه الأثناء، كانت "ليلى"، شقيقة بدر، تتألم بصمت. كانت ترى ما يحدث لشقيقها، لكنها كانت عاجزة. كانت تحاول أن تتحدث إليه، أن تستحلفه، لكن كلماتها كانت تتساقط كحبات المطر على صخرة قاسية. كانت تعلم أن خلف هذا الانهيار، كان هناك شيء أعمق، شيء يتعلق بالماضي، بالخوف، بالذنب.

في أحد الأيام، بينما كانت تبحث في مكتب والدهما المتوفى، عثرت على صندوق خشبي قديم، مغلق بإحكام. شعرت بالفضول، وبشيء غريب من الرهبة. وبعد جهد، تمكنت من فتحه. كانت المفاجأة أكبر مما تتخيل. لم تكن هناك مستندات قديمة، بل كانت هناك رسائل. رسائل قديمة، مكتوبة بخط والدهما، موجهة إلى شخص لا تعرفه. وعندما بدأت تقرأ، بدأت تتكشف لها خيوط من الماضي، خيوط كانت مغروسة بعمق في حياة والدها، وخيوط كانت تشد عائلتها إلى الماضي المظلم.

كانت إحدى الرسائل تتحدث عن وعد. وعد قطعه والدها على نفسه، وعد يتعلق بحماية أحدهم. ووعد آخر كان يتعلق بتسليم شيئين ثمينين، شيئين كانا موضع نزاع بين عائلته وعائلة أخرى. بدأت ليلى تفهم لماذا كان والدها يحمل هذا القدر من القلق، ولماذا كان يبدو دائماً كمن يحمل عبئاً ثقيلاً.

لكن الأدهى، كانت الرسالة الأخيرة. كانت تحمل إشارة واضحة إلى "جنّي" أو "كيان" كان يهدد عائلته. شيء لا يدركه العقل، ولكنه محسوس في الأجواء، في الكوابيس، في الأصوات الغريبة. بدأت تشعر بالبرد يسري في عروقها. هل كانت كل هذه الأمور مجرد خيالات، أم أن هناك حقيقة مرعبة خلف كل ما يحدث؟

بعد قراءة الرسائل، أصبحت ليلى أكثر إدراكاً بخطورة الوضع. لم يكن مرض بدر مجرد مرض عادي، بل كان مرتبطاً بماضٍ قديم، وبأسرار لم يتم الكشف عنها بعد. شعرت بأنها وحدها تقف في مواجهة عاصفة، عاصفة بدأت تضرب أركان عائلتها.

في تلك الليلة، وبينما كانت تستعرض محتويات الصندوق، سقط منها ورقة صغيرة. كانت ورقة مطوية بعناية، وعليها رسم غريب، لم تستطع فهمه. لكنها لاحظت شيئاً غريباً. كانت الورقة تنبعث منها رائحة خفيفة، رائحة بخور غريب، ورائحة أخرى، رائحة الموت.

لم يكن الأمر مجرد إدمان. كان هناك شيء أعمق، شيء مظلم، يتسلل إلى حياة بدر، وإلى حياة عائلته. وبدأت ليلى تشعر بأنها هي أيضاً، بدأت تنجرف نحو هذا الظلام، تاركة وراءها الأمان واليقين. كان مستقبل عائلتها معلقاً بخيط رفيع، خيط يهدد بالانقطاع في أي لحظة.

في مكان آخر، كان "خالد"، صديق بدر المقرب، يشعر بالقلق المتزايد. حاول الاتصال ببدر مرات عديدة، لكن دون جدوى. كان يعلم أن بدر ليس من النوع الذي يختفي هكذا، خاصة في هذه الظروف. تذكر آخر محادثة لهما، كانت عن "نور"، وعن الضغط الذي يعيشه بدر. لكن خالد لم يكن يعلم شيئاً عن عالم الشيخ سالم، وعن الأقبية المظلمة.

قرر خالد الذهاب إلى منزل بدر، لعله يجده هناك. عندما وصل، وجد "نور" تقف عند الباب، عيناها حمراوان من البكاء، وقلبها مفطور. كانت تبدو كمن فقدت كل شيء.

"خالد، أين بدر؟ لا أعرف أين هو،" قالت نور بصوت مرتجف.

"لم أجده في أي مكان، نور. لقد حاولت الاتصال به، لكن هاتفه مغلق. هل حدث شيء؟" سأل خالد بقلق.

لم تستطع نور أن تخبره بكل شيء. كان هناك الكثير من الألم، والكثير من الخوف. لكنها أشارت إلى الفراغ الذي تركه بدر، إلى الصمت الذي خيم على حياتهما.

"أعتقد أنه في ورطة كبيرة، خالد. ورطة لا يمكنني أن أصفها لك."

شعر خالد بثقل في صدره. كان يعلم أن بدر كان يمر بأوقات عصيبة، لكنه لم يكن يتوقع هذا. وعد نور بأنه سيحاول بذل قصارى جهده للعثور على بدر، وأنهم سيواجهون هذا معاً.

لكن بينما كانوا يتحدثون، شعر خالد ببرودة مفاجئة في الهواء، وبصوت خافت، أشبه بصفير الريح، يأتي من داخل المنزل. التفت نحو المنزل، لكنه لم ير شيئاً. نور بدت وكأنها لم تسمع شيئاً، أو ربما كانت قد اعتادت على هذه الظواهر.

في تلك اللحظة، أدرك خالد أن الأمر أعمق بكثير مما كان يتخيل. لم يكن الأمر يتعلق بمجرد ضغط نفسي أو مشكلة عائلية. كان هناك شيء خفي، شيء غامض، يتلاعب بحياة أصدقائه. وكان عليه أن يكشف هذا اللغز، قبل فوات الأوان.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%