الجن الطيب الجزء الثالث
دروب الغابة الموحشة والبئر المنسي
بقلم ظافر الغيب
مع خيوط الشمس الذهبية الأولى التي بدأت تتسلل عبر أوراق الأشجار الكثيفة، كان يوسف وليلى والحاج إسماعيل يخطون خطواتهم الأولى نحو عمق غابة الريحان. كان الهواء بارداً منعشاً، يحمل معه رائحة التراب الندي وأوراق الشجر المتساقطة. لكن وراء جمال الطبيعة الهادئ، كانت هناك هالة من الغموض والرهبة تتزايد مع كل خطوة.
"هذه الغابة تبدو أقدم وأكثر كثافة مما أتذكر،" قال يوسف وهو ينظر حوله. كانت الأشجار شاهقة، وأغصانها المتشابكة تحجب ضوء الشمس، مما يخلق جواً من الظلمة المتقطعة.
"الزمان يا بني يغير كل شيء،" أجاب الحاج إسماعيل بهدوء. كان يسير في المقدمة، ممسكاً بيده عصا خشبية قديمة، وعيناه تبحثان عن أي علامة قد تدل على الطريق. "لكنني متأكد أننا في الاتجاه الصحيح. أخبروني أن البئر يقع في منطقة نائية، بالقرب من صخرة كبيرة على شكل رأس ثعبان."
"هل أنت واثق من هذا الوصف يا جدي؟" سألت ليلى، وهي تحاول أن تتجنب أغصاناً متدلية. كان قلبها ينبض بقوة، مزيجاً من الحماس والقلق.
"هذه هي الأوصاف التي سمعتها من كبار السن،" أكد الحاج إسماعيل. "الحكايات تنتقل عبر الأجيال، وقد تحمل في طياتها بعض الحقائق."
بينما كانوا يواصلون المسير، بدأوا يلاحظون بعض التغييرات الغريبة في الغابة. كانت هناك أصوات خفيفة، كأن أوراق الشجر تتحرك دون وجود ريح، وهمسات خافتة تبدو وكأنها تأتي من بعيد.
"هل تسمعون ذلك؟" سأل يوسف بصوت منخفض.
"نعم،" أجابت ليلى. "كأن هناك من يتحدث. ولكني لا أستطيع فهم ما يقولون."
"ربما هي مجرد أصداء الطبيعة،" قال الحاج إسماعيل، لكنه كان يعرف أن الأمور ليست بهذه البساطة. لقد شعر بوجود شيء ما يراقبهم، شيء لا يمكن رؤيته.
وبينما كانوا يتقدمون، تعثر يوسف بشيء مدفون في الأرض. انحنى ليلتقطه، فوجده قلادة قديمة مصنوعة من حجر أخضر باهت، مزينة بنقوش غريبة.
"ما هذا؟" سأل وهو يتفحص القلادة.
"إنها... تبدو قديمة جداً،" قالت ليلى وهي تقترب لتنظر. "وهذه النقوش... لم أرها من قبل."
"دعني أرى،" قال الحاج إسماعيل، وتأمل القلادة بعناية. "هذه رموز قديمة، تعود إلى زمن أجدادنا. يقال إن هذه الرموز كانت تستخدم في بعض الطقوس القديمة، لطرد الأرواح الشريرة أو لجذب الأرواح الطيبة."
"ولكن لماذا وجدت هنا؟" تساءل يوسف.
"ربما كانت هذه القلادة لأحد الأشخاص الذين كانوا يزورون البئر،" اقترح الحاج إسماعيل. "ربما كانت جزءاً من طقوسهم."
شعر يوسف بانتقال موجة باردة عبر يده وهو يمسك بالقلادة. كان هناك إحساس غريب، كأن شيئاً ما ينبض داخل الحجر. "تشعر وكأنها حية،" قال.
"ضعها بعناية،" نصحه الحاج إسماعيل. "قد تكون لها قوى، جيدة أو سيئة."
وضع يوسف القلادة في جيبه، وشعر بأنها تنبض بضعف، كأنها تستجيب لوجودهم.
بعد عدة ساعات من المسير، بدأت الأشجار تتناقص، وظهرت أمامهم منطقة واسعة تتخللها بعض الصخور الكبيرة. وفي وسط هذه المنطقة، رأوا صخرة ضخمة، تشبه بالفعل رأس ثعبان يحدق نحو السماء.
"ها نحن ذا،" قال الحاج إسماعيل وهو يشير إلى الصخرة. "إنه المكان."
اقتربوا من الصخرة، وبدأوا يبحثون حولها. وبعد قليل، لمح يوسف شيئاً غريباً تحت شجرة بلوط قديمة. كان عبارة عن حفرة دائرية، تحيط بها حجارة مرتبة بشكل دائري. كانت مغطاة ببعض الأوراق المتساقطة والأعشاب البرية، لكنها كانت واضحة بما يكفي لتحديد شكلها.
"إنه البئر،" قال بصوت خافت.
كان البئر يبدو قديماً ومنسياً. جدرانه مصنوعة من حجارة متآكلة، وكان عمقه يبدو سحيقاً. لم يكن هناك ماء فيه، فقط ظلام دامس.
"هذا هو البئر الذي تحدثوا عنه،" قال الحاج إسماعيل. "ولكن أين الجن؟ وأين الحقيقة؟"
وقفت ليلى على حافة البئر، ونظرت إلى الأسفل. شعرت بتيار هواء بارد يصعد من الأعماق، يحمل معه رائحة غريبة، كأنها مزيج من الأرض الرطبة والزمن المنسي.
"أشعر بشيء هنا،" قالت بصوت خافت. "شيء قوي جداً. كأنه... قوة قديمة نائمة."
"علينا أن نكون حذرين،" قال الحاج إسماعيل. "ليس من الحكمة الاقتراب أكثر من اللازم دون معرفة. قد تكون هناك فخاخ، أو قد نوقظ شيئاً لا ينبغي إيقاظه."
"ولكننا جئنا إلى هنا من أجل ذلك، أليس كذلك؟" سأل يوسف. "جئنا لنكتشف الحقيقة."
بينما كانوا يتحدثون، سمعوا صوتاً خفيفاً، كأن حجراً صغيراً سقط في البئر. توقفوا جميعاً، وأصغوا. لم يكن هناك أي صدى، وكأن شيئاً ما قد ابتلع الصوت.
"هل سمعتم ذلك؟" سأل يوسف.
"نعم،" أجابت ليلى. "كأن شيئاً ما سقط فيه."
"لا يوجد شيء يسقط في بئر فارغ،" قال الحاج إسماعيل بقلق.
وفجأة، رأوا شيئاً يتحرك في الظلام الدامس داخل البئر. كان شيئاً خفيفاً، شبه شفاف، يسبح في الهواء. لم يكن له شكل محدد، ولكنه بدا وكأنه يدرسهم.
"ما هذا؟" همس يوسف.
"هذه... هذه ليست إنسان،" قالت ليلى بصوت مرتعش. "هذه... روح."
بدأت القلادة التي في جيب يوسف تنبض بشكل أسرع، وكأنها تتفاعل مع ما يرونه. شعر يوسف بوخز في يده، وكأن القلادة تحذره.
"علينا أن نرحل،" قال الحاج إسماعيل بحزم. "لقد رأينا ما يكفي. لم يعد لدينا ما نفعله هنا الآن."
لكن قبل أن يتمكنوا من التحرك، بدأت النقوش على جدران البئر تتوهج بضوء أزرق خافت. ثم سمعوا صوتاً، صوتاً لم يكن من هذا العالم. كان صوتاً عميقاً، كأنه يأتي من بطن الأرض، ولكنه كان يحمل نغمة غريبة، كأنها مزيج من الحزن والهدوء.
"من أنتم؟" سأل الصوت. "لماذا تزعجون نومي؟"
تجمد يوسف وليلى في مكانهما. الحاج إسماعيل، على الرغم من خوفه، استجمع شجاعته.
"نحن أهل قرية الريحان،" قال الحاج إسماعيل بصوت ثابت. "جئنا نبحث عن حل لجفاف يضرب أرضنا. هل أنت... هل أنت الجن الطيب الذي نتحدث عنه؟"
لم يكن هناك رد مباشر، ولكن التوهج الأزرق زاد قوة. وشعروا بأن الهواء من حولهم أصبح أثقل، وأنهم محاطون بقوة غير مرئية.
"إذا كنتم تبحثون عن الحل،" قال الصوت أخيراً، "فعليكم أن تجدوا المفتاح. المفتاح الذي يحرر كل شيء."
"ما هو المفتاح؟" سأل يوسف.
"كل شيء له ثمن،" قال الصوت. "والثمن لن يكون سهلاً."
بعد ذلك، بدأ التوهج الأزرق يخفت تدريجياً، واختفى الشيء الشفاف الذي كانوا يرونه في البئر. ساد الظلام مرة أخرى، ولكنهم شعروا بأنهم قد لمسوا شيئاً، شيئاً قديماً وساحراً.
"ماذا يعني كل هذا؟" سألت ليلى وهي تتكئ على يوسف.
"لا أعرف،" قال يوسف، "ولكنني أشعر أننا اقتربنا من الحقيقة."
نظر الحاج إسماعيل إلى البئر، ثم إلى الصخرة التي على شكل رأس ثعبان. كان يعلم أن رحلتهم لم تنتهِ، بل ربما بدأت للتو. لقد وجدوا البئر، وسمعوا الصوت، ولكنهم الآن لديهم لغز جديد: "المفتاح".
*
في طريق عودتهم إلى القرية، ساد الصمت. كل منهم كان يفكر في الكلمات التي سمعوها، وفي الرؤية التي شاهدوها. لم يعد الأمر مجرد حكايات قديمة، بل أصبح واقعاً ملموساً، واقعاً يحمل في طياته الكثير من المخاطر.
"إذا كان هناك جن طيب، فلماذا يقول إن الحل له ثمن؟" سألت ليلى.
"ربما هذا الجن الطيب ليس طيباً كما نعتقد،" قال يوسف. "ربما هو طيب بالنسبة لنفسه، ولكن ليس بالنسبة لنا."
"أو ربما،" قال الحاج إسماعيل، "هو طيب، ولكنه محصور، ويحتاج إلى شيء معين ليتحرر، وهو ما سيحررنا نحن معه."
وصلوا إلى القرية مع اقتراب غروب الشمس. وجوههم كانت تحمل آثار التعب، ولكن عيونهم كانت مشتعلة بالتصميم. لقد وجدوا البئر، وسمعوا الصوت، وأصبح لديهم هدف واضح: إيجاد "المفتاح". ولكن هذا الهدف كان يبدو بعيد المنال، ومليئاً بالغموض.