ليلة مظلمة الجزء الثالث
همسات في ظلام القرية
بقلم سامر الخفي
كانت السماء فوق قرية "وادي الغسق" سوداء كالقطيفة، لا يعكر صفوها سوى خيوط فضية باهتة من نجوم متناثرة، كأنها دموع تساقطت على خد الليل. الريح، التي اعتادت أن تهمس بين أشجار النخيل العتيقة، كانت اليوم تعوي بزمجرة غريبة، تحمل معها رائحة التراب المبلل وعبق أزهار الياسمين الممزوج بشيء لا يمكن وصفه، شيء قديم، شيء كالح.
في وسط هذا السكون المطبق، كان "فارس" يمشي بخطى ثابتة، يرتدي جلباباً أبيض فضفاضاً بالكاد يرى في ظلمة الليل. عيناه، اللتان غالباً ما تتلألآن ببريق الحكمة والتصميم، كانتا الآن مسلطتين على المسار الترابي الضيق الذي يمتد أمام منزله. لم يكن رجلاً اعتاد الخوف. لطالما كان صخرة العائلة، السند الذي يستند إليه الجميع. لكن الليلة، كان هناك ثقل غير مألوف يضغط على صدره، همس خفي يتردد في أذنيه، يذكره بأن هناك أموراً تفوق الإدراك البشري.
كان قد خرج لتوه من صلاة العشاء، لكن صوته لم يعد يرتل الآيات كما كان. في ذهنه، كانت تتصارع آية "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ" مع صور غامضة لم ترها عيناه من قبل، لكنها حفرت عميقاً في روحه. لقد بدأت الظواهر الغريبة منذ أسبوع، منذ اختفاء "ليلى"، ابنة عمه الوحيدة، في ظروف لا يعلمها إلا الله. كانت ليلى، الفتاة المرحة ذات الضحكة الرنانة، قد اختفت كأنها بالون طائرة حملها الهواء إلى عالم آخر.
كل القرية كانت تبحث. الرجال، النساء، الأطفال. استنزفوا كل شبر في الوادي، بحثوا بين أطلال البيوت القديمة، تفحصوا كهوف الجبال المجاورة، حتى استعانوا بالشيوخ للبحث عن علامات في السماء أو الأرض. لكن شيئاً. لا أثر، لا دليل، لا همسة.
فارس توقف فجأة، رفع رأسه. شيء ما! صوت خافت، بالكاد يمكن تمييزه، جاء من اتجاه البئر القديمة المهجورة عند طرف القرية. لم يكن صوت حيوان، ولا صوت إنسان. كان أشبه بنين، أو بضيق شديد.
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم." تمتم فارس، واستجمع شجاعته. توجه نحو البئر، وقلبه يخفق بقوة في صدره، لكن ليس من الخوف، بل من مزيج من القلق والتصميم.
وصل إلى حافة البئر. الظلام فيها كان كثيفاً، عميقاً، يخفي أسراراً قديمة. البئر نفسها كانت تاريخاً في القرية، قيل إنها كانت مصدراً للحياة ذات يوم، لكنها الآن أصبحت مكاناً موحشاً، تحيط بها الأشواك والعناكب.
"ليلى؟" نادى بصوت متوتر.
الصوت تكرر، أقوى قليلاً هذه المرة، لكنه لا يزال غامضاً. كان يبدو وكأن هناك صوتاً واحداً، يتعدد في آن واحد، كأن عشرات الأصوات تتداخل في نشاز رهيب.
"من هناك؟" صرخ فارس، مشعلاً مصباحاً يدوياً ضعيفاً. شعاع الضوء اخترق الظلام، لكنه لم يصل بعيداً، واصطدم بجدران البئر الرطبة.
فجأة، ظهر في نهاية شعاع الضوء شيء. لم يكن شيئاً بشرياً. كان أشبه بظل، متلوي، يتشكل ويتغير. كان يتحرك ببطء، بلا جسد محدد، وكأنه دخان أسود كثيف.
جحظت عينا فارس. هل هذا ما حدث لليلى؟ هل هذا هو السبب وراء اختفائها؟
"ما هذا؟!" همس، متراجعاً خطوة.
الظل اقترب، يتحرك ببطء نحو حافة البئر. أصبح الشكل أكثر وضوحاً، أو بالأحرى، أصبح شكله أكثر إثارة للفزع. كان يبدو وكأنه وجه، لكنه وجه مشوه، ذو عينين غائرتين وفم يتسع في صرخة صامتة.
"بسم الله الرحمن الرحيم." بدأ فارس يقرأ آيات قرآنية بصوت مرتفع، يرتجف قليلاً.
لكن الظل لم يتأثر. استمر في الاقتراب، يبدو أنه يتغذى على الخوف المنبعث من فارس.
وفي تلك اللحظة، سمع صوتاً آخر، صوت مألوف، صوت "زينب"، أخته الصغرى.
"فارس! إلى أين أنت ذاهب؟"
استدار فارس بسرعة. زينب كانت تقف على بعد خطوات منه، تحمل فانوساً يلقي بضوء أصفر خافت على وجهها القلق.
"زينب! عودي إلى المنزل. فوراً!" أمرها فارس بصوت فيه حدة لم تعهدها منه.
"ولماذا؟ ماذا تفعل هنا؟" سألت زينب، تقترب، رغم نظرات فارس التحذيرية.
"قلت لكِ عودي!"
لكن زينب لم تنصت. كانت عيناها قد وقعتا على الظل المتصاعد من البئر. تجمدت في مكانها، والفانوس يسقط من يدها.
"هذا... هذا...!" تلعثمت.
كان الظل قد وصل إلى حافة البئر، وأصبح الآن قريباً جداً من فارس وزينب. شعر فارس ببرد قارس يتسلل إلى عظامه، رغم حرارة الليل.
"استغفر الله العظيم." تمتم، يضع يده على صدره، محاولاً جمع ما تبقى من قوته.
في هذه اللحظة، انبعث صوت من داخل الظل، صوت طفولي، لكنه مليء بالحزن والرجاء.
"أنقذني..."
تعرف فارس على الصوت. إنه صوت ليلى.
"ليلى!" صرخ فارس، محاولاً تجاوز خوفه، متجهاً نحو الظل.
لكن قبل أن يصل إليها، ابتلع الظل جزءاً من الضوء المنبعث من فانوس زينب، ثم امتد بقوة نحو فارس. شعر ببرودة شديدة، وبضغط هائل يكاد يسحقه.
"فارس!" صرخت زينب، تهرع نحوه.
لكن الظل كان أسرع. التف حول فارس، وها هو يكاد يبتلعه.
وفجأة، سمع فارس صوت أذان الفجر، صوت مؤذن القرية، "بلال". صوته الرخيم اخترق الظلام، يحمل معه وعداً بالصبح، بالضوء، بالخلاص.
عند سماع الأذان، انكمش الظل بشكل ملحوظ، كأنه تعرض لحروق. تراجع بسرعة نحو البئر، ثم اختفى تماماً في أعماقها، تاركاً وراءه صمتاً ثقيلاً، وبرداً قارساً.
فارس وقع على ركبتيه، يلهث، وهو يشعر بقلبه يعود إلى مكانه.
"فارس! هل أنت بخير؟" سألت زينب، تضمّه بقوة.
"الحمد لله." أجاب فارس، وهو لا يزال يشعر بالرعشة. نظر إلى البئر، ثم إلى زينب. "لقد رأيتِ ذلك؟"
أومأت زينب برأسها، وعيناها تفيضان بالدموع. "رأيت. كان... كان شيئاً لا يوصف."
"هذا هو السبب. هذا هو الشيء الذي أخذ ليلى." قال فارس، وعيناه تحدقان في البئر المظلمة. "ولكن كيف؟ ولماذا؟"
كانت هذه الأسئلة تدور في ذهنه، تبدأ رحلة ستكون أطول وأخطر مما تخيل.