الجن الطيب الجزء الثالث

الشك يتسلل إلى القلوب

بقلم ظافر الغيب

كان الليل قد أسدل ستاره على قرية "الريحان"، محتضناً بيوتها المتواضعة وساحاتها الهادئة بظلام يكتنفه السكون. في منزل الشيخ "أحمد"، كان نور المصباح الخافت يرسم ظلالاً راقصة على جدران الغرفة التي اجتمع فيها "يوسف" و"ليلى" و"جدها الحاج إسماعيل". الهواء مشبع برائحة البخور والهدوء الممزوج بقلق دفين.

"يا بني، أظن أن هذا الأمر أعمق مما كنا نتوقع،" قال الحاج إسماعيل بصوت فيه رجفة خفيفة، وهو يمسح على لحيته البيضاء. "تلك الأصوات التي سمعناها، وتلك الظلال التي رأيناها... ليست من فعل البشر العاديين."

"ولكن يا جدي، هل يمكن أن تكون تلك مجرد أوهام؟ ربما الخوف والرهبة من قصة 'الجن الطيب' التي رواها لنا العطار جعلت عقولنا ترى ما ليس موجوداً؟" سأل يوسف، وعيناه تعكسان مزيجاً من الشجاعة والتساؤل. كان يحاول جاهداً أن يحافظ على رباطة جأشه، لكنه كان يشعر بثقل غامض يلف المكان.

"الأوهام لا تترك أثراً كهذا يا يوسف،" ردت ليلى بصوت هادئ ولكن حاسم. كانت تجلس بجانب جدها، ويداها متشابكتان بقوة. "عندما استيقظتُ في تلك الليلة، ورأيتُ تلك الأيدي الشفافة تمتد من حافة النافذة... لم تكن مجرد رؤية. شعرتُ ببرودة غريبة تسري في جسدي، وكأن شيئاً ما يحاول أن يمتص روحي."

ارتعش يوسف عند سماع وصفها. كان يدرك أن ليلى ليست ممن يبالغن، وأن خوفها كان حقيقياً. "وماذا عن ذلك السقوط الذي حدث لـ 'فواز'؟ هل يمكن أن يكون accident؟"

"فواز لم يكن ليقع من تلك الشجرة بهذه الطريقة،" قال الحاج إسماعيل قاطعاً. "كان حذراً، يعرف هذه الأشجار جيداً. والأغرب من ذلك، أننا لم نجد أي أثر لسقوط أرضي. كأن الأرض قد ابتلعته ثم أعادته."

صمت مفاجئ خيم على المكان. كانت كلمات الحاج إسماعيل تقرع طبول الحرب في عقولهم. هل هذا هو "الجن الطيب" الذي وصفه العطار؟ الجن الذي يبدو طيباً في ظاهره، لكنه يخفي وراءه نوايا شريرة؟

"قال العطار إن الجن الطيب لا يؤذي إلا من يوقظه أو يزعجه،" أضاف يوسف. "هل فعلنا شيئاً أغضبهم؟"

"لا أعتقد ذلك،" أجابت ليلى. "نحن لم نفعل شيئاً سوى محاولة البحث عن حل لمشكلة القرية، مشكلة الجفاف. ربما... ربما أزعجنا شيئاً قديماً، شيئاً مدفوناً منذ زمن طويل."

"لقد تحدثتُ مع بعض كبار السن في القرية،" تابع الحاج إسماعيل، "وسألتهم عن تاريخ هذه المنطقة. قصصهم متشابهة، تتحدث عن بئر قديم مهجور في أطراف الغابة، يقال إن أهل القرية القدماء كانوا يتبركون به، ثم تركوه بسبب حكايات عن أرواح تسكنه."

"هل تعتقد يا جدي أن هذا البئر له علاقة بما يحدث؟" سأل يوسف، وعلامات الاهتمام تظهر على وجهه. كان يحب حل الألغاز، وهذه القضية بدأت تثير فضوله بشكل كبير.

"كل شيء ممكن يا بني،" قال الحاج إسماعيل. "لقد أخبروني أن أهل القرية القدماء كانوا يضعون هدايا بالقرب من البئر، وأنهم كانوا يتحدثون إليه كأنه كائن حي. ربما... ربما هذا البئر هو المكان الذي تم فيه استدعاء أو تقييد هذا الجن."

"وإذا كان الأمر كذلك، فماذا علينا أن نفعل؟" سألت ليلى، صوتها يرتجف قليلاً. كانت تشعر بالمسؤولية تجاه القرية، ولكنها كانت تخشى أيضاً من المواجهة المباشرة مع قوى غير مرئية.

"علينا أن نذهب إلى هناك،" قال يوسف بحزم، "علينا أن نرى هذا البئر بأنفسنا. ربما نجد دليلاً، أو شيئاً يوضح لنا ما يحدث."

"هذا خطر يا يوسف،" حذره الحاج إسماعيل. "الجن، مهما كان طيباً أو شريراً، يمتلك قوى تفوق قوى البشر. الخوض في أمورهم دون معرفة أو حذر قد يؤدي إلى عواقب وخيمة."

"ولكن يا جدي، البقاء هنا وعدم فعل شيء لن يحل المشكلة. الجفاف مستمر، وحياة أهل القرية في خطر. وإذا كان هذا الجن هو السبب، فعلينا أن نفهمه، أو على الأقل أن نعرف ما يريده."

نظرت ليلى إلى يوسف، ثم إلى جدها. كانت تدرك أن يوسف على حق. لا يمكنهم الاستسلام للخوف. "أنا سأذهب معكم،" قالت بصوت قوي. "لا يمكنني أن أبقى هنا وأنا أعلم أن هناك خطر يحدق بنا، وأنني قد أساهم في إيجاد حل."

تنهد الحاج إسماعيل. كان يرى الشجاعة في عيني حفيده وحفيدته، ولكنه كان يرى أيضاً شبابهم واندفاعهم. "حسناً،" قال أخيراً. "ولكن بحذر شديد. سنذهب عند طلوع الشمس. وسآخذ معي بعض الكتب القديمة التي قد تفيدنا."

في تلك اللحظة، سمعوا صوتاً خفيفاً، كأن ورقة تسقط على الأرض. التفتوا جميعاً نحو مصدر الصوت، لكنهم لم يروا شيئاً. فقط الظلال المتراقصة التي كانت تزيد من إحساسهم بالريبة.

"ما هذا؟" همس يوسف.

"ربما مجرد الريح،" قال الحاج إسماعيل، لكن عينيه ظلتا متيقظتين.

"أو ربما هو... يراقبنا،" قالت ليلى بصوت مرتجف.

شعروا جميعاً بوجود شيء ما حولهم، حضور غير مرئي يملأ الغرفة. لم يكن حضوراً عدائياً بشكل مباشر، بل كان حضوراً يحمل مزيجاً من الفضول والتحذير. كان وكأن شيئاً ما يحاول أن يقول لهم: "أنتم على وشك الدخول في عالم لا تفهمونه."

عادوا إلى منازلهم، ولكن النوم لم يأتِ لأي منهم بسهولة. أفكارهم كانت مشوشة، وقلوبهم مليئة بالخوف والأمل. كان الغموض يزداد كثافة، وكان البئر القديم في أطراف الغابة يستدعي بخطوات ثابتة. لقد بدأوا رحلة البحث عن الحقيقة، رحلة قد تكشف لهم عن أسرار الجن الطيب، وأسرار القرية، وأسرار أنفسهم.

*

في مكان آخر، وفي بيت "فواز" الذي كان لا يزال يتعافى من سقطته الغامضة، كان يجلس بصحبة والده. كان فواز شاحب الوجه، وعيناه تحملان آثار الرعب.

"يا بني، هل أنت متأكد مما رأيت؟" سأل والده بقلق، وهو يرى ذراع فواز المغطاة بضمادات.

"نعم يا أبي،" أجاب فواز بصوت ضعيف. "لقد شعرتُ وكأن شيئاً ما يمسك بي بقوة، ويدفعني. لم أكن أنا من سقط. لقد أسقطوني."

"ولكن من؟ ومن يستطيع أن يفعل ذلك؟"

"لا أعرف. ولكنني رأيت... رأيت ظلالاً تتحرك بسرعة، وظل يد ممتد نحوي قبل أن أسقط. كان الظل مختلفاً عن ظلال الأشجار. كان... يلمع بشكل غريب."

"هل كنت تحاول أن تقول شيئاً عن بئر قديم؟" سأل والده، متذكراً بعض الهمسات التي سمعها من جيرانهم.

"بئر؟ لا، لم أفكر في بئر. كنت أحاول أن أمنع نفسي من السقوط."

"هل رأيت أياً من هؤلاء الشباب، يوسف أو ليلى؟"

"لا، لم أرهم. كنت وحدي."

تنهد والد فواز. كان يشعر بأن شيئاً ما غريباً يحدث في قريتهم، شيئاً تفوق قدرته على الفهم. لقد كانت القرية دائماً هادئة، والآن تبدو وكأنها مسرح لأحداث غريبة.

"ارتاح يا بني،" قال. "لا تقلق الآن. الأهم هو صحتك. ولكن كن حذراً. يبدو أن هذه الأرض تخبئ لنا أسراراً."

ابتسم فواز بضعف. كان يعلم أن الأمر لن ينتهي ببساطة. كان يشعر بأن حياته قد تغيرت إلى الأبد بعد تلك السقطة. كان يشعر وكأن شيئاً ما قد ترك بصمته عليه، بصمة لا تمحى.

مع بزوغ الفجر، كان الضوء الأول يخترق حجاب الليل، ليبدأ فصلاً جديداً من التشويق والغموض في قرية الريحان. رحلة البحث عن البئر القديم بدأت، حاملة معها وعداً بالكشف عن أسرار قديمة، وأسرار قد تكون سبباً في دمار القرية أو نجاتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%