ليلة مظلمة الجزء الثالث
همس الظلام في أروقة القلب
بقلم سامر الخفي
ارتعش قلب زينب وهي تستمع إلى صوت جدتها القادم من الخارج، صوتٌ كانت تتوق إليه لكنه الآن أصبح يحمل نبرةً لم تعهدها فيها من قبل. نبرةٌ خافتة، تحمل بين طياتها شيئًا من الحيرة والقلق. دفنت وجهها بين راحتيها، تشعر بثقلٍ غريبٍ يضغط على صدرها. لم تكن ليلة أمس مجرد كابوسٍ عابر، بل أصبحت واقعًا يتكشف ببطء، يلقي بظلاله الداكنة على كل زاويةٍ في حياتها.
كانت الهدوء الذي خيم على المنزل صباحًا يخفي تحته عاصفةً كامنة. جدتها، الحاجة أمينة، كانت دائمًا نبع الحكمة والطمأنينة، لكن منذ عودتها من عند الحاج سليمان، تغير شيءٌ ما. لم تعد الحاجة أمينة تلك المرأة الصلبة التي كانت تواجه مصاعب الحياة بابتسامةٍ صابرة، بل بدت شاردة الذهن، تنظر إلى الأشياء وكأنها تراها لأول مرة. كانت تعود بذكرها إلى أيامٍ مضت، إلى ماضٍ كان يحمل في طياته ذكرياتٍ مؤلمة، ذكرياتٌ زينب لم تعرف عنها شيئًا.
"يا زينب، هل أنتِ هنا؟" صوت الجدة بدا أقرب الآن.
قامت زينب مفزوعة، تنفض الغبار عن ثوبها المنسي. "نعم يا جدتي، أنا هنا."
دخلت الحاجة أمينة الغرفة، وعيناها البراقتان لم تعودا تحملان ذلك البريق المعهود. جلست على طرف السرير، ونظرت إلى زينب بعينين غائمتين. "لقد رأيتُ شيئًا يا ابنتي، شيئًا لم أستطع تفسيره."
"ماذا رأيتِ يا جدتي؟" سألت زينب بقلق، وهي تجلس بجانبها وتقبّل يدها.
"رأيتُ... رأيتُ صورًا تتدافع أمام عيني، أصواتًا تتردد في أذني. كأنما عدتُ إلى الوراء، إلى زمنٍ كنتُ فيه صغيرة." تنهدت الحاجة أمينة بعمق. "الحاج سليمان... الرجل غريب، يتحدث عن أشياء لا أفهمها. وكأنه يعرفني، يعرف أسرارًا لم أكشفها لأحد."
شعرت زينب بوخزةٍ من الخوف. الحاج سليمان، ذلك الرجل ذو النظرات الثاقبة والغضب المكتوم، كان دائمًا يثير فيها شعورًا بالريبة. الآن، يبدو أن هذا الشعور يتزايد، يمتد ليشمل جدتها أيضًا. "هل قال شيئًا عن والدي، يا جدتي؟"
ترددت الحاجة أمينة. "لم يذكر اسمه صراحةً، لكنه تحدث عن 'تلك الليالي'، عن 'الصفقة التي عقدت'." هزت رأسها بقوة. "هذا كله هراء، لا معنى له. لكنه ترك في نفسي أثرًا، أثرًا جعل قلبي يخفق بقلقٍ لم أشعر به منذ زمن."
في هذه الأثناء، كان أحمد، ابن عم زينب، يتجول في أرجاء القرية، يشعر بضيقٍ يتزايد كلما فكر في زينب. كان يحاول أن يبدو قويًا أمامها، أن يطمئنها، لكن داخله كان يتصارع مع مخاوفه. بعد أن رأى الرعب في عينيها تلك الليلة، وبعد أن سمع عن الزيارات الغامضة للحاج سليمان، لم يعد يستطيع أن ينكر أن هناك شيئًا مريبًا يحدث.
كان أحمد معروفًا بشجاعته ووفائه، لكنه الآن شعر أنه يقف أمام عدوٍ لا يراه. الحاج سليمان لم يكن مجرد رجلٍ غريب، بل كان يحمل معه تاريخًا يبدو أنه يطارد العائلة. تذكر كلمات جدته الراحلة، التي كانت دائمًا تحذرهم من "بعض الأرواح الشريرة التي تتربص بنا". لم يكن أحمد يؤمن بتلك الخرافات، لكن ما يحدث الآن جعله يفكر مرةً أخرى.
مر أحمد ببيت الحاج سليمان، ونظر إليه من بعيد. كان البيت يبدو مهجورًا، مظلمًا، كأنه يختبئ فيه الكثير من الأسرار. رأى ضوءًا خافتًا ينبعث من نافذةٍ في الطابق العلوي. لم يكن يعرف لماذا، لكن فضوله دفعه إلى الاقتراب. كانت خطواته بطيئة، متأنية، يحاول ألا يحدث أي صوت.
اقترب أكثر، ووصل إلى نافذةٍ مفتوحة جزئيًا. استطاع أن يرى جزءًا من الغرفة. كان الحاج سليمان جالسًا على كرسيٍ خشبي قديم، والغرفة مليئة بالكتب القديمة والأدوات الغريبة. كان يحدق في كتابٍ مفتوح، ويتمتم بكلماتٍ غير مفهومة. ثم، بصوتٍ مفاجئ، رفع رأسه ونظر باتجاه النافذة، وكأنما شعر بوجود أحمد.
شعر أحمد ببرودةٍ تسري في عروقه. تراجع بسرعة، وقلبه يدق بعنف. لم يكن الأمر مجرد شك، بل أصبح يقينًا بأن الحاج سليمان ليس رجلًا عاديًا. عاد إلى منزل جدته، محملاً بأسئلةٍ جديدة وقلقٍ متزايد.
عندما وصل أحمد، وجد زينب وجدتها جالستين في الصالة. بدت الحاجة أمينة أكثر هدوءًا الآن، كأنها استنفدت قواها في محاولة فهم ما يحدث.
"ما بك يا أحمد؟ تبدو شاحب الوجه." سألت الحاجة أمينة.
"لا شيء يا جدتي، مجرد تفكير." أجاب أحمد، وهو يحاول أن يخفي ارتباغته. "زينب، هل فكرتِ في الأمر الذي تحدثنا عنه؟"
نظرت زينب إليه، وعيناها تحملان نظرةً عميقة من الألم. "ماذا يمكنني أن أفكر فيه يا أحمد؟ كل شيء ينهار حولي. جدتي... إنها تتغير."
"علينا أن نفعل شيئًا." قال أحمد بحزم. "لا يمكننا أن نترك الأمور هكذا. علينا أن نفهم ما الذي يريده الحاج سليمان، وما هي الأسرار التي يخفيها."
"وماذا سنفعل؟" سألت زينب. "إنه رجلٌ مخيف، ولا أعرف ما الذي يمكننا أن نفعله ضده."
"سنبحث." قال أحمد. "سنبحث في تاريخ العائلة، في قصص جداتنا. لابد أن هناك شيئًا يربط كل هذا، شيئًا قد ننساه، أو تجاهلناه."
فكرت الحاجة أمينة مليًا. "والدي... كان لديه صندوقٌ خشبي قديم، يحتفظ فيه ببعض الوثائق والأشياء الثمينة. لم أفتحه منذ سنوات. ربما... ربما يكون فيه شيءٌ يساعدنا."
أشرق الأمل في عيني زينب وأحمد. "أين هو هذا الصندوق يا جدتي؟" سألت زينب.
"إنه في المخزن، في غرفة والدك." قالت الحاجة أمينة. "لكن المخزن مظلمٌ ومهجور، وقد يكون مليئًا بالغبار والأشياء القديمة."
"لا يهم." قال أحمد. "سنذهب إليه الآن. كل شيءٍ وكل ما يهم هو أن نجد إجابات."
نهض أحمد وزينب، واتجها نحو المخزن. كانت خطواتهما متزامنة، كأن قلوبهما تنبض بوترٍ واحد، وترًا يجمع بين الخوف والأمل، بين الحيرة والتصميم. كانتا على وشك الغوص في بحرٍ من الذكريات والأسرار، بحرٍ قد يكشف لهما الحقيقة، أو قد يبتلعهما في دوامته المظلمة.
انفتح باب المخزن بصريرٍ قاسٍ، أحدث صدىً غريبًا في صمت الليل. استقبلت زينب وأحمد هواءً باردًا، محملاً برائحة التراب والغبار القديم. كان الظلام دامسًا، لا ينيره سوى شعاعٌ خافتٌ من ضوء القمر تسلل عبر فتحةٍ صغيرةٍ في السقف. كانت الأغراض مكدسةً في كل مكان، صناديقٌ قديمة، أدواتٌ مهملة، أقمشةٌ بالية، وكلها مغطاةٌ بطبقةٍ سميكةٍ من الغبار، كأنها شاهدةٌ على زمنٍ مضى.
"هذا هو صندوق والدي." قالت زينب بصوتٍ متقطع، وهي تشير إلى صندوقٍ خشبي كبير، مزخرف بنقوشٍ عتيقة، كان موضوعًا في زاويةٍ مظلمة.
اقترب أحمد، وأمسك بالصندوق. كان ثقيلًا، وتغطي سطحه طبقةٌ سميكةٌ من الغبار. "علينا أن نخرجه إلى النور." قال.
بذلا جهدًا كبيرًا في سحب الصندوق إلى وسط المخزن، حيث تسلل بعض الضوء. بدأت زينب بمسح الغبار عن سطح الصندوق، كاشفةً عن نقوشٍ غريبة، لم تعرف معناها. كانت هناك رموزٌ لم ترها من قبل، كأنها لغةٌ منسية.
"هل تجد شيئًا؟" سألت زينب.
"الصندوق مقفل." أجاب أحمد، وهو يحاول فتح القفل الصدئ. "لا أملك مفتاحًا."
شعرت زينب بخيبة أملٍ تعتريها. "وماذا نفعل الآن؟"
تذكرت الحاجة أمينة شيئًا. "لقد أخبرني والدي أن المفتاح يكون مخبأً في مكانٍ قريب، إذا لم يكن لديه مفتاحٌ احتياطي. كان يحب إخفاء الأشياء."
نظرت زينب حولها. "لكن أين؟"
بدأ أحمد بالبحث الدقيق حول الصندوق. كان يدقق النظر في كل زاوية، في كل شق. ثم، لاحظ شيئًا غريبًا. كانت هناك قطعةٌ من الخشب تبدو مختلفة عن باقي الصندوق. حاول تحريكها، فوجد أنها جزءٌ من تصميمٍ زخرفي. بعد قليلٍ من المحاولة، استطاع أن يسحبها.
"لقد وجدته!" هتف أحمد.
كانت قطعةٌ صغيرةٌ من الخشب، ولكن خلفها كان هناك تجويفٌ صغير. سحب أحمد منه مفتاحًا معدنيًا صغيرًا، صدئًا هو الآخر.
تنفست زينب الصعداء. "الحمد لله."
وضع أحمد المفتاح في القفل، وأدارها ببطء. سمعت صوت طقطقةٍ خفيفة، وانفتح الصندوق.
رفعت زينب وأحمد الغطاء معًا. انبعث من الداخل رائحةٌ غريبة، مزيجٌ من الورق القديم والتوابل. كانت محتويات الصندوق مدهشة. أوراقٌ صفراء، مغطاةٌ بخطٍ يدويٍ قديم، وبعض الصور الفوتوغرافية التي بدت باهتةً بفعل الزمن، وبعض القطع الأثرية الصغيرة، كأنها تعويذاتٌ أو أحجارٌ كريمة.
بدأت زينب بتقليب الأوراق. كانت هناك رسائلٌ بخطٍ مختلف، أحدهما كان بخط جدها، والآخر بخطٍ نسائيٍ أنيق. قرأت بعض السطور الأولى من إحدى الرسائل: "يا حبيبي، لا أستطيع أن أتحمل البعد أكثر. روحي معلقةٌ بك، وقلبي يخفق لك وحدك."
شعرت زينب بوخزةٍ في قلبها. هل كانت هذه الرسائل من جدتها لجدها؟ أم ربما... من امرأةٍ أخرى؟
في هذه الأثناء، كان أحمد يقلب الصور. كانت هناك صورةٌ لجدها وهو شاب، يقف بجانب امرأةٍ جميلة، ذات ملامحٍ غريبة، وعينين داكنتين. لم تكن جدته.
"من هذه يا أحمد؟" سألت زينب، وهي تقترب منه.
نظر أحمد إلى الصورة بتمعن. "لا أعرف. لكنها ليست جدتي."
ثم، وجد أحمد دفترًا صغيرًا، مغطى بقطعةٍ من القماش المخملي الأسود. فتحه. كانت الصفحات مملوءةً برسوماتٍ غريبة، ورموزٌ لم يفهمها، وبعض العبارات القصيرة بخطٍ غريب.
"ما هذا؟" سأل أحمد.
"لا أعرف." أجابت زينب. "لكن كل هذا يبدو مخيفًا."
بدأت زينب بقراءة بعض العبارات الموجودة في الدفتر. كانت هناك عباراتٌ مثل: "القوة تنبع من الظلام"، "العقد القديم سيبقى"، "الظل سيعود".
شعرت زينب بقشعريرةٍ تسري في جسدها. "يا أحمد، أعتقد أننا فتحنا بابًا لم نكن يجب أن نفتحه."
"لكننا بحاجةٍ لمعرفة الحقيقة." قال أحمد، وهو ينظر إلى وجه زينب القلق. "مهما كانت، علينا مواجهتها."
عاد صوت الحاجة أمينة من الخارج، ينادي عليهما. "يا أبنائي، هل انتهيتما؟ أصبحتُ أشعر بالبرد."
أغلق أحمد الصندوق بسرعة، واستجابا لنداء جدتهما. كانا يحملان معهما ثقلًا جديدًا، ثقلًا لا يخصهما وحدهما، بل يخص تاريخًا قديمًا، وتاريخًا يتجسد الآن في عالمهم، مهددًا بتدمير كل شيءٍ يحبونه. كان الظلام قد بدأ ينسج خيوطه حولهم، وكان عليهم أن يجدوا طريقةً لمواجهته، قبل أن يبتلعهم بالكامل.