الجن الطيب الجزء الثالث
لغز العهد والرمز المفقود
بقلم ظافر الغيب
استيقظت ليلى على صوت ضحكات طفولية، ورائحة خبزٍ طازج تفوح من المطبخ. كانت تلك الأصوات والروائح تبعث في النفس شعوراً بالألفة والسعادة، لكنها اليوم بدت وكأنها صدىً من زمنٍ بعيد، زمنٍ لم تكن تعرف فيه معنى هذه الهمسات الغامضة. نظرت إلى رائد، كان لا يزال نائماً، وبدت على وجهه آثار القلق التي لم تفارقه منذ أيام.
جلست بجانبه، وبدأت تتفكر في كلمات جدتها. "ضريبة النعمة". ما هي هذه الضريبة؟ ولماذا يشعرون وكأنهم يدفعونها الآن؟ بدأت تشعر بأن هناك خطأً ما، أن هناك شيئاً قد تم تجاهله، أو نسيانه، في تاريخ عائلتهم.
بعد أن استيقظ رائد، تناولا فطورهما مع السيدة فاطمة. كانت الابتسامة قد عادت إلى وجهها، لكنها كانت ابتسامةٌ تحمل في طياتها حكمة السنين. "يا جدتي"، قالت ليلى، "لقد قرأت في دفتر يوميات جدتي الراحلة عن 'ضريبة النعمة'. لم أفهم معناها تماماً. هل يمكنكِ أن توضحيه لي؟"
نظرت إليها السيدة فاطمة بتفكير، ثم قالت: "هذه الضريبة يا ابنتي، لم تكن مبلغاً من المال، ولا شيئاً مادياً. كانت عبارةً عن التزامٍ روحيٍ وأخلاقي. عندما عقد أجدادنا العهد مع 'الحارس'، كانوا يدركون أنهم يحصلون على حمايةٍ استثنائية، وأن هذه الحماية لا تأتي مجاناً. كانت تأتي مقابل صفاء النوايا، والالتزام الكامل بالقيم والأخلاق الإسلامية. أي انحرافٍ، أي فعلٍ فيه شك، أو أي تصرفٍ يمس بسمعة العائلة، أو يخل بالقيم، كان يعتبر 'تقصيراً' في دفع هذه الضريبة."
"وهل حدث هذا التقصير؟" سأل رائد، وقد ازدادت حدة قلقه.
"الحياة مليئةٌ بالامتحانات، يا بني. ربما لم يكن هناك تقصيرٌ متعمد، ولكن ربما كانت هناك ظروفٌ، أو قراراتٌ، أو حتى مجرد أغلاطٍ، أدت إلى هذا التراكم. جدتكِ كانت تحاول دائماً أن تضع العائلة على الطريق الصحيح. كانت تعتقد أن الحفاظ على 'النقاء' هو السبيل الوحيد لتجنب غضب 'الحارس'."
"ولكن كيف يمكن أن تؤثر هذه الأمور على أمي؟" سألت ليلى، وقد بدأت تشعر بأن خيوط الماضي تتشابك مع حاضرها بطريقةٍ مرعبة.
"الارتباط بين عالم الأرواح وعالمنا معقدٌ جداً يا ليلى. عندما يحدث خللٌ في هذا التوازن، فإن الظواهر الغريبة تبدأ بالظهور. ربما كانت والدتكِ، بسبب روحها الطيبة، ونقاوتها، هي الأكثر حساسيةً لهذه التغيرات."
قررت ليلى أن تبحث عن المزيد من التفاصيل في مكتبة جدتها. كانت تؤمن بأن المفتاح يكمن في فهم ماضي عائلتها. وبينما كانت تبحث، وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً، مزيناً بنقوشٍ غريبة. فتحته بحذر، فوجدت بداخله قلادةً فضيةً قديمة، عليها رمزٌ لم تفهمه.
"رائد، انظر إلى هذا!" قالت وهي تخرج القلادة. "هل تعرف هذا الرمز؟"
نظر رائد إلى القلادة، ثم هز رأسه. "لم أر مثله من قبل. يبدو قديماً جداً."
"جدتي الراحلة كانت تذكر في مذكراتها 'الرمز المفقود'. لم أفهم ما كان تقصده. هل يمكن أن يكون هذا هو؟"
حملت القلادة، وشعرت بشيءٍ من الدفء يتسرب منها. وكأنها تحمل طاقةً غريبة. قررت أن تسأل الشيخ أحمد عن الرمز.
عندما رأى الشيخ أحمد القلادة، بدا عليه شيءٌ من الدهشة. "هذا الرمز... إنه رمزٌ قديم جداً. يُقال أنه يمثل 'الحارس' نفسه. إنه علامةٌ على العهد، وعلى الحماية."
"ولكن لماذا كان مفقوداً؟" سألت ليلى.
"غالباً ما تُفقد الأشياء الهامة عند حدوث تغييراتٍ كبيرة. ربما ضاعت القلادة عندما بدأت الأمور تسوء، أو عندما حاول أحدهم كسر العهد."
"وهل يمكن أن يؤدي فقدان هذا الرمز إلى إثارة غضب 'الحارس'؟" سأل رائد.
"كل شيءٍ له سببه يا بني. عندما تفقد الأداة التي تمثل العهد، فإن هذا يعني أن العهد نفسه قد تضرر. وهذا قد يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة."
بدأت ليلى تشعر بأنها تقترب من حل اللغز. كانت تشعر بأنها تحمل مفتاحاً، لكنها لم تكن تعرف إلى أي بابٍ يقود. "علينا أن نعيد هذا الرمز إلى مكانه"، قالت ليلى بعزم. "علينا أن نعيد الأمور إلى نصابها."
"ولكن أين هو مكانه؟" سأل رائد.
"لا أعرف. ولكن ربما توجد أدلةٌ في مذكرات جدتي. سأبحث فيها مجدداً."
أمضت ليلى وليلةً تبحث في مذكرات جدتها، وتبحث عن أي إشارةٍ لمكانٍ ما، أو لطقسٍ معين. وبينما كانت تقلب في الصفحات، وجدت رسماً غريباً، خريطةً لمنطقةٍ قريبة من القصر، عليها علامةٌ عند موقعٍ معين.
"هذا هو! أعتقد أن هذا هو المكان الذي تتحدث عنه جدتي!" صاحت ليلى، وقد ارتسمت على وجهها علامات الحماس.
"ما هو هذا المكان؟" سأل رائد.
"إنها منطقةٌ مهجورة، قريبة من الوادي. قالت جدتي إنها 'موطن البدايات'. ربما يكون هذا هو المكان الذي عقد فيه أجدادنا العهد لأول مرة."
قرر رائد وليلى أن يتوجها إلى هذا المكان في اليوم التالي، بصحبة السيدة فاطمة والشيخ أحمد. شعروا أن هذه هي الخطوة الحاسمة، وأنها قد تكون مفتاح حل كل هذه الألغاز.
"علينا أن نكون مستعدين لكل شيء"، قالت السيدة فاطمة. "فإن عالم الجن مليءٌ بالمفاجآت، وليس كل ما نراه هو الحقيقة."
تسللت ليلى إلى الفراش، لم تستطع النوم. كانت تفكر في كل ما اكتشفته، في تاريخ عائلتها، وفي هذا الرمز القديم. شعرت بثقل المسؤولية يتزايد، ولكنها كانت تشعر أيضاً بشيءٍ من الأمل. ربما، بمساعدة الله، يمكنهم أن يصلحوا ما فسد، وأن يعيدوا الأمان إلى عائلتهم.
لم تكن تدري أن رحلتهم لم تبدأ بعد، وأن ما ينتظرهم في الوادي المهجور قد يكون أكثر مما تتخيل.