ليلة مظلمة الجزء الثالث

همسات في الظلام

بقلم سامر الخفي

كانت الأيام تتدحرج بصعوبة، كل صباح يأتي محملاً بثقل أكبر من سابقه. في منزل الشيخ عبد الرحمن، انتشر صمت ثقيل، صمت يتجاوز مجرد غياب الأصوات. كان صمتاً مشبعاً بالقلق، بالترقب، بالخوف الخفي الذي يتسلل إلى زوايا الروح. ليلى، وقد امتلأت عيناها بمسحة حزن لم تكن تعرفها من قبل، كانت تجلس بجوار جدتها، الحاجة فاطمة، وهي تتلو آيات القرآن بصوت خفيض، رجاءً في أن تجلب الطمأنينة إلى قلبها المضطرب.

"يا جدتي،" قالت ليلى أخيراً، صوتها بالكاد مسموع، "متى سيعود أبي؟ لقد مرت أيام، وشهرنا يكاد ينقضي."

نظرت الحاجة فاطمة إلى حفيدتها، في وجهها تجاعيد الزمن التي لم تستطع أن تخفي قلقها. "إن الله سبحانه وتعالى هو العالم بمدد الغيب يا ابنتي. لقد بذلنا ما في وسعنا، والآن نرفع أكف الضراعة إليه. إن صبرك هو قوتك."

كان أحمد، ابن عم ليلى، يراقبها من بعيد. كان يشعر بالأسف تجاهها، وبالغضب تجاه هذا المصير المجهول الذي خطف والدها. لقد حاول جاهداً بكل ما يملك من نفوذ، بكل الطرق الممكنة، معرفة أخبار الشيخ عبد الرحمن. ذهب إلى الولاية، تحدث مع المسؤولين، استجدي كل من يعرف، لكن كل الأبواب كانت موصدة، وكل الأجوبة كانت مبهمة. "إنه قيد التحقيق،" كانوا يقولون. "الأمر حساس." وكأن هذه الكلمات كانت صقيعاً يغطي نار أملهم.

في تلك الليلة، استيقظت ليلى على صوت غريب. صوت همس، خافت، يختلط بصوت الرياح التي تعصف خارج النافذة. استقامت في فراشها، وقلبها يدق بعنف. لم يكن هذا صوت الرياح المعتاد. كان أشبه بكلمات، كلمات متقطعة، لا تستطيع فهم معناها. تسللت من فراشها، وفتحت باب غرفتها بحذر شديد.

كان الضوء الخافت من القمر يتسلل عبر النوافذ، يرسم ظلالاً متراقصة في أرجاء المنزل. سارت بخطوات متأنية نحو مصدر الصوت، الذي بدا أنه يأتي من اتجاه مكتبة الشيخ عبد الرحمن. كان المكتب في نهاية الممر، بابها كان دائماً مغلقاً بإحكام. لكن في هذه الليلة، كان الباب مفتوحاً قليلاً، تتسلل منه بقعة ضوء خافتة.

حبست ليلى أنفاسها، واقتربت رويداً رويداً. انحنت عند الباب، ورفعت رأسها لتلقي نظرة. ما رأته جعل الدماء تتجمد في عروقها.

كان والدها، الشيخ عبد الرحمن، جالساً على كرسيه، لكن هيئته كانت غريبة. لم يكن هو الشيخ الذي تعرفه. كانت عيناه غائرتين، شعره أشعث، وملابسه ممزقة. كان يتحدث بصوت منخفض، لكن كلماته كانت واضحة الآن. كان يتحدث عن "الميثاق"، عن "الثمن"، عن "حمايته". كان يتحدث وكأنه ليس في كامل وعيه.

ولكن الأكثر رعباً كان الشخص الواقف أمامه. رجل طويل، يرتدي ملابس داكنة، وجهه مخفي تحت ظلال قبعة عريضة. لم تستطع رؤية ملامحه، لكنها شعرت بوجود شرير يتجسد فيه. كان الرجل يستمع بإنصات، وأحياناً يومئ برأسه.

"يجب أن تفعل ما طلب منك، عبد الرحمن،" قال الرجل بصوت عميق، رقيق، لكنه يحمل نبرة تهديد واضحة. "حتى يعود كل شيء إلى طبيعته. وحتى تتوقف هذه الظلال عن مطاردتنا."

"أعرف، أعرف،" تمتم الشيخ عبد الرحمن، وبدا كأنه يعاني. "لكن الثمن باهظ. إنها تؤثر عليّ. أحلامي... رؤاي..."

"كل شيء له ثمن، يا شيخ،" قاطعه الرجل. "خاصة عندما يتعلق الأمر بإنقاذ من تحب. هل تريد أن ترى ابنتك في خطر؟ هل تريد أن تعود تلك الكوابيس لتطارد الجميع؟"

تجمدت ليلى في مكانها. ابنتك؟ الخطر؟ كوابيس؟ كل هذه الكلمات كانت تتداعى في عقلها كجرس إنذار. والدها كان في ورطة، ورطة لا تعرفها. وأن هذا الرجل المجهول هو من يتحكم في مصيره، أو على الأقل، جزء كبير منه.

في تلك اللحظة، سمعت خطوات في الممر. كانت خطوات جدتها. ارتعبت ليلى. لم تكن تريد أن ترى جدتها في هذا المشهد المروع. تراجعت سريعاً، واختبأت خلف باب المكتب، ثم انزلقت إلى ظلال الممر، وركضت بصمت نحو غرفتها، وهي تحمل في قلبها رعباً لم تعرف له مثيلاً.

بعد أن أغلقت باب غرفتها، استندت عليه، تحاول أن تلتقط أنفاسها. كان عقلها يغلي. والدها ليس مسافراً. والدها مختطف، أو محتجز، أو في وضع أسوأ. وهذا الرجل الغامض، يبدو أنه هو العقل المدبر. ما هو "الميثاق" الذي يتحدثون عنه؟ وما هي "الثمن"؟ ولماذا يخاف والدها على سلامتها؟

لم تستطع النوم. بقيت مستيقظة حتى طلوع الفجر، وعيناها مفتوحتان في الظلام، تبحثان عن إجابات لم تكن موجودة. كانت تعلم شيئاً واحداً يقيناً: حياتهم قد تغيرت إلى الأبد، وأن هذه الليلة كانت بداية فصل جديد، فصل مظلم، مليء بالأسرار والرعب.

في صباح اليوم التالي، حاولت ليلى أن تبدو طبيعية. لكن عينيها كانتا تشعان بقلق شديد، ووجهها شاحب. جدتها لاحظت ذلك.

"ما بك يا ابنتي؟" سألت الحاجة فاطمة بحنان. "تبدين كأنك لم تنامي."

"لا شيء يا جدتي،" قالت ليلى، تحاول أن تخفي رعشة صوتها. "فقط... أفكر في أبي."

"كلنا نفكر فيه يا ليلى،" أجابت الحاجة فاطمة، وهي تضع يدها على كتف حفيدتها. "ولكن لا تدعي اليأس يتسلل إلى قلبك. الإيمان بالله هو أقوى سلاح لدينا."

لكن ليلى لم تستطع إقناع نفسها. لقد رأت ما رأت. والدها في خطر، وهذا الخطر يحيط بسلامتها أيضاً. كانت تعلم أن عليها أن تفعل شيئاً. لم تعد تستطيع الانتظار. كان عليها أن تبحث عن الحقيقة، مهما كان الثمن.

تسللت إلى مكتب والدها مرة أخرى، عندما كانت جدتها مشغولة في المطبخ. فتحت الباب بحذر، ونظرت حولها. بدا كل شيء طبيعياً. عادت إلى الأمس، عندما رأته يتحدث. هل هناك شيء مخبأ؟

بدأت تبحث في أدراج المكتب، بين الكتب، تحت السجاد. لم تجد شيئاً. ثم وقع نظرها على لوحة قديمة كانت معلقة على الحائط. كانت صورة لشجرة نخيل قديمة، جذورها متشعبة بعمق في الأرض. بدا وكأن هناك شيئاً غير عادي في اللوحة. اقتربت منها، ولمستها. شعرت بأن هناك شيئاً بارزاً خلف القماش.

باستخدام سكين صغير، بدأت تقطع القماش بحذر شديد. كان قلبها يخفق بسرعة. بعد أن أزالت قطعة من القماش، كشفت عن مساحة صغيرة، وفيها صندوق خشبي صغير، يبدو قديماً جداً.

فتحت الصندوق. في داخله، لم تجد ذهباً أو مجوهرات. وجدت شيئاً أغرب. كانت هناك عدة أوراق قديمة، مكتوبة بخط عربي قديم. وإلى جانبها، كان هناك شيء غريب، يشبه حجر أسود صغير، ملس، وبارد الملمس.

ألقت ليلى نظرة على الأوراق. بدت وكأنها مذكرات. كانت تبدأ بتواريخ قديمة، وتصف أحداثاً غريبة، رؤى، وعهوداً. قرأت بضعة أسطر. "لقد عقدت العهد مع الحارس... لحماية عائلتي... ولكن الثمن يزداد..."

أدركت ليلى أن هذا الصندوق هو مفتاح الأسرار. والدها لم يكن في رحلة عمل عادية. كان يواجه قوة غامضة، قوة قديمة. وأن هذه القوة كانت تطالب بشيء منه، شيئاً مرتبطاً بعائلتهم.

وفجأة، سمعت صوت باب المكتب يفتح. صرخت بصوت خافت، وأغلقت الصندوق بسرعة، وحاولت إعادة اللوحة إلى مكانها. لكن الوقت لم يكن كافياً.

دخل أحمد إلى المكتب، وعيناه تفحصان المكان. "ليلى؟ ماذا تفعلين هنا؟"

نظرت إليه، ولم تستطع أن تخفي ذعرها. "أحمد... أنا..."

قبل أن تتمكن من إكمال جملتها، لاحظ أحمد شيئاً. اللوحة، القماش الممزق، الصندوق. فهم على الفور أن شيئاً خطيراً قد حدث.

"ماذا وجدتي؟" سأل بصوت هادئ، لكن عيناه كانتا متيقظتين.

ترددت ليلى للحظة، ثم قررت أن تثق به. "لقد وجدت هذا." وأخرجت الصندوق.

عندما رأى أحمد محتويات الصندوق، امتلأ وجهه بالدهشة. بدأ يقرأ الأوراق، وهو يدهش أكثر فأكثر. "يا إلهي... هذا... هذا يبدو وكأنه عقود قديمة. وعن كيان غامض. والحجر الأسود... ما هذا؟"

"لا أعرف،" قالت ليلى، صوتها ما زال يرتجف. "لكن أعتقد أن هذا له علاقة باختفاء أبي."

كان الصمت يسود الغرفة، صمت ثقيل، مليء بالأسئلة. لقد فتحا باباً لم يكن من المفترض فتحه. لقد انكشف لهما جزء من الحقيقة، حقيقة مرعبة، أعمق وأقدم مما تخيلا. ولم يكن لديهما أدنى فكرة عن طبيعة القوة التي يواجهونها، أو عن عمق الخطر الذي أصبحا فيه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%