ليلة مظلمة الجزء الثالث

ظلال الشك تغزو الروح

بقلم سامر الخفي

في ليلةٍ عابقةٍ بالسكون، تغلغلت الظلال في أركان قصر آل رضوان، وازدادت خيوط الليل تعقيداً على نفوس سكانه. كانت نور، تلك الفتاة التي وهبها الله جمالاً ربانياً يندر مثله، تجلس في غرفتها، تلوح بين أصابعها ورقةٌ صفراء، تحمل بين طياتها وعداً بالخلاص، أو ربما وهماً قاتلاً. إنها وصفةٌ عجيبة، وُجدت في صندوقٍ مهملٍ من أمهات جدتها، وادعت جدتها العجوز، التي شارف عقلها على الرحيل، أنها كانت تستخدمها لتسكين آلامها. آلامٌ كانت نور تعتقد أنها زالت منذ زمن، لكنها بدأت تعود، لا كآلامٍ جسدية، بل كطنينٍ خافتٍ في أذن الروح، يهمس لها بأن شيئاً ما ليس على ما يرام.

كان قلبها يئن من ثقلٍ لم تستطع تفسيره. لم يكن الأمر مجرد قلقٍ على والدها، الشيخ أحمد، الذي بدا مؤخراً شارد الذهن، غارقاً في بحرٍ من الأفكار المجهولة، بل كان هناك شيءٌ أعمق، شيءٌ ينمو في دواخلها كشجرةٍ شريرة، تتغذى على مخاوفها المكبوتة. نظرت إلى انعكاسها في المرآة، فرأت وجهاً شاحباً، وعينين تفوح منهما حيرةٌ قاتمة. كانت ترى في تلك العينين بريقاً باهتاً، بريقاً لم تعد تعرفه.

تسللت إلى غرفة والدها، علّها تجد عنده سلوى. وجدت الشيخ أحمد جالساً على مقعده الوثير، يحدق في الفراغ، وكأن صوراً لا يراها أحدٌ غيره ترتسم أمامه. رفع رأسه ببطءٍ حين أحس بوجودها، وابتسم ابتسامةً خاليةً من الروح. "نور يا ابنتي؟ ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت المتأخر؟" سأل بصوتٍ أجش، بدا أثقل من المعتاد. جلست بجانبه، وشعرت ببرودةٍ غريبةٍ تنبعث من جلده. "والدي العزيز، كنت أخشى عليك. لقد بدوت قلقاً هذه الأيام." تنهد الشيخ أحمد بعمق، ووضع يده على رأسها، يدٌ كانت يوماً مليئةً بالدفء والحنان، أصبحت الآن خشنةً وباردة. "لا تقلقي يا ابنتي. إنها مجرد أفكارٍ تراودني. هموم الدنيا كثيرة." "لكنها تبدو أثقل من المعتاد، يا أبي. منذ عودتنا من رحلتنا الأخيرة، وأنت على هذا الحال." قالت نور، ونبرة القلق تتصاعد في صوتها.

تصلبت ملامح الشيخ أحمد للحظة، ثم خفتت. "الرحلة؟ نعم... الرحلة. كانت هناك... أحداثٌ لم تكن بالحسبان." "أي أحداثٍ يا أبي؟" سألت بحذر، وشعرت بوخزةٍ من الخوف تتسلل إلى قلبها. صمت الشيخ أحمد طويلاً، ثم قال بصوتٍ منخفض، وكأنه يخشى أن يسمعه أحدٌ غيرها: "رأيتُ... رأيتُ أشياءً لا ينبغي أن تُرى. أصواتاً... همساتٍ في الظلام." اتسعت عينا نور. "أصوات؟ يا أبي، هل تقصد...؟" "لا أدري يا ابنتي. قد يكون عقلي بدأ يخونني. العمر له أحكامه." قال، لكن عينيه كانتا تحملان نظرةً لا تنم عن الاستسلام، بل عن صراعٍ داخليٍ مرير.

في تلك الأثناء، كان شقيقها الأكبر، خالد، يجلس في مكتب والده، يقلب أوراقاً قديمة. كان خالد، الفتى الذكي الطموح، يرى في والده قدوةً ونبراساً، لكنه في الآونة الأخيرة، بدأ يشعر بخيبة أملٍ ممزوجةٍ بالحيرة. كان يلاحظ الانزواء الذي يعيشه والده، والهموم التي تطفو على وجهه، والتي كان يخفيها عن الجميع، باستثناء ربما جدته العجوز التي فقدت بصرها وبصيرتها. فتح خالد صندوقاً خشبياً قديماً، وجده مخبأً تحت أحد الرفوف. كان صندوقاً مزخرفاً، بدا كأنه يحمل أسراراً عتيقة. حين فتحه، وجد بداخله مجموعةً من الرقائق المعدنية الغريبة، وقطعة قماشٍ مطرزةٍ برموزٍ غير مفهومة، وكتاباً جلديّاً قديماً، صفحاته باليةٌ ومتآكلة. تفحص الكتاب بعينٍ فضولية، ليجد أنه يتحدث عن طقوسٍ غامضة، وعن كائناتٍ تسكن ما وراء عالم البشر، وعن تعاويذ قديمة. شعر خالد بقشعريرةٍ تسري في جسده. هل يمكن أن يكون كل هذا مجرد خيالٍ وأساطير؟ أم أن هناك شيئاً حقيقياً وراء هذه الأبواب المغلقة؟

كانت الجدة صالحة، امرأةٌ طاعنةٌ في السن، قضاء العمر في تلاوة القرآن وذكر الله، لكنها في الفترة الأخيرة، كانت تائهاً في عالمٍ آخر. غالباً ما كانت تتحدث عن "الزائر الليلي"، وعن "ظلالٍ تتراقص في الأروقة". كانت كلماتها مبعثرة، لكنها كانت تحمل في طياتها نذيراً شؤماً. مرت نور بجوار غرفة الجدة، وسمعت صوتها يهمس في الظلام. "لقد عاد... لقد فتحوا الباب. الظلام قادم... لا يمكنهم إيقافه." شعرت نور برعشةٍ تسري في أوصالها. "من عاد يا جدتي؟ ومن فتح الباب؟" نظرت إليها الجدة بعينيها البيضاوتين، وملأت وجهها تجاعيد الزمن، وقالت بصوتٍ مرتجف: "الشر... إنه يتغذى على الضوء. ويخاف من النور الحقيقي." "أي نورٍ يا جدتي؟" سألت نور، متلهفةً لفهم ما يدور حولها. "النور الذي في القلب... الإيمان. عندما يضعف، يستغل الظلام الفرصة." أجابت، ثم عادت إلى سباتها، تاركةً نور في حيرةٍ أشد.

لم تكن نور تعلم أن الوصفة التي وجدتها ليست مجرد علاجٍ للألم، بل كانت مفتاحاً لبوابةٍ لم يكن ينبغي أن تُفتح. كانت تعتقد أنها تجد خلاصاً، لكنها كانت تغوص أعمق في مستنقعٍ من الشك والخوف. لقد بدأت الظلال تتسلل إلى روحها، تهدد بإطفاء نورها. كانت معركةً قادمة، معركةٌ بين الخير والشر، بين الإيمان والظلام، وأنها، دون أن تدري، أصبحت في قلب هذه المعركة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%