الجن الطيب الجزء الثالث

همس الظلام في ليلة القدر

بقلم ظافر الغيب

كانت سماء مكة المكرمة في تلك الليلة المباركة، ليلة القدر، تتلألأ بنجوم لا تُحصى، كأنها جواهر نثرت على مخمل أسود، والهدوء الذي يلفّ البيت العتيق كان يخترق شغاف القلب. في تلك الأجواء المهيبة، كان عمر، الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، يقف على سطح منزل عائلته القديم، يحدّق في ظلمة الوادي الممتد أمامه. لم يكن عمر كغيره من شبان قريش. كان قد وهبه الله ذكاءً حاداً، وقلباً مرهفاً، وإيماناً راسخاً، لكنه كان أيضاً يعيش عبئاً ثقيلاً، عبئاً يجرّه من ماضٍ لم يذق فيه طعم الراحة أبداً.

كانت نسمة باردة، تحمل معها رائحة البخور الممزوجة بعبق المسك، تلامس وجهه، لكنها لم تستطع أن تخفف من وطأة البرد الذي استقر في روحه. لم يكن البرد برداً مادياً، بل كان برداً ينتج عن شعور بالوحدة والغربة، حتى وهو محاط بمن يحب. قبل دقائق، ودّع والدته، الحاجة زينب، التي كانت تلازمه بدعواتها كلما شعر بضيق. كانت كلماتها تتردد في أذنيه: "حفظك الله يا بني، وأبعد عنك كل سوء. تذكر دائماً أن الله معك، وأن دعاء والدتك سلاحك."

صوت خافت، أقرب إلى همسة، شقّ سكون الليل. كان صوتاً غريباً، لم يسمعه من قبل. لم يكن صوتاً بشرياً، ولا صوت حيوان، بل كان أشبه بصرير حجر على حجر، أو خفقان جناح طائر ميت. تجمد عمر في مكانه، وأرهف سمعه، محاولاً تحديد مصدر الصوت. تزايد الهمس، وبدأ يتردد صداه في الوادي، وكأنه يستجيب لنداء خفي. شعر بقشعريرة تسري في عروقه، ورغم إيمانه العميق، إلا أن الخوف بدأ يتسلل إلى قلبه.

"ما هذا؟" تمتم عمر لنفسه، ويده تتحسس الحجر البارد الذي كان يستند إليه. حاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد أوهام، أو ربما صوت رياح غريبة. لكن الصوت كان يتصاعد، وبات الآن يحمل نبرة متوسلة، بل ومتألّمة. شعر بأن شيئاً ما غير طبيعي، شيئاً يخرج عن نطاق المألوف، بل وعن نطاق المفهوم.

نزل عمر ببطء من السطح، تاركاً خلفه النجوم المتلألئة. تحرك بخطوات حذرة نحو مصدر الصوت، الذي بدا الآن أقرب، وكأنه يصدر من حافة الوادي، حيث تتناثر الصخور الكبيرة وبعض الأشجار البرية. كان المكان مهجوراً، ولم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه ليلاً، فقد كان يُشاع عن وجود جنٍّ أو عِفْريت يسكن تلك المنطقة.

بينما كان يقترب، لمح شيئاً يتحرك في الظلام. لم يكن شيئاً واضح المعالم، بل مجرد ظلٍّ أسود متموج، يتلوى كأنه يحاول أن يتخلص من قيد. اقترب أكثر، وقلبه يدق بعنف في صدره. ثم، وبينما كانت عيناه تتكيّفان مع الظلام، لمح الشكل بوضوح.

كان كائناً نحيلاً، أشبه بظلٍّ مجسّد، لا ملامح له واضحة، لكنه كان يبدو وكأنه يرتدي ثياباً بالية، وتمتد منه أذرع طويلة، هزيلة، تتشابك في بعضها البعض. وكان يصدر منه ذلك الهمس المزعج، الذي تحوّل الآن إلى أنين مكتوم. شعر عمر بالأسى يختلط بخوفه. بغض النظر عن طبيعة هذا الكائن، فقد كان يتألم.

"هل أنت بخير؟" سأل عمر بصوت متردد، وهو يراقب الكائن بعينين متسعتين.

توقف الكائن عن الحركة، وبدا وكأنه يرفع رأسه نحوه. لم يكن لديه عينان، لكن عمر شعر بأنه يُراقب. ثم، وببطء شديد، بدأ الكائن يتحرك نحو عمر. شعر عمر بالذعر يتملكه، لكنه لم يستطع أن يتحرك. كان وكأن قدماه قد التصقتا بالأرض.

"ابتعد! ما أنت؟" صرخ عمر، لكن صوته كان ضعيفاً، بالكاد مسموعاً.

اقترب الكائن أكثر، حتى أصبح على مسافة ذراع منه. استطاع عمر أن يرى الآن بشكل أوضح. لم يكن الكائن بشرياً، ولا جنياً بالمعنى الذي تتداوله الأساطير. كان شيئاً مختلفاً، شيئاً قديم، شيئاً يحمل في طياته حزناً عميقاً. عندما أصبح الكائن قريباً جداً، رفع إحدى يديه الهزيلتين، وبدلاً من أن يؤذي عمر، مدّها نحوه، كأنه يطلب المساعدة.

في تلك اللحظة، حدث شيء غريب. رأى عمر في ومضة خاطفة، صوراً تتسارع في ذهنه. رأى قصوراً عظيمة، حدائق غناء، أشخاصاً يرتدون ثياباً فاخرة، ثم رأى دماراً، حريقاً، صراخاً، وأشخاصاً يفرون في فزع. كانت تلك الصور كوابيس، لكنها كانت حقيقية، وكأنها ذاكرة مغروسة في هذا الكائن.

شعر عمر ببرودة شديدة تتغلغل في يده التي مدّها الكائن. حاول أن يسحبها، لكن قوة غريبة شدّته. بدأت الصور تتكثف، وأحسّ بأن وعيه يتلاشى، وأن شيئاً ما يحاول أن يدخل إلى داخله، شيئاً أقدم من الزمن، وأكثر ظلاماً من الليل.

"لا! ابتعد عني!" صرخ عمر بأعلى صوته، مستجمعاً كل قوته، ويداه تشابكتا بقوة، محاولاً أن يكسر تلك القوة الغامضة. في تلك اللحظة، سقطت يد الكائن من يده، وكأنه فقد قوته فجأة. تراجع الكائن إلى الخلف، يلفّ نفسه في ظلاله، ثم اختفى، تاركاً عمر واقفاً في الظلام، يلهث، وقلبه يكاد ينفجر من الخوف والرعب.

كانت ليلة القدر، وليلة القدر خير من ألف شهر. لكن لعمر، كانت ليلة قدرٍ حملت معها همساً من الظلام، همساً بدأ يزرع بذور الشك والرعب في قلبه، همساً وعد بشيء أكبر وأعظم، شيء لم يكن مستعداً لمواجهته. نظر عمر إلى يديه، شعر ببرودة لا تزال عالقة به، ورغم أن الكائن قد اختفى، إلا أنه شعر بأن شيئاً منه قد بقي بداخله، شيئاً لا يستطيع تفسيره.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%