الجن والبطل الجزء الثالث

أشباح الماضي

بقلم سامر الخفي

كانت الأيام تتساقط كأوراق الخريف الذابلة على "نور"، وكل ورقة تحمل معها عبء الخوف والقلق. لم تعد ترى "بدر" منذ ليالٍ طويلة، وكان صمته يخترق روحها كخنجر بارد. كانت تبحث عنه في كل زاوية، في كل وجه مألوف، لكنه كان قد اختفى كالدخان، تاركاً وراءه فراغاً واسعاً وعذابات لا تنتهي. لم يعد السرير بجانبها يحتضن دفء وجوده، ولم تعد قهوة الصباح تبدو شهية دون ابتسامته.

في أحد الأيام، وبينما كانت تبحث في أغراض بدر القديمة، عثرت على مذكرة صغيرة، غلافها أسود، مهترئ الأطراف. فتحتها بحذر، وقلبها يخفق بعنف. كانت صفحاتها مكتظة بخط يد بدر، خط كان يعرفه جيداً، لكن هذه المرة، كان الخط مضطرباً، محملاً بالكلمات المبعثرة، كأنها صرخات مكتومة.

بدأت تقرأ، وكانت الكلمات ترسم لها صورة مظلمة لحياة بدر. كانت هناك إشارات متكررة إلى "ظلال" تلاحقه، إلى "أصوات" لا تتوقف، إلى "خوف" عميق بدأ يستقر في روحه. كانت هناك أيضاً كلمات عن "وعد" قطعه، ووعد كان عليه الوفاء به، وإلا ستكون العواقب وخيمة.

"الشيخ سالم... هذا الاسم يتكرر كثيراً،" تمتمت نور بصوت خفيض. "من يكون هذا الشيخ سالم؟ وما هو هذا الوعد؟"

كانت المذكرة مليئة بالهموم، بالصراعات الداخلية، وبشعور متزايد بالعجز. تذكرت نور كيف كان بدر يتجنب الحديث عن مشاكله، وكيف كان يحاول دائماً أن يظهر قوياً، لكنها كانت ترى هشاشة روحه من خلف أقنعة الشجاعة.

"أعلم أنك تحمل سراً يا بدر،" قالت نور وهي تضغط المذكرة إلى صدرها، والدموع تنهمر على خديها. "سراً ينهش روحك، ويقودك إلى هذا الهاوية."

في هذه الأثناء، كانت "ليلى" قد تعمقت في البحث عن أسرار الماضي. الرسائل التي وجدتها في صندوق والدها فتحت لها أبواباً لم تكن تتخيل وجودها. اكتشفت أن والدها كان يخفي سراً كبيراً، سراً يتعلق بعائلته، وسراً كان يؤثر على حياة بدر بشكل مباشر.

كانت إحدى الرسائل تتحدث عن "عهد قديم" بين عائلتهم وعائلة أخرى، عهد كان يهدف إلى الحماية المتبادلة. لكن هذا العهد قد تم خرقه، مما أدى إلى سلسلة من الأحداث المأساوية، التي بدأت تظهر آثارها في حياة بدر.

"إذاً، كل هذا بسبب هذا الماضي؟" تساءلت ليلى وهي تدور في غرفتها، تعصف بها الأفكار. "بسبب أخطاء لم نرتكبها، ولكننا ندفع ثمنها؟"

كانت الرسائل تتحدث أيضاً عن "حارس" أو "وصي" كان مكلفاً بحماية شيء ذي قيمة، شيء كان أصل كل هذا الصراع. وبدأت ليلى تربط بين هذه المعلومات وبين حالة بدر، وبين الأوهام التي كان يعيشها.

"هناك شيء مظلم يتربص بنا،" قالت ليلى لنفسها، وقد استقر شعور بالبرد في أعماقها. "شيء لا يمكن للعقل فهمه، ولكنه يؤثر على حياتنا."

بعد بحث مطول، اكتشفت ليلى إشارة إلى "مكان مخفي" كان والدها يستخدمه كملجأ، مكان كان يحتفظ فيه بما هو ثمين. وبعد عناء، حددت موقع هذا المكان. كان كهفاً صغيراً، يقع في منطقة نائية، بعيداً عن أعين الناس.

توجهت ليلى إلى الكهف، وهي تشعر بمزيج من الخوف والترقب. كان الطريق وعراً، والهواء محملاً برائحة الأرض الرطبة والأعشاب البرية. عندما وصلت إلى مدخل الكهف، شعرت ببرودة قوية، وكأنها تدخل عالماً آخر.

في الداخل، كان الظلام دامساً، ولم ينقذه إلا ضوء الهاتف الذي كانت تحمله. بدأت تتفحص المكان، وكانت الأتربة تغطي كل شيء. وفي أحد الزوايا، وجدت حجراً كبيراً، يبدو أنه كان مغطى. وبعد جهد، تمكنت من تحريكه. تحت الحجر، كان هناك صندوق خشبي صغير، مزخرف بنقوش غريبة.

فتحت ليلى الصندوق، وما رأته جعلها تتنفس بصعوبة. لم تكن هناك كنوز مادية، بل كانت هناك مخطوطات قديمة، مغلفة بجلد غريب. وعندما فتحت إحدى المخطوطات، بدأت تقرأ كلمات بلغة قديمة، لغة لم تفهمها، لكنها شعرت بأنها تحمل قوة غريبة، قوة مظلمة.

لكن ما لفت انتباهها أكثر، كانت قطعة أثرية صغيرة، كانت موضوعة في وسط المخطوطات. كانت قلادة، مصنوعة من معدن داكن، عليها حجر أسود يتلألأ في الضوء الخافت. عندما لمستها ليلى، شعرت بوخزة غريبة، كأن تياراً كهربائياً قد مر في جسدها.

"هل هذا هو الشيء الثمين الذي يتحدثون عنه؟" سألت نفسها، وهي تنظر إلى القلادة بعينين واسعتين. "هل هو ما جعل عائلتي تعاني كل هذا الوقت؟"

في هذه الأثناء، كان "خالد" لا يزال يبحث عن بدر. كانت قلقه يزداد يوماً بعد يوم. لقد ذهب إلى كل مكان كان بدر يرتاده، تحدث مع كل شخص قد يعرفه، لكن لا أحد كان لديه أي معلومة.

في إحدى الليالي، وبينما كان خالد يسير في شارع شبه مهجور، شعر بشيء غريب. بدت الأضواء خافتة، والظلال طويلة ومتراقصة. سمع صوتاً همساً، يأتي من زقاق مظلم. تردد، لكن فضوله دفعه إلى الاقتراب.

عندما اقترب، رأى شخصاً يقف في الظلام. كان يرتدي معطفاً طويلاً، وقبعته تخفي معظم وجهه. كان يتحدث بصوت منخفض، يبدو وكأنه يتفاوض مع شخص ما.

"أعلم أن المال قليل، لكن المهم هو التسليم. لا نريد أن تظهر أي مشاكل. يجب أن يتم الأمر بهدوء."

شعر خالد بأن هذا الشخص يتحدث عن شيء خطير. لم يستطع رؤية وجهه بوضوح، لكنه شعر بنظرة خبيثة قادمة منه.

فجأة، استدار الشخص، وكأن لديه شعوراً بأن أحداً يراقبه. رأى خالد عينين براقتين، كأنها عينا حيوان مفترس. قبل أن يتمكن من الهرب، أشار الشخص إلى خالد، وصاح بصوت عالٍ: "من هناك؟"

هرع خالد فوراً، يركض بأقصى سرعة، وقلبه يخفق بعنف. لم ينظر خلفه، لكنه شعر بأن أحداً يتعقبه. وصل إلى سيارته، وانطلق بها مبتعداً، تاركاً خلفه الظلام والغموض.

"من كان هذا الرجل؟ وماذا كان يفعل؟" سأل خالد نفسه، وهو يلهث. "هل له علاقة ببدر؟"

عاد خالد إلى منزله، وعقله يعج بالأسئلة. شعر بأن الأمور بدأت تتضح، لكن الصورة التي تتكون كانت مرعبة. لم يعد الأمر مجرد اختفاء صديقه، بل كان هناك شيء أعمق، شيء يتعلق بالخطر، بالفساد، وبالقوى الخفية التي بدأت تظهر في حياته.

لم يكن يدري أن هذا اللقاء كان مجرد بداية، وأن الظلال التي بدأت تلوح في الأفق، ستسحبه إلى معركة لم يكن يتخيلها، معركة ضد قوى لا يعرفها، وفي عالم يختلف تماماً عما اعتاد عليه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%