الجن الطيب الجزء الثالث
همسات الفجر وكوابيس الليل
بقلم ظافر الغيب
عاد الهدوء النسبي إلى قصر آل الصباح، لكنه كان هدوءاً يعلوه غبار الشك والقلق. استيقظت ليلى على صوت أذان الفجر، وهو الصوت الذي كان دائماً يعيد إليها طمأنينتها، ولكنه اليوم حمل معه صدىً غريباً، كأنما هو نداءٌ للمواجهة القادمة. نهضت من فراشها، شعرت ببرودةٍ تتسلل إلى عظامها، ليست برودة الجو، بل برودة الخوف الذي بدأ يتجذر في قلبها. نظرت إلى وجه رائد النائم بجانبها، كان يبدو هادئاً، لكنها رأت التجاعيد الخفيفة حول عينيه، علامات السهر والقلق التي لم تعد تخفى عليها.
في تلك الليلة، لم تكن الأحلام وحدها هي ما أيقظها، بل كانت تلك الهمسات. همساتٌ خافتة، كأنها تأتي من عمق الجدران، من زوايا الغرف المظلمة. لم تكن كلمات واضحة، بل كانت مجرد أنينٍ متقطع، ونفثاتٍ باردة سرت في أرجاء القصر. تذكرت ما حدث لجدتها، لتلك المرأة التي عرفت بالحكمة والقوة، وكيف انطفأت روحها فجأة. هل كان ما حدث مجرد مرضٍ مفاجئ، أم أن هناك ما هو أعمق وأكثر شراً؟
نزلت إلى المطبخ، حيث أعدت القهوة بيديها المرتعشتين. كانت رائحة الهيل والقرنفل المعتادة تبعث شعوراً بالألفة، لكنها اليوم لم تستطع أن تزيل عنها غشاوة الخوف. وضعت فنجان القهوة أمام جدتها، السيدة فاطمة، التي كانت تجلس في شرفتها المطلة على الحديقة، تترقب خيوط الشمس الأولى. "صباح الخير يا جدتي"، قالت ليلى بصوتٍ متهدج.
رفعت السيدة فاطمة بصرها، ابتسامةٌ شاحبة رسمت على شفتيها. "صباح النور يا ابنتي. أرى أن الليل لم يمنحكِ الراحة."
جلست ليلى بجانبها، وسرعان ما بدأت الشجاعة تغالب خوفها. "جدتي، لقد سمعتُ... سمعتُ أشياءً الليلة. همسات. وظننتُ أنها قد تكون مرتبطة بما حدث لأمي."
نظرت إليها السيدة فاطمة بعمق، عيناها اللتان شهدتا الكثير من تقلبات الحياة، حملتا نظرةً من فهمٍ وحزن. "الجن الطيب يا ليلى... الاسم وحدُه قصة. أحيانًا طيب، وأحيانًا أخرى... يأتي في صورةٍ لم نتوقعها. أردتُ لأمكِ أن تنعم بحياةٍ هادئة، بعيدةً عن كل ما قد يعكّر صفوها. لكن القدر له حساباته."
"لكن كيف؟ ما الذي يحدث بالضبط؟" سألت ليلى، وقد اشتد قلقها.
"هناك قوىٌ تسكن هذا القصر منذ زمنٍ بعيد، يا ليلى. قوىٌ لا ترى بالعين المجردة، ولا تُحس باللمس. إنها تتعلق بالأرواح، بالعهود القديمة، وبالنوايا. جدتكِ الراحلة، كانت تعرف الكثير. لقد حاولت أن تحميكِ، وأن تحمي عائلتكِ، لكنها لم تستطع أن تفعل كل شيء."
تحدثت السيدة فاطمة عن أسطورةٍ قديمةٍ تخص عائلتهم، عن عهدٍ وُقّع قبل قرونٍ مع كيانٍ من عالمٍ آخر، لحماية أرضهم ونخيلهم. كان هذا الكيان يُعرف بـ "الحارس"، وقد وعد بأن يكون عوناً لهم ما داموا يلتزمون بالتقاليد والقيم. ولكن، كما تقول الأسطورة، فإن أي انحرافٍ عن هذا العهد، أو أي فعلٍ يخالف الشرع، قد يثير غضب الحارس.
"أمي... هل خالفت العهد؟" سألت ليلى، وقلبها يكاد يتوقف.
"لا أظن ذلك، يا ابنتي. كانت روحاً نقية. ولكن... ربما كانت هناك أفعالٌ أخرى، قراراتٌ اتخذت، أثرت على توازن الأمور. الأجداد، في سعيهم للحفاظ على إرثهم، قد يتخذون قراراتٍ لا تفهم أبعادها إلا بعد زمن."
أمسكت السيدة فاطمة بيد ليلى، وكانت باردةً بعض الشيء. "عليكِ أن تفهمي، يا ابنتي. هذا ليس مجرد صراعٌ بين الخير والشر. إنه صراعٌ بين عوالم، بين قوانين مختلفة. جدتكِ أرادت أن تبعد هذا عن أمكِ، ولكن يبدو أن الهمسات عادت لتلاحق الجيل الجديد."
في هذه الأثناء، كان رائد قد استيقظ. وجد ليلى جالسةً مع جدته، ولم يتطلب الأمر سوى نظرةً واحدةٍ ليدرك أن الأمور ليست على ما يرام. "صباح الخير"، قال وهو يتوجه إليهما. "ماذا يحدث؟"
نظرت إليه ليلى، ورأت في عينيه مزيجاً من الحب والقلق. "صباح الخير يا رائد. كنا نتحدث مع جدتي عن بعض الأمور القديمة."
شعر رائد بثقلٍ في صدره. كان يعلم أن ليلى تخفي عنه الكثير، وأنها تحمل عبئاً ثقيلاً. "هل أنتِ بخير؟" سأل، واقترب ليجلس بجانبها، واضعاً ذراعه حول كتفها.
"أنا بخير"، قالت وهي تستند إليه، "لكنني أشعر أن هناك الكثير مما لا نعرفه. الكثير من الألغاز التي أحاطت بحياتنا."
كانت السيدة فاطمة تراقبهما، ورأت كيف يتشابك مصيرهما. "علينا أن نكون أقوياء يا شباب. علينا أن نتذكر أن الله هو الحافظ، وأن الإيمان هو درعنا. ولكن، علينا أيضاً أن نفهم طبيعة هذه الأرواح، وكيف نتعامل معها."
"هل تعتقدين أن هذا مرتبطٌ بما حدث في القرية العام الماضي؟" سأل رائد، متذكراً تلك الأحداث الغريبة التي عصفت بالقرية، والتي لم يتمكن أحدٌ من تفسيرها.
"ربما"، أجابت السيدة فاطمة بتفكير. "كانت هناك علاماتٌ وقتها، أحداثٌ غريبة، لم نربطها حينها بالأساطير القديمة. ولكن الآن... يبدو كل شيء وكأنه حلقةٌ في سلسلةٍ واحدة."
قررت ليلى أن تبدأ بالبحث. أرادت أن تفهم ماضي عائلتها، وأن تكشف غموض هذه الهمسات. ذهبت إلى مكتبة جدتها الراحلة، ذلك المكان الذي كان دائماً محاطاً بالغموض. بدأت بقلب دفاتره القديمة، مخطوطاته التي لم يمسها أحدٌ منذ سنوات. كانت هناك نقوشٌ غريبة، ورسوماتٌ لم تفهم معناها.
بينما كانت تبحث، تلقت اتصالاً من صديقتها وفاء، التي كانت تعيش في قريةٍ قريبة، وكانت ليلى قد ابتعدت عنها قليلاً بسبب انشغالها بأمور عائلتها. "ليلى، كيف حالك؟ سمعتُ أنكِ تمرّين بوقتٍ عصيب. هل يمكنني المساعدة؟"
شكرتها ليلى على اهتمامها، لكنها شعرت أنها لا تستطيع مشاركة كل شيء مع وفاء. كانت وفاء شخصاً جيداً، لكنها لم تكن تعرف شيئاً عن هذه الأمور الغريبة. "أنا بخير يا وفاء، فقط بعض المشاغل العائلية."
"أعلم أنكِ تحملين الكثير يا ليلى. ولكن تذكري، لستِ وحدكِ. حتى لو احتجتِ فقط إلى من يستمع."
كانت كلمات وفاء مطمئنة، لكنها زادت من شعور ليلى بالوحدة. شعرت أنها تقف على حافة هاوية، وأنها يجب أن تواجه هذا الخطر بمفردها.
في تلك الليلة، بينما كان الجميع نائمين، شعرت ليلى بنفس البرودة تتسلل إلى غرفتها. كانت الهمسات أقوى هذه المرة. سمعت صوتاً مألوفاً، لكنه كان مشوهاً، كأنه قادمٌ من بعيد. صوت أمها. "ليلى... ابتعدي... لا تدخلي..."
نهضت من فراشها، وذهبت إلى نافذة غرفتها. كانت السماء مظلمة، ولم يكن هناك شيءٌ سوى الظلال المتراقصة. ولكنها شعرت بوجودٍ ما، بحضورٍ قويٍ وغير مرئي. هل كان هذا تحذيراً؟ أم تهديداً؟
انتهى الفصل، لكن الهمسات لم تنتهِ. كانت بدايةً لأشياء أكبر، لرحلةٍ أعمق في عالمٍ لم تعد ليلى تعرف حدوده.