ليلة مظلمة الجزء الثالث

غياهب البحث

بقلم سامر الخفي

تفاقم القلق في أرجاء المنزل، كضباب كثيف يلتف حول الأشجار، يخنق كل ضوء. الحاجة فاطمة، رغم ضعفها الظاهر، أصبحت مركز الثقل، عقلها يغوص في أعماق التاريخ، بحثاً عن مفاتيح تفك رموز هذه الأسرار المظلمة. ليلى وأحمد، أصبحا مساعديها، قلباهما ينبضان بخليط من الخوف والشجاعة، يتقبلان عبء معرفة لم يكن لهما أن يحلموا به.

"هذه الأوراق،" قالت الحاجة فاطمة، وهي تشير إلى مجموعة من النصوص المكتوبة باليد، "تحمل أكثر من مجرد وصف للعهد. إنها تتحدث عن 'فصول'، عن 'مراحل'. يبدو أن 'الواهب' لا يطلب شيئاً واحداً، بل يتطور طلبه مع كل مرحلة، ومع كل جيل."

كان أحمد يقرأ بعناية، وهو يشعر بالقشعريرة تسري في جسده. "هذا الجزء هنا، يصف 'مرحلة الحصاد'. يبدو أنها مرحلة تتطلب 'ثمار الأرض'، و'أرواح البركة'. ولكن ما معنى 'أرواح البركة'؟"

"في اعتقادي،" قالت الحاجة فاطمة، وهي تتأمل كلمات معينة، "أنها تشير إلى الأشخاص الذين يمتلكون نقاءً روحياً، أو يحملون صفات مباركة. ربما الصالحين، أو الأبرار. ولكن ليس بالضرورة أن يكونوا أحياء."

تجمدت ليلى في مكانها. "ولكن لماذا يطلب 'الواهب' مثل هذه الأشياء؟"

"للحفاظ على قوة الأرض، وعلى توازن الطبيعة،" أجابت الحاجة فاطمة. "إن 'الواهب' هو قوة خالقة، وهو يطلب التوازن. عندما تختل توازنات معينة، يتدخل. ويبدو أن عائلتنا، بسبب هذا العهد، أصبحت مرتبطة بهذا التدخل."

"وهذا الرجل الذي رأيته، ليلى،" أضافت الحاجة فاطمة، ونبرتها أصبحت أكثر جدية. "هو تجسيد لهذه القوة، أو وسيطها. يجب أن نحذر منه. لديه القدرة على التلاعب، وعلى استغلال نقاط ضعفنا."

"ولكن كيف يمكننا إيجاد أبي؟" سألت ليلى، وصوتها يرتعش. "لم يخبرنا أحد أين هو، أو كيف نعيده."

"العهد يمنح القوة، ولكنه يفرض أيضاً قيوداً،" قالت الحاجة فاطمة. "يبدو أن 'الواهب' يمتلك سيطرة على 'حامل الرسالة'. وعودته تعتمد على وفاء ما هو مطلوب. ربما هناك 'مفتاح' للعودة، شيء مرتبط بهذه المرحلة."

"وما هو هذا المفتاح؟" سأل أحمد.

"لا يمكنني تحديد ذلك بدقة من هذه الأوراق وحدها،" قالت الحاجة فاطمة. "ولكن هناك إشارة إلى 'ختم النور'. ويبدو أنه شيء يجب تفعيله. وأن تفعيل هذا الختم، قد يتطلب شيئاً نادراً."

"شيء نادراً؟" كررت ليلى. "مثل ماذا؟"

"ليس لدي فكرة واضحة،" قالت الحاجة فاطمة. "ولكن كل هذا يشير إلى أن علينا أن نفهم 'مرحلة الحصاد' بشكل أعمق. ما الذي يطلبه 'الواهب' بالضبط في هذه المرحلة؟"

قضى أحمد ساعات طويلة، يقرأ ويتعمق في الأوراق. كانت الرموز غامضة، واللغة قديمة، ولكن تدريجياً، بدأ يستوعب بعض المعاني. "هنا،" قال فجأة، وعيناه تلمعان. "هناك فقرة تتحدث عن 'النبتة المباركة'. يبدو أنها نبتة نادرة، تنمو في أماكن معينة، وتتطلب ظروفاً خاصة. ولها قدرة على 'تطهير الظلال' و'جلب النقاء'."

"النبتة المباركة؟" قالت ليلى. "هل يمكن أن تكون هذه هي 'النبتة المباركة' التي يقصدونها؟"

"من المحتمل،" قالت الحاجة فاطمة، وهي تفكر. "إذا كانت هذه النبتة تحمل خصائص تطهير ونقاء، فقد تكون هي المفتاح لتفعيل 'ختم النور'، وإعادة والدك."

"ولكن أين نجدها؟" سأل أحمد. "الوصف هنا غامض جداً. يتحدث عن 'أرض لا تطأها الأقدام البشرية إلا نادراً'، وعن 'ضوء لا يأتي من الشمس'."

"هذا يبدو وكأنه وصف لأحد الأماكن النائية،" قالت الحاجة فاطمة. "مناطق جبلية، أو كهوف عميقة، أو حتى أماكن في الصحراء."

"يجب أن نذهب للبحث عنها،" قال أحمد بحزم.

"لا،" قاطعت الحاجة فاطمة. "هذا خطر جداً. هذا المكان، وهذه النبتة، ربما تكون محمية. وقد يكون 'الواهب' نفسه لا يريد أن تقع في الأيدي الخطأ. إذا كان الرجل الذي رأيته، وسيط 'الواهب'، يحاول منعنا، فإنه سيمنعنا من العثور عليها."

"ولكن ماذا نفعل إذن؟" قالت ليلى، تشعر باليأس. "إذا لم نستطع العثور على النبتة، فلن نعيد أبي."

"علينا أن نفهم أولاً،" قالت الحاجة فاطمة. "يجب أن نحاول التواصل مع 'الواهب' بطريقة أخرى. هناك رمز آخر هنا، يبدو أنه رمز للتواصل، أو للاستغاثة."

مدت الحاجة فاطمة يدها نحو الحجر الأسود. "علينا أن نستخدم هذا الحجر. ولكن يجب أن نكون حذرين. هذا الحجر يمثل قوة كبيرة، وإساءة استخدامه قد تكون كارثية."

في تلك الليلة، جلست الحاجة فاطمة، وليلى، وأحمد، حول الحجر الأسود. بدأت الحاجة فاطمة تتلو كلمات بلغة قديمة، لغة لم يسمعها ليلى وأحمد من قبل. كانت الكلمات تتصاعد، وتكتسب قوة، وتتفاعل مع الحجر، الذي بدأ يشع بضوء خافت، ثم ازداد لمعاناً.

فجأة، اهتزت الغرفة. ظهرت هالة من الضوء الغامض في وسطها، وشكلت ما يشبه الصورة، صورة غير واضحة، لكنها تحمل هيبة وقوة. لم يروا وجهاً، ولكن شعروا بوجود.

"ماذا تريدون؟" جاء صوت، صوت عميق، هادئ، لكنه مدوٍّ. صوت لم يكن كصوت البشر.

ارتعشت ليلى، لكنها حاولت أن تتحدث. "نحن نبحث عن والدنا، الشيخ عبد الرحمن. إنه 'حامل الرسالة'. لقد اختفى."

"العهد يجب أن يُوفى،" جاء الصوت. "والثمن يجب أن يُدفع."

"نحن مستعدون لدفع الثمن،" قال أحمد، بصوت ثابت. "نريد إعادته. وماذا هو الثمن؟"

"مرحلة الحصاد تتطلب 'النبتة المباركة'،" قال الصوت. "ولدت في الظلام، لتطهر ما هو فاسد. وهي الآن تضيع."

"ولكن كيف نجدها؟" سألت الحاجة فاطمة. "ساعدنا."

"من يطلب، يجد،" قال الصوت. "ولكن البحث عن النور، قد يقودكم إلى الظلام الأعمق."

ثم اختفى الضوء، وعاد الهدوء إلى الغرفة، ولكنه هدوء لا يجلب الطمأنينة، بل يزيد من الرعب. لقد تلقوا إجابة، ولكنها لم تكن سهلة. كان عليهم العثور على النبتة، وكان عليهم أن يخاطروا بالدخول إلى أماكن مظلمة، وأماكن قد لا يعودون منها.

علمت ليلى في تلك اللحظة، أن رحلة والدها لم تكن سوى بداية لرحلتها. رحلة ستكشف لها عن أسرار عائلتها، عن قوى غامضة، وعن صراع قد يحدد مصيرهم جميعاً. كان عليها أن تكون قوية، شجاعة، وأن تثق بجدتها، وبأحمد. فالمعركة الحقيقية، بدأت للتو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%