ليلة مظلمة الجزء الثالث
همس الليل على أسوار القصر
بقلم سامر الخفي
استيقظت ليلى على خيوط الفجر الأولى تتسلل من نوافذ غرفتها العالية، تحمل معها وعدًا ليوم جديد، ولكن في صدرها ثقلٌ لم تفارقه منذ ليلة أمس. لم تكن قادرة على وصفه تمامًا، لكنه كان مزيجًا من الخوف المتزايد والقلق على سالم، الذي بدا جسده واهنًا وروحه مكبلةً بأسرار أثقل من حمل الجبال. قضت ليلتها في تضرع ودعاء، طلبت فيه من الله أن يكشف لها حقيقة ما يجري في هذا القصر العتيق، وأن يحمي من تحب.
ارتدت ملابسها بعناية، ثوبًا فضفاضًا بلون الزمرد، وغطت شعرها بحجاب بسيط من حرير أبيض. نزلت إلى قاعة الطعام الواسعة، حيث كانت رائحة القهوة العربية الأصيلة تمتزج بعبق الهيل والتوابل، معلنةً بدء يوم آخر في هذا العالم المليء بالألغاز. وجدت جدتها، السيدة الفاضلة، جالسةً إلى المائدة، ووجهها الهادئ يعكس حكمة السنين، ولكن عينيها كانتا تحملان بصيصًا من القلق الخفي.
"صباح الخير يا جدتي،" قالت ليلى وهي تجلس مقابلةً لها.
"صباح النور يا بنيتي،" أجابت السيدة الفاضلة بابتسامة دافئة، "هل نمتِ جيدًا؟"
ترددت ليلى للحظة. كان كذبًا أن تقول نعم. "نمِت، ولكني لم أجد راحت البال،" اعترفت بصراحة. "حالة سالم تقلقني كثيرًا."
تنهدت السيدة الفاضلة، ووضعت يدها الحانية على يد ليلى. "نحن جميعًا قلقون عليه يا ليلى. إنها لعنة قديمة، لعنةٌ لا تعرف إلا البقاء وتتغذى على أجساد أضعفنا. ولكن الله رحيم، ولن يدع الظلم ينتصر."
"ولكن كيف يمكننا مواجهة شيء لا نراه، شيء يختبئ في الظلام؟" سألت ليلى، صوتها يرتجف قليلًا.
"بالإيمان يا ابنتي، وبالوحدة. عندما نجتمع، وعندما نتمسك بديننا، فإننا نصبح أقوى. ولدينا من الأدلة ما يكفي لكي نبدأ البحث عن مصدر هذا الشر."
"الأدلة؟" استغربت ليلى. "هل وجدنا شيئًا؟"
"نعم،" قالت السيدة الفاضلة، وأشارت بيدها إلى خادمٍ كان يقف بعيدًا. "أحضر لي ذلك الصندوق القديم، الذي وجدناه في سرداب المخطوطات."
جاء الخادم وهو يحمل صندوقًا خشبيًا مزخرفًا بنقوش غريبة. فتحته السيدة الفاضلة بحذر، وكشفت عن مجموعة من الأوراق واللفائف القديمة، بالإضافة إلى تميمة غريبة مصنوعة من حجر أسود غير لامع.
"هذه الكتابات،" قالت السيدة الفاضلة وهي تشير إلى إحدى اللفائف، "مكتوبة بلغة قديمة جدًا. وبمساعدة الشيخ إبراهيم، تمكنا من فك رموز جزء منها. يبدو أنها وصفةٌ لطرد كيانٍ شرير، يتغذى على الطاقة الحيوية للبشر، ويسكن في الأماكن المظلمة والمهجورة."
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها. "كيان شرير؟ هل تقصدين أن ما أصاب سالم... هو بسبب شيء كهذا؟"
"كل الدلائل تشير إلى ذلك. وهذا الحجر الأسود،" قالت وهي تلتقط التميمة، "يبدو أنه مركز قوته، أو على الأقل جزءٌ منه. لقد أُحرقت يد الخادم الذي حاول لمسه، وتُركت عليه علامةٌ غريبة."
نظرت ليلى إلى العلامة التي كانت على يد الخادم، وهي تشبه ندبةً ملتفةً حول نفسها. "يجب أن نفعل شيئًا،" قالت بحزم. "لا يمكننا أن نتركه يفتك بنا."
"ولكن الأمر ليس بهذه السهولة يا ليلى. الوصفة تتطلب مكونات نادرة، وبعض الطقوس التي لا نستطيع القيام بها إلا في وقتٍ معين، ووقت اكتمال القمر. كما أن هناك حراسًا لذلك الكيان، ليسوا مجرد أرواح، بل أشخاصٌ تحولوا بسبب لعنات قديمة."
"أشخاص؟" تكررت ليلى الكلمة، وشعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها. "هل هذا يعني أن هناك خطرًا مباشرًا علينا؟"
"إذا كشفنا أنفسنا، نعم. يجب أن نكون حذرين للغاية. علينا أن نجمع المكونات بهدوء، وأن نتجنب أي مواجهة غير ضرورية. كما أن الشيخ إبراهيم حذرنا من أن هذا الكيان قد يكون له أتباعٌ في محيطنا، أشخاصٌ لا نعرفهم، يسعون لحمايته."
فجأة، لمعت عينا ليلى بتصميم. "لا يمكننا أن نبقى مكتوفي الأيدي. يجب أن نتحرك. أنا مستعدة للمساعدة في أي شيء."
ابتسمت السيدة الفاضلة، ورأت في عيني حفيدتها شعلةً من الشجاعة والإصرار. "أعرف ذلك يا ابنتي. ولكن قبل كل شيء، يجب أن نحمي سالم. هناك قطعةٌ من الذهب الأسود، وجدناها مدفونةً في حديقة القصر، قرب البئر القديمة. تقول الأسطورة أن هذه القطعة، إذا وُضعت على صدر المصاب، يمكن أن تخفف من آلامه، وأن تبطئ من تأثير اللعنة."
"أين هي هذه القطعة؟" سألت ليلى بسرعة.
"لقد أخذها الخادم ليضعها عند سالم. ولكن لا فائدة، يبدو أن اللعنة تشتد. يجب أن نفعل شيئًا أكثر."
بعد تناول وجبة الفطور بصعوبة، قررت ليلى أن تتجه إلى جناح سالم. كانت الغرفة شبه مظلمة، والستائر السميكة تحجب ضوء النهار. كان سالم يرقد على سريره، جسده نحيلًا وشاحبًا، وعيناه مغمضتان، ولكن يبدو أنه كان يتألم. اقتربت منه ببطء، وبصوتٍ هادئ، بدأت تقرأ عليه بعض الآيات القرآنية.
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد."
شعرت بأن روحها تتعلق بقوة الله، وتتدفق عبر كلماتها لتقوي ضعف سالم. بعد لحظات، فتح سالم عينيه ببطء، وبدا وكأنه يحاول التركيز.
"ليلى؟" همس بصوتٍ خافت، يكاد يكون غير مسموع.
"أنا هنا يا سالم،" قالت وهي تمسك بيده. كانت باردةً، كأنها لم تعرف الدفء يومًا. "أنا هنا بجانبك."
"لا... لا تستطيعين رؤيته،" قال سالم، وعيناه تتسع بلمحة من الذعر. "إنه قريبٌ جدًا. يهمس لي."
"من يهمس لك يا سالم؟" سألت ليلى، قلبها يخفق بشدة.
"الظل... الظل الذي يتبعني. يقول لي... أشياء..."
"ماذا يقول لك؟" ألحّت ليلى.
"لا أستطيع... أن أقول..." تمتم سالم، ثم أغلق عينيه مرة أخرى، وبدا وكأنه يستسلم لضعفه.
نظرت ليلى حول الغرفة، وبحثت بعينيها عن أي شيء غير طبيعي، أي حركة في الظلال، أي همسة في الهواء. لم ترَ شيئًا، ولكن الشعور بالوجود الغامض كان طاغيًا. لقد أدركت أن التهديد كان حقيقيًا، وأنه لم يعد مجرد أسطورة قديمة، بل واقعٌ مرعبٌ يفرض نفسه على حياتهم. كان عليها أن تتجاوز خوفها، وأن تقود الطريق في هذه المعركة، ليس من أجل سالم فقط، بل من أجل كل من يسكن هذا القصر، ومن أجل كل من يؤمن بالخير.