الجن الطيب الجزء الثالث

صدى الإيمان في قلب الظلام

بقلم ظافر الغيب

تسمرت ليلى في مكانها، عيناها مثبتتان على الشيء المروع الذي كان يقترب بخطوات بطيئة من التمثال. كانت الرائحة الكريهة تزداد حدة، والهواء يرتجف من القوة الخفية المنبعثة منه. لم يكن هذا صراعاً عادياً، بل كان معركة بين النور والظلام، بين الإيمان والكفر.

"ماذا تعنين يا ليلى؟" سأل أبي، وهو يتكئ على جدار، وجهه يشوبه الألم. "كيف يمكننا استخدام خوفهم؟"

"لقد رأيت في عينيه," قالت ليلى، وهي تتذكر تلك اللمحة السريعة لتلك العينين الحمراوين. "لقد كان هناك خوف. خوف من الإيمان، خوف من الله. لقد حاولوا ترهيبنا، لكنهم هم أيضاً يخافون. إذا لم نستطع تدميرهم بقوة الإيمان، ربما يمكننا استخدام خوفهم هم لإضعافهم."

"لكن كيف نزرع الخوف في قلوبهم؟" تساءل أبو أحمد، وهو يراقب الشيء وهو يمد مخلبه نحو التمثال. "إنهم كائنات لا تعرف الرحمة."

"بالتأكيد يعرفون الرحمة," ردت ليلى بحزم. "إنهم يعرفون قوة الله، وهم خائفون منها. لقد رأينا كيف يرتعشون عند سماع القرآن. ربما يجب أن نغمر المكان بالقرآن، ليس فقط للتلاوة، بل كقوة فعالة. أن نجعل كل آية، كل حرف، يتردد في هذا المكان كصدى للإيمان."

"لكننا لا نملك العدد الكافي من القراء," قال خالي، وهو ينظر حوله. "ولن نستطيع أن نغطي كل زاوية."

"ربما لسنا بحاجة لتغطية كل زاوية," قالت رقية، شقيقتها، بخجل. "ربما يكفي أن نؤمن بقوة الكلمات التي نقولها. وأن نثق بأن الله سيستجيب."

اتفق الجميع على أنها الفكرة الوحيدة المتاحة. لم يكن أمامهم خيارات أخرى. كان عليهم أن يحاولوا، مهما بدت المحاولة يائسة.

"حسنًا," قال أبي. "سأبدأ بتلاوة آية الكرسي. كل واحد منكم، يكررها في قلبه، ويصور نوراً ساطعاً يخرج من فمه، ويتجه نحو ذلك الشيء. لنجعل قلوبنا قوية، وأصواتنا عالية."

بدأت التلاوة. "اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ..."

مع كل كلمة، كانت ليلى تشعر بأنها تشتعل من الداخل. تخيلت نوراً ذهبياً ساطعاً ينبعث من صدرها، ومن صدور الجميع، ويتجه نحو الظلام. كان الأمر صعباً. كانت تشعر بضغط هائل، وكأن الهواء يرفض أن يتحرك. كان الشيء المروع لا يزال يقترب من التمثال، وبدأ يمد مخلبه ليشتبك معه.

"اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ..." تكررت الآية، بصوت أعلى هذه المرة، وبإيمان أعمق.

فجأة، أصدر الشيء صراخاً، صوتاً حاداً، مؤلماً، وكأنه تعرض لضربة قوية. تراجع خطوة إلى الوراء. العينان الحمراوان توهجتا بشدة، وبدت وكأنها تبحث عن مصدر هذا الأذى.

"إنه يتأثر!" صاح خالي، وبدت النبرة في صوته مختلطة بالدهشة والخوف. "استمروا!"

"وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ۖ وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ..."

كان صوت أبي يرتفع، مليئاً بالقوة والخشوع. كانت ليلى ترى نوراً خافتاً يبدأ بالظهور في زوايا القاعة، نور يتسلل من الجدران، من السقف، كنور الشمس الذي يتسلل من بين الغيوم.

"وَلَا يَأْتُونَهُ بِمِثْلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنُ تَفْسِيرًا..."

كان الشيء يتحرك بعنف، وكأنه يحاول التخلص من شيء ما. كان يضرب الهواء بمخالبه، وكأنه يقاتل عدواً غير مرئي. وبدأ التمثال، الذي كان يضيء بوهج أحمر، يخفت نوره تدريجياً.

"اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ."

مع انتهاء الآية الأخيرة، انطلق الشيء في صراخ مدوٍ، صوت فيه ألم وهزيمة. بدأ يتلاشى، كالدخان الذي يتبدد في الهواء. لم يعد يشكل جسداً واضحاً، بل أصبح مجرد أشكال مظلمة تتراقص في زوايا القاعة.

"لقد ضعف!" صاح أبو أحمد. "استمروا! لنجعل الآيات تلاحقه!"

بدأت سورة يس. كان صوت الآذان يرتفع، وصوت التكبير يملأ القاعة. كانت ليلى تشعر بأنها تستنزف طاقتها، لكنها كانت تشعر أيضاً بقوة إلهية تسري فيها. كانت ترى عائلتها، جيرانها، يشاركونها الإيمان، يشاركونها القوة.

"يَا وَيْلَتَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ."

كانت تلك الآيات كالسياط، تلسع تلك الكيانات المظلمة. كان الظلام يتراجع، ويتكسر. كان التمثال في وسط الدائرة قد أصبح الآن مجرد قطعة خشبية بلا حياة. ودائرة الدم بدأت تجف، وتختفي.

"إِنَّهَا كَانَتْ إِحْدَى الْكُبَرِ."

مع كل آية، كان الظلام ينحسر أكثر. كانت ليلى تشعر بأن الهواء أصبح أخف، وأن رائحة الكبريت قد تلاشت. كان نور الإيمان يملأ المكان، يبدد كل أثر للشر.

"قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ."

وفي تلك اللحظة، مع آخر آية، انطلق صراخ أخير، قصير، مليء باليأس، ثم اختفى كل شيء. لم يبق أثر للشيء المرعب. لم يبق أثر للظلام. فقط الهدوء، والنور، والإيمان.

"لقد هربوا," قال أبي، وصوته مليء بالتعب، لكنه يعكس ارتياحاً عميقاً. "لقد هربوا، بفعل قوة الله، وفعل إيمانكم."

سقط الجميع على ركبهم، يلهثون. كانت ليلى تشعر بأن عظامها قد تحطمت، لكن روحها كانت مرتفعة، قوية. نظرت إلى عائلتها، ورأت على وجوههم نفس الشعور. لقد عبروا البوابة، واجتازوا المحنة.

"لقد فعلناها," همست ليلى، وهي تشعر بالدموع تترقرق في عينيها. "لقد فعلناها."

"لا يا ابنتي," قال أبو أحمد، وهو يضع يده على رأسها. "لم نفعله نحن. لقد فعلها الله بنا. نحن كنا مجرد أدوات في يده. الحمد لله."

"الحمد لله," تردد الجميع.

كانت تلك اللحظة، لحظة انتصار روحي، لحظة استعادة الأمل. لكن ليلى كانت تعرف، في أعماقها، أن هذه لم تكن نهاية القصة. لقد رأيت شيئاً في تلك الزاوية، رأيت تلك العينين الحمراوين. لقد هربوا، لكنهم لم يهلكوا.

"هل انتهى الأمر حقًا؟" تساءلت بصوت خافت.

"لقد انتهى هذا الفصل," أجاب أبي. "لكن الرحلة لم تنته بعد. علينا أن نكون مستعدين دائماً."

نظرت ليلى إلى بقايا التمثال، وإلى دائرة الدم التي اختفت. كان الأمر قد انتهى، لكن الذكرى ستبقى. لقد رأت الشر بعينه، ورأت كيف يمكن للإيمان أن يهزمه.

====

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%