ليلة مظلمة الجزء الثالث

همسات الظلام في عروق سالم

بقلم سامر الخفي

عاد الهدوء إلى المكتبة بعد رحيل جعفر، ولكن الأثر الذي تركه كان عميقًا. كان الخوف يتطاير من بين جدران القصر، ويتجسد في نظرات ليلى والقلق المستمر الذي يخيم على السيدة الفاضلة. لقد بات واضحًا أنهم ليسوا وحدهم في هذه المعركة، وأن هناك أيديًا خفيةً تسعى لإعاقة تقدمهم، بل ولإلحاق الأذى بهم.

"جعفر ليس مجرد خادم،" قالت السيدة الفاضلة بصوتٍ مرتجف، وهي تعود إلى مكتبتها. "لقد رأيت في عينيه شيئًا لم أره من قبل. إنه لم يعد بشريًا. لقد أصبح أداةً طيعةً للكيان الشرير. وهذا يعني أن الأمر قد أصبح أكثر تعقيدًا. لا نستطيع أن نثق بأي شخص."

"ولكن سالم؟" قالت ليلى، وقد تملكها قلقٌ جديد. "ماذا سيحدث له الآن؟ هل سيستطيع جعفر إلحاق المزيد من الأذى به؟"

"نخشى ذلك. فالكيان الشرير يستخدم أتباعه للوصول إلى ضحاياه. إذا كان جعفر يعلم أننا نحاول إيجاد علاج، فإنه قد يسعى لتعجيل موت سالم."

"يجب أن نحميه. يجب أن نضع حاجزًا حوله."

"لقد فعلنا ما بوسعنا. الماء المقروء، والأدعية. ولكن قوة الكيان الشرير تزداد يومًا بعد يوم. لقد بدأت علاماته السوداء تنتشر أكثر على جسده. يبدو أن الذهب الأسود لم يعد كافيًا."

"وماذا عن 'نجمة الهدى'؟ هل هناك أي أمل في العثور عليها؟"

"الشيخ إبراهيم يعمل على هذا الأمر. لديه بعض المعلومات القديمة التي تشير إلى أن مكان اختفائها قد يكون مرتبطًا بمكانٍ مهجورٍ في الصحراء، يعرف باسم 'وادي الأشباح'. ولكنه مكانٌ خطير، ويُقال إنه مسكونٌ بالجن."

"وادي الأشباح؟" تكررت ليلى الكلمة، وقد شعرت بالرهبة.

"نعم. ولكن إذا كانت 'نجمة الهدى' هناك، فلا بد لنا من الذهاب. لابد لنا من المخاطرة."

قضت ليلى بقية اليوم في محاولةٍ لزيارة سالم، ولكن جعفر كان يمنعها دائمًا، بحجج واهية. "السيد مريض جدًا، لا يسمح بزيارة أحد." "السيد في حاجة إلى راحة تامة." كانت كذبات واضحة، ولكن ليلى لم تستطع مجابهته بشكل مباشر، خوفًا من إثارة المزيد من الشكوك، أو كشف نواياها.

في المساء، تسللت ليلى إلى جناح سالم. كانت الغرفة أكثر ظلمةً من ذي قبل، والظلال تبدو أطول وأكثر تهديدًا. كان سالم يتنفس بصعوبة، وعلى وجهه تعابير الألم. اقتربت منه ببطء، ولمست جبينه. كان باردًا.

"سالم،" همست، "أنا هنا. استمع إلي."

فتح سالم عينيه ببطء، وبدت فيهما نظرةٌ غريبة. لم تكن نظرة سالم الذي تعرفه، بل نظرة شخصٍ يعيش في عالمٍ آخر. "إنهم... قريبون،" قال بصوتٍ ضعيف. "الهواء... ثقيل."

"من هم الذين قريبون يا سالم؟"

"أصوات... لا يمكنني أن أفهمها... ولكنها تمنعني من النوم. تمنعني من التنفس."

"هل هم همسات الظلام التي تتحدث عنها جدتي؟"

"ربما... إنهم يريدونني... أن أنضم إليهم. أن أكون واحدًا منهم."

شعرت ليلى بالرعب يتزايد. لم يكن سالم يصارع مجرد مرض، بل كان يصارع كيانًا يحاول السيطرة على روحه. "لا تستسلم يا سالم. أنا هنا. معك. لا تدعهم يأخذونك."

"ولكن... كيف...؟" قال سالم، وعيناه تائهتان. "لا أستطيع... أن أقاوم... القوة... كبيرة."

"علينا أن نجد طريقة. علينا أن نقوي إيماننا. علينا أن نتذكر من نحن."

في تلك اللحظة، بدأت يدي سالم تتحرك ببطء، وكأن شيئًا ما يدفعه. كانت العلامات السوداء تنتشر بشكل أسرع، وتلتف حول أصابعه. ثم، وبصوتٍ خفيض، خرج من فمه كلامٌ لم تستطع ليلى فهمه. كانت لغةً قديمة، مليئةً بالهمسات المرعبة.

"ما هذا؟" سألت ليلى، وقد بدأت تشعر بالخوف الشديد.

"إنها... لغة الظلام،" قال سالم، بصوتٍ مختلف، صوتٌ غريب، ليس صوته. "إنه يسيطر عليّ."

"من يسيطر عليك يا سالم؟"

"الكيان... الذي سكن هذا القصر... منذ زمن بعيد. إنه ينمو... بفضل خوفنا. بفضل ضعفنا."

"لا! لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا!" قالت ليلى، وقد تملكها اليأس. "يجب أن يكون هناك حل."

"الحل... ليس سهلاً. إنه يتطلب... تضحية... أكبر."

"أي تضحية يا سالم؟"

"روح... بريئة... تصبح قرابين... لكسر العهد."

صُدمت ليلى. "روح بريئة؟ هل تقصدين...؟"

"نعم... واحدة منكم... قد تضطر... لدفع الثمن."

شعرت ليلى بأن قلبها سقط. هل هذا ما كان الكيان يخطط له؟ هل كان يحاول التلاعب بهم، ليجعل أحدهم يضحي بنفسه؟

"لا! لن نسمح بذلك!" قالت ليلى بحزم، رغم خوفها. "يجب أن نجد طريقة أخرى."

"لا توجد طريقة أخرى... إلا إذا... وجدتم 'نجمة الهدى'... قبل اكتمال القمر."

"ولكن كيف؟"

"العلامات... التي على جسدي... تدل على مكانه... في وادي الأشباح... ابحثوا عن... الرمز... تحت الصخرة... الكبيرة... التي تشبه... التنين."

حاول سالم أن يشير بيديه، ولكن حركاته كانت محدودة، والعلامات السوداء تنتشر. "يجب... أن تذهبوا... قبل... فوات الأوان."

ثم، انقطع الاتصال. عاد سالم إلى حالته الأولى، جسده واهنًا، وعيناه مغمضتان. ولكن كلماته بقيت في عقل ليلى، كصدىً مرعب. "روح بريئة... تضحية... وادي الأشباح... التنين."

خرجت ليلى من غرفة سالم، وشعرت بأنها تحمل عبئًا ثقيلاً. لقد تلقت معلومةً مفتاحية، ولكنها كانت تحمل معها خطرًا عظيمًا. عليها الآن أن تقنع جدتها، وأن تخبر الشيخ إبراهيم، وأن تستعد لرحلةٍ إلى مكانٍ مرعب، بحثًا عن أملٍ قد يكون هو نفسه فخًا. كان الوقت يداهمها، والقمر بدأ يكبر في السماء، مذكرًا إياها بأن النهاية تقترب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%