الجن الطيب الجزء الثالث
العهد القديم والوحشة الجديدة
بقلم ظافر الغيب
ارتعش البيت كله. لم يكن مجرد اهتزاز، بل كان زلزالاً صغيراً، كأن جدرانه القديمة تتأوه تحت وطأة قوة لا يمكن تصورها. توقفت تلاوة أبي فجأة، ورفع رأسه، وعيناه تحدقان في سقف الغرفة، ثم في الجدران. كان هناك شيء يتغير. لم تعد تلك الهمسات الخبيثة والضحكات المزعجة، بل كان هناك حضور قوي، غاضب، يتمدد ويتسع.
"لقد استيقظ!" صاح أبو أحمد، وصوته مليء بالرهبة. "لقد أزعجنا الساكن. إنه قوي، قوي جداً."
كانت ليلى تشعر بأن جسدها كله يتخدر. حاولت أن تتحرك، أن تتنفس، لكن الهواء أصبح كثيفاً، ثقيلاً، وكأن آلاف الأيادي الخفية تضغط على صدرها. نظرت إلى والديها، وإلى عمها، ورأت على وجوههم مزيجاً من الرعب والقوة. كانوا مستعدين، لكن الاستعداد لا يعني عدم الشعور بالخوف.
"ماذا نفعل الآن يا عمي؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأن صوتها بالكاد يخرج.
"يجب أن نتجاكد من أننا لسنا وحدنا," قال أبو أحمد. "الرعب هو سلاحهم الأول. يجب أن نبقي قلوبنا مطمئنة، وألا نسمح للشك بالتسلل."
في تلك اللحظة، بدأت الأضواء في الغرفة بالخفوت، واحدة تلو الأخرى. ثم بدأت الأبواب والنوافذ تتأرجح بعنف، رغم أنها كانت مغلقة بإحكام. سمعوا صوت صرير قوي، ثم صوت تكسر زجاج في النافذة المطلة على الفناء الخلفي.
"يا إلهي!" صرخت أمي، وهي تحتضن جدتها. "ما الذي يحدث؟"
"إنه يختبر قوتنا," قال أبي، وهو يقف بثبات، رغم أن وجهه كان قد تحول إلى اللون الرمادي. "إنه يحاول تحطيم معنوياتنا. علينا أن نتماسك."
صعد أبي وصفيحة، سكين تقليدية كبيرة، كانت معلقة على الحائط. كان يعرف أنه سلاح رمزي أكثر منه فعلي، لكنه كان رمزاً للقوة، للمقاومة. أمسك به أبو أحمد أيضاً، وكذلك خالي، الذي كان قد جاء في وقت سابق ليكون معهم.
"سنقوم بجولة في المنزل," أعلن أبي. "سنرى ما الذي يحاول فعله. ابقوا هنا، ولا تغادروا الغرفة. وليكن الدعاء سلاحكم."
خرج أبي وأبو أحمد، ومعهما بعض الرجال الذين كانوا في القرية وسمعوا بالأمر. كان لديهم شعلات، لكن نورها كان باهتاً أمام الظلام الذي استولى على المكان. ليلى، رغم خوفها، شعرت بأن هناك شيئاً ما يدفعها إلى ما وراء جدران الغرفة.
"سأذهب معهم," قالت ليلى، وهي تسحب عباءتها.
"ليلى، ما تفعلين؟" صاح أبي، لكنها لم تستجب.
"لا يمكنني أن أبقى هنا وأنا أشعر بالضعف. إنهم عائلتي، وأنا جزء منهم. إن كان هناك خطر، يجب أن أكون هناك."
نظرت إليها أمها بعينين دامعتين. "يا ابنتي، أنتِ لا تزالين صغيرة. هذا ليس لك."
"يا أمي," قالت ليلى، وهي تحتضنها. "لقد كبرت. لقد رأيت ما يكفي. وسأدافع عنكم."
اندفعت ليلى خارج الغرفة، ولحقت بها رقية، شقيقتها، بتردد. كانتا تتقدمان في ممرات البيت المظلمة، والشعلات التي يحملها الرجال تلقي بظلال متراقصة على الجدران. كانت رائحة غريبة، كريهة، تملأ الهواء، رائحة تشبه رائحة الكبريت المتعفن.
وصلوا إلى غرفة المعيشة، حيث كانت الأثاث مبعثراً، والوسائد ممزقة. يبدو أن شيئاً ما قد هاجم المكان بقوة. ثم سمعوا صوتاً، صوت كسر.
"هناك في القاعة," قال أحد الرجال، مشيراً إلى باب القاعة الرئيسية.
تقدموا بحذر. كان الباب مفتوحاً قليلاً، وكان هناك ضوء خافت يتسرب من الداخل. أخذ أبي نفساً عميقاً، ثم دفع الباب.
كانت القاعة تبدو وكأنها مسرح لفيلم رعب. كل شيء كان مقلوباً رأساً على عقب. الطاولات محطمة، الكراسي مبعثرة، والسجاد ممزق. وفي وسط القاعة، كان هناك شيء غريب.
كانت هناك دائرة مرسومة على الأرض، بدم داكن، لا تبدو كدماء بشرية. وفي وسط الدائرة، كان هناك تمثال صغير، خشبي، يمثل شكلاً بشرياً، لكنه مشوه، غريب. وكان هذا التمثال يضيء بوهج أحمر خافت، وبدأ يصدر صوتاً، صوتاً أشبه بالأنين، يرتفع وينخفض.
"هذه هي الطلاسم!" صاح أبو أحمد. "لقد كانوا يرسمون طلاسم لاستدعاء هذا الشيء. هذا هو مصدر القوة."
"وماذا نفعل به؟" سأل خالي.
"يجب تدميره," قال أبي. "بأي ثمن."
تقدم أبي نحو التمثال، وهو يرفع سيفه. لكن قبل أن يصل إليه، انطلق منه ضوء أحمر قوي، أضاء القاعة بأكملها، ثم انبعث منه صوت صراخ مدوٍ، أشبه بصراخ الوحوش.
تراجعت ليلى، وشعرت بأن جدران الغرفة تنهار. ثم رأت شيئاً. في الزاوية، بين الظلال، كانت هناك عينان تلمعان. عينان حمراوان، مخيفتان، تنظران إليها مباشرة. ثم رأيت ما يبدو أنه وجه، مشوه، غريب، يبتسم ابتسامة خبيثة.
"إنه هنا!" صرخت ليلى، وهي تشير إلى الزاوية.
التفت الجميع. كان الظلام في تلك الزاوية أكثر كثافة، وأكثر تشوهاً. ثم بدأ يتشكل. شكل طويل، نحيل، غريب، يرتدي ملابس داكنة، لكنها تبدو وكأنها مصنوعة من الظلال نفسها. لم يكن له وجه واضح، فقط تلك العينان الحمراوان اللتان تحدقان.
"إنها من النوع الذي تحدثنا عنه," قال أبو أحمد بصوت خافت، مليء بالرعب. "الجن الطيب... أو بالأحرى، الجن الشرير. إنه هنا ليأخذ ما يريد."
"لكن لماذا؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأنها لا تستطيع التنفس.
"لقد ذكروا شيئاً عن 'استعادة ما هو لهم'," قال أبي. "ربما هذه هي عائلتهم، وهذا هو مكانهم. لكننا لن نسمح لهم بذلك."
بدأ الشيء بالتحرك. لم يكن يركض، بل كان ينساب، كدخان أسود. كان يتجه نحو التمثال، نحو دائرة الدم.
"لا!" صرخ أبي، وحاول أن يندفع نحوه، لكن شيئاً ما أمسك به، قوة غير مرئية، وقذف به إلى الخلف.
"يا أبي!" صرخت ليلى، وهي تحاول أن تصل إليه، لكنها لم تستطع.
بدأ التمثال يضيء أكثر، وتصاعد الأنين منه. بدأت دائرة الدم تتسع، وتتوهج. وبدأ الشيء يتشكل أكثر، ليصبح أكثر وضوحاً. كان له قرنان، وأجنحة شبيهة بالخفافيش، ومخالب طويلة.
"إنه يريد تدمير التمثال،" قال أبو أحمد. "إذا فعل ذلك، سيتم تحرير قوته بالكامل، وسيستطيع أن يفعل ما يشاء."
"يجب أن نمنعه!" قال خالي، وهو يحاول النهوض.
"لكن كيف؟" سأل واحد من الرجال. "قوته أكبر منا بكثير."
شعرت ليلى بأن قلبها يكاد ينفجر. كان زوجها، عمر، في مكان ما، يحاول أن يجمع ما تبقى من قوته في الخارج. لكن هنا، داخل البيت، كان الرعب يتجسد.
"هناك طريقة واحدة," قال أبو أحمد، وهو ينظر إلى القرآن الكريم الذي كان أبي قد تركه في الغرفة المجاورة. "إذا لم نستطع تدمير الظلام بالقوة، فلتكن نور الإيمان هو سلاحنا."
"ماذا تقصد؟" سألت ليلى.
"يجب أن نجد طريقة لإشعال نور في هذا المكان، نور مقدس. نور القرآن، نور الإيمان. ربما إذا أضاء المكان بنور الله، لن يستطيع هذا الشيء البقاء."
"لكن كيف؟" سأل أبي، وهو ينهض ببطء، متألماً. "البيت مظلم، والظلام قوي."
"ربما," قالت ليلى، وهي تنظر إلى التمثال المتوهج، وإلى الشيء المرعب الذي يقترب منه. "ربما يمكننا استخدام قوة الظلام نفسه ضدهم. ربما يمكننا استخدام الخوف الذي يشعرون به تجاهنا."
كانت تلك هي اللحظة. لم تعد هناك خيارات سهلة. كانت المعركة حاسمة، وكانت على وشك البدء.
====