الجن الطيب الجزء الثالث

الليلة الأخيرة قبل الفجر

بقلم ظافر الغيب

كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة التراب الرطب والقلق الذي لا ينذر بخير. وقفت ليلى على عتبة الباب الخلفي للبيت القديم، تحدق في الظلام الدامس الذي ابتلع فناء الدار. لم يكن الظلام مجرد غياب للضوء، بل كان كياناً له وزن، يتسلل إلى أركان الروح فيبعث فيها قشعريرة باردة. في يدها، كانت تمسك بشمعة قديمة، شعلتها تتراقص بعنف بفعل نسمة خفيفة، تلقي بظلال متماوجة على جدران متقادمة تحكي قصصاً من عصور غابرة.

كانت تعلم أن الليلة حاسمة. لقد بلغ بهم الصراع مع ذلك الكيان الخبيث ذروته، وأن كل تأخير لم يكن سوى تفاقم للجرح الذي ينخر في عائلتها. في الأيام الماضية، تضاعفت الظواهر الغريبة. لم تعد الهمسات المزعجة تقتصر على الليل، بل باتت تتسلل في وضح النهار، تحمل معها صدى ضحكات مخيفة وكلمات لا معنى لها. بدأت الأغراض تتحرك من تلقاء نفسها، وأصوات الخطوات المجهولة تعلو في أروقة البيت الفارغة. أكثر ما أثار رعبها هو رؤية لمحات سريعة لظلال غريبة تتشكل في زوايا الغرف، ظلال لا تنتمي إلى هذا العالم.

نهض عمي الحبيب، أبو أحمد، من مجلسه، متكئاً على عصاه المزينة ببراعة. خطاه كانت بطيئة، لكنها ثابتة. وجهه الذي خطه الزمن، يعكس مزيجاً من الصبر والقوة، لكن عينيه تحملان قلقاً عميقاً لم يعتد عليه. "هل أنتِ مستعدة يا ابنتي؟" سأل بصوت خافت، لكنه احتوى على نبرة تحذيرية.

أومأت ليلى، محاولة كبت الرجفة التي سرت في جسدها. "نعم يا عمي. كل شيء جاهز. القرآن الكريم، والماء المقروء عليه، والعطور الطيبة التي أمرت بها."

"ليس هذا ما أقصده يا ابنتي," قال وهو يضع يده على كتفها بحنان. "هل روحك مستعدة؟ هل قلبك مؤمن بما يكفي لمواجهة ما هو قادم؟ إنهم ليسوا بشراً، وما سيواجهونه ليس معركة عادية."

نظرت ليلى إلى يده القوية، إلى جلده المجعد الذي شهد الكثير من الأفراح والأحزان. "لقد أردت دائماً أن أكون قوية، يا عمي. وأن أحمي عائلتي. هذا هو واجبي."

"والواجب أحياناً يتطلب أكثر مما نتخيل," قال وهو يدخل إلى الفناء. "لقد حان وقت المواجهة، ولا مفر منها. لقد سمعنا ما يكفي من أصواتهم، ورأينا ما يكفي من أفعالهم. حان الوقت ليكتشفوا أن هذا البيت له رب يحميه، وأن سكانه ليسوا لقمة سائغة."

اجتمعت العائلة في الغرفة الرئيسية، حيث كان أبي، الشيخ أحمد، واقفاً يتلو آيات من القرآن الكريم. كان حضوره يبعث الطمأنينة، لكن وجهه كان شاحباً، وكأن ثقل المعركة القادمة قد استقر على كتفيه. كانت أمي، السيدة فاطمة، تجلس بجانب جدتي، تقرأ بصوت هامس من مصحفها، بينما كانت شقيقاتها، زينب ورقية، متمسكات ببعضهما البعض، وعيونهما مليئة بالخوف الممزوج بالإيمان.

"لقد رأيتهم بوضوح الليلة الماضية," قال أبي بصوت متهدج. "لم يكونوا أشباحاً، بل كانوا كائنات مظلمة، تتراقص أجسادها في الضوء الخافت، وتومض عيونها بحقد لا يوصف. كانوا يتكلمون بلغة غريبة، لكنني فهمت كلمات واحدة: 'سنستعيد ما هو لنا'. وهذا مخيف، يا أولادي، مخيف جداً."

عاد الصمت يخيم على الغرفة، ثقيلاً ومروعاً. كانت تلك هي الكلمات التي كانوا يخشون سماعها. "ما هو لكم؟" تساءلت ليلى بصوت خافت، وهي تشعر ببرودة تسري في عروقها. "ماذا تريدون منا؟"

"لا يهم الآن ما يريدون," قال عمي أبو أحمد بحزم. "المهم هو أننا لن نسمح لهم بأخذ شيء منا. هذا البيت، وهذا المكان، وهذه العائلة... كلها تحت حماية الله. ونحن سنكون درعاً له."

أخذ أبي المصحف، ووضعه بعناية على طاولة خشبية قديمة. "سنبدأ الآن. سأقوم أنا وعمي بقراءة سورة البقرة كاملة، تتبعها سورة يس. اتبعوني في الصلاة، وكل كلمة تقال، اجعلوا قلوبكم معها. لا تدعوا للشيطان مدخلاً إلى نفوسكم."

بدأت التلاوة، وكان الصوت يرتفع شيئاً فشيئاً، يملأ كل زاوية في البيت. كان صوت أبي قوياً، متمكناً، بينما كان صوت عمي أبو أحمد عميقاً، مليئاً بالخشوع. كانت ليلى تغمض عينيها، تتلو الآيات في قلبها، متصورة نوراً ساطعاً يطرد الظلام.

لكن الظلام كان يبدو عنيداً. مع كل آية، كانت تشعر بحركة غريبة في الهواء، كأن شيئاً ما يقاوم. كانت هناك همسات خفية تتداخل مع صوت التلاوة، كلمات مشوشة، ضحكات مكتومة. شعرت زينب، أختها الصغرى، بالخوف، وبدأت ترتجف. أمسكت رقية بيدها، تحاول تهدئتها.

ثم، فجأة، انطفأت الشمعة التي كانت بجانب أبي. لم تكن الرياح قوية، لكن الشعلة تراجعت ثم اختفت في لحظة، تاركة الغرفة في شبه ظلام، لا يكسره سوى نور خافت من الخارج. تلاها صوت ارتطام قوي في الطابق العلوي، كأن شيئاً ثقيلاً قد سقط.

"اهدأوا!" صرخ أبي، وصوته مليء بالإصرار. "إنهم يحاولون ترهيبنا. لا تخافوا. الله معنا."

لكن الخوف بدأ يتغلغل. بدأت السيدة فاطمة، أمها، بالبكاء بصوت خافت. "يا أحمد، قلبي لا يطمئن. هذه ليست مجرد أعاصير. هناك شيء سيء يحدث."

"اهدئي يا فاطمة," قال أبو أحمد، وهو يمسك بيدها. "لقد واجهنا ما هو أصعب من هذا. لن ندعهم يهزموننا."

في تلك اللحظة، سمعت ليلى صوتاً آخر، قريباً جداً. كان صوتاً يشبه صرير باب قديم، لكنه كان يحمل نفساً بشرياً، أنيناً متألماً. نظرت حولها، ولم تر شيئاً. لكن الصوت تكرر، هذه المرة أقرب، وكأن أحدهم يقف خلف ظهرها مباشرة.

استدارت بسرعة، وقلبها يخفق بعنف. لم يكن هناك أحد. لكنها شعرت ببرودة جليدية تلف جسدها، وشعرت بأنفاس باردة تلفح عنقها. رفعت يدها، ووجدت أنها ترتجف.

"ماذا حدث؟" سأل أبي، وقد لاحظ ارتباكها.

"لا شيء," تمتمت ليلى، وهي تحاول استعادة رباطة جأشها. "ربما... ربما كان مجرد خيال."

لكنها لم تكن متأكدة. كان الظلام يزداد عمقاً، وكان الصمت الذي يليه أقوى من أي ضجيج. كانت تعرف أن الليلة ستكون طويلة، وأنهم على وشك الدخول إلى منطقة مجهولة، منطقة لا عودة منها. لقد كانت هذه الليلة، ليلة الانهيار، أو ليلة الانتصار.

ثم، من أعماق الظلام، سمعوا صوت عميق، غريب، ليس من هذا العالم. صوت بدا وكأنه يخرج من الأرض نفسها، صوت فيه قوة شريرة، صوت يهمس بكلمات لم يفهموها، لكنهم أحسوا بمعناها. كان الصوت يقول: "لم تبدأ المعركة بعد."

====

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%