الجن الطيب الجزء الثالث

خيوط الماضي المتشابكة

بقلم ظافر الغيب

تسللت خيوط الشمس الذهبية من بين ستائر النافذة، لتوقظ رائد من سباته العميق. كان يومًا جديدًا، ولكن ثقل الليلة الماضية لم يفارق صدره. لقد رأى ليلى متعبةً، قلقةً، تحمل في عينيها ما لم يكن يستطيع فهمه بالكامل. كان يدرك أنها تخوض معركةً داخلية، وأن هناك شيئًا ما يؤرقها، ولكنه لم يكن يعرف كيف يساعدها، أو حتى كيف يبدأ.

نهض وتوجه نحو سريرها، وجدها قد استيقظت بالفعل، جالسةً على حافة السرير، تتأمل الفراغ. "صباح الخير يا حبيبتي"، قال بصوتٍ هادئ، ثم جلس بجانبها واحتضنها. "هل نمتِ جيداً؟"

نظرت إليه ليلى، ابتسامةٌ مرهقةٌ رسمت على وجهها. "صباح النور يا رائد. لم أنم كثيراً. الأصوات... لم تتوقف."

تنهد رائد، وشعر بالعجز يتسلل إليه. "أعلم أنكِ تشعرين بالخوف. ولكن تذكري، أنا معكِ. سنواجه هذا معاً."

"ولكن كيف؟" قالت ليلى، وعيناها امتلأتا بالدموع. "إنها أشياءٌ لا أفهمها. قوىٌ تتجاوز المنطق. كأنما كل ما بنيناه في حياتنا بدأ ينهار."

"سنحاول فهمه معاً"، أكد رائد، وقبل جبينها. "علينا أن نتشاور مع جدتكِ. إنها الشخص الوحيد الذي قد يعرف المزيد عن هذه الأساطير القديمة."

توجهوا إلى غرفة السيدة فاطمة، وجدوها تتلو القرآن بصوتٍ خاشع. بعد أن أنهت، جلسوا معها، وروت ليلى لها تفاصيل ما سمعته في الليل، عن الهمسات، وعن صوت أمها.

استمعت السيدة فاطمة بانتباه، ثم قالت: "هذه علامةٌ على أن الأمور تزداد تعقيداً. الظواهر التي تحدث هي انعكاسٌ لما يجري على المستوى الروحي. يبدو أن هذا الكيان الذي يسمونه 'الحارس' بدأ يظهر بصورةٍ أقوى."

"ولكن لماذا الآن؟" سأل رائد. "ما الذي تغير؟"

"التغيرات تحدث دائماً يا بني. ربما كان هناك تراكمٌ لبعض الأمور، ربما حادثةٌ معينة، أو قرارٌ تم اتخاذه، أخل بالتوازن. جدتكِ، والدة أمكِ، كانت تعرف جيداً كيف تتعامل مع هذه الأمور. لقد كانت تحاول دائماً أن تحافظ على الانسجام، وأن تتجنب أي تصرفٍ قد يثير غضب هذه القوى."

"هل تقصدين أن هناك شيئاً في تاريخ العائلة قد تسبب في ذلك؟" سألت ليلى.

"التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، يا ليلى. التاريخ هو تراكمٌ للقرارات، للنوايا، للأفعال. أحيانًا، لا ندرك الأثر الكامل لأفعالنا إلا بعد زمن. ربما لم يكن الأمر متعلقاً بأمكِ بالذات، بل بتراكماتٍ أقدم."

قررت ليلى أن تواصل بحثها في مكتبة جدتها. قضت ساعاتٍ تقلب في الكتب والمخطوطات، تبحث عن أي خيطٍ قد يقودها إلى الحقيقة. وجدت دفتر يومياتٍ قديم، بخط يد جدتها الراحلة. بدأت تقرأ، وتشعر بأنها تقترب شيئاً فشيئاً من فهم ما حدث.

في دفتر اليوميات، وجدت ليلى وصفاً دقيقاً لأحداثٍ غريبة شهدتها العائلة في الماضي. كانت هناك إشاراتٌ إلى "تضحيات"، و"عهودٍ جديدة"، و"تغييراتٍ في النهج". بدأت تدرك أن هناك أسراراً دفنت بعمق، وأن الماضي ليس مجرد ذكريات، بل هو كيانٌ حيٌ يؤثر على الحاضر.

"هذا الأمر يتطلب بحثاً أعمق، يا رائد"، قالت ليلى وهي تشير إلى صفحةٍ معينة. "هنا تتحدث جدتي عن 'ضريبة النعمة'. شيءٌ كان يجب دفعه مقابل الحماية."

"ضريبة النعمة؟" سأل رائد، وقد بدا عليه القلق. "ما هذا؟"

"لا أعرف بالضبط. ولكنها تتحدث عن ضرورة الحفاظ على 'النقاء'، وعن 'الابتعاد عن المظاهر الزائفة'. وكأن هناك جزءاً من هذه الحماية يتطلب منهم أن يكونوا على قدرٍ عالٍ من الالتزام الروحي والأخلاقي."

في هذه الأثناء، وصل الشيخ أحمد، إمام المسجد، لزيارة العائلة. كان رجلاً حكيماً، عرفته العائلة منذ سنوات، وكان محل ثقةٍ واحترام. بعد أن اطمأن على أحوالهم، سألته ليلى عن تلك الأساطير القديمة التي سمعتها.

"يا شيخ أحمد"، بدأت ليلى، "هل سمعت يوماً عن 'الجن الطيب'؟ وعن عهودٍ قديمةٍ تربط عائلتنا بكياناتٍ من عالمٍ آخر؟"

نظر إليها الشيخ أحمد بجدية، ثم قال: "إن القصص عن عوالم الجن كثيرة، يا ابنتي. بعضها حق، وبعضها خرافات. ولكن، إذا كانت هذه الأمور تتعلق بعائلتكم، وبالأرض التي تسكنونها، فربما هناك حقيقةٌ وراء هذه القصص. هناك أماكن، وأوقات، تشهد على أحداثٍ لا تفسير لها بالعقل البشري وحده."

"جدتي الراحلة، كانت دائماً تحرص على أن تكون العائلة على الطريق الصحيح"، قالت السيدة فاطمة. "كانت تؤمن بأن الارتباط بين عالمنا وعالمهم مرهونٌ بقوة الإيمان، وبصفاء النوايا. وعندما يحدث انحرافٌ، مهما كان بسيطاً، فإن العواقب قد تكون وخيمة."

"هل هناك أي شيءٍ يمكن أن نفعله الآن؟" سأل رائد. "لأننا نشعر أننا محاصرون."

"إن الدعاء هو أقوى سلاحٍ لنا"، أجاب الشيخ أحمد. "وأن نلتزم بما أمرنا الله به. أما بالنسبة لهذه القوى، فعليكم أن تفهموا طبيعتها. البعض منها يمكن أن يكون عوناً، والبعض الآخر قد يكون اختباراً. الأهم هو أن نثبت على الحق، وأن نطلب العون من الله وحده."

"ولكن الهمسات، والصوت الذي سمعته أمي، والآن صوت والدتي..." قالت ليلى، وعيناها مليئةٌ بالحيرة.

"هذه رسائل، يا ابنتي. رسائل قد تكون تحذيراً، أو قد تكون محاولةً للتواصل. ربما يحاولون أن ينبهوكم إلى خطبٍ ما. أو ربما يحاولون أن يعيقوا شيئاً ما."

بدأت ليلى تشعر بأنها على وشك اكتشاف حقيقةٍ مرعبة. حقيقةٌ تتعلق بتاريخ عائلتها، وبمكانهم في هذا العالم. كانت تشعر بأنها تقف على مفترق طرق، وأن كل قرارٍ ستتخذه سيحدد مصيرها.

عاد رائد وليلى إلى غرفتهما، وشعرا بثقلٍ كبير. "أعتقد أن علينا أن نتعمق أكثر في تاريخ العائلة، يا رائد"، قالت ليلى. "علينا أن نكتشف ما هي 'ضريبة النعمة' هذه، ولماذا يجب دفعها."

"وأنا سأكون بجانبكِ في كل خطوة"، وعد رائد، واحتضنها. "مهما كانت الحقيقة، سنتحملها معاً."

في تلك الليلة، وبينما كانت الظلال تتراقص في الغرفة، شعرت ليلى بأنها ليست وحدها. شعرت بوجودٍ ما، كيانٌ قويٌ يراقبها. ولكنها لم تعد تشعر بالخوف بنفس الدرجة. لقد بدأت تشعر بشيءٍ آخر... بشيءٍ يشبه التصميم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%