الجن الطيب الجزء الثالث

الأشباح في المرآة

بقلم ظافر الغيب

كانت الأيام تمرّ ببطء شديد بالنسبة لعمر. لم يعد يستطيع التركيز في عمله، ولا في حياته اليومية. كان يشعر بأن شيئاً يراقبه باستمرار، شيئاً غير مرئي، لكنه كان حاضراً بقوة. كانت تلك الصور الغريبة، والهمسات المزعجة، تعود إليه في أوقات مختلفة، غالبًا في لحظات الهدوء أو الانعزال.

كان يرى أحيانًا في انعكاس المرآة، للحظات خاطفة، وجهاً آخر. لم يكن وجهه، بل كان وجهاً غريباً، باهتاً، وملامحه متغيرة، وكأنها منحوتة من الظلام. كانت عيناه في تلك الصور تبدو فارغة، ولكنها تحمل نظرة عميقة، نظرة تشي بالكثير من المعاناة. كان يتفادى النظر إلى المرايا، ويغطيها بقطع القماش، مفضلاً العيش في عالمٍ خالٍ من الانعكاسات.

في إحدى الليالي، بينما كان عمر يجلس وحيداً في غرفته، يتلو القرآن، شعر بشيء غريب. لم تكن الصور أو الهمسات، بل كان شعوراً بالبرد الشديد، رغم دفء الغرفة. ثم، بدأ يسمع صوتاً خافتاً، يأتي من داخل رأسه، وكأنه صوتٌ يتحدث إليه.

"من أنت؟" سأل عمر بصوتٍ مرتجف.

لم يأته ردٌ مباشر. لكنه شعر بأن هناك كياناً يتواصل معه، كياناً يعرفه، ولكنه لا يستطيع التعرف عليه. ثم، تداعت إليه صورٌ أخرى. رأى نفسه يقف أمام بابٍ ضخم، مصنوع من الحجر الأسود، مزين برموز غريبة. شعر برغبةٍ قوية في فتح الباب، وكأن شيئاً مهماً ينتظره خلفه.

"ماذا تريد مني؟" سأل عمر مرة أخرى، وقلبه ينبض بسرعة.

فجأة، سمع صوتاً واضحاً، تردد في أذنيه، ولكنه لم يكن صوتًا خارجيًا. كان صوتًا عميقًا، ينم عن حكمة وقدم. "أنا هو أنت، وأنت هو أنا. نحن واحد، منذ الأزل."

شعر عمر بالرعب يتصاعد. "هذا مستحيل! أنا إنسان، مؤمن، بالله الواحد الأحد."

"الإيمان لا يمنع وجود جوانب أخرى لك، يا عمر. جوانب قديمة، وجوانب مظلمة، وجوانب خفية. أنت تحمل في داخلك بذرة، بذرة قديمة، تنتظر أن تنمو."

كانت كلمات هذا الكيان تشعل في عمر مزيجاً من الغضب والخوف. "ابتعد عني! أنت لست أنا! أنت شيءٌ آخر، شيءٌ شرير!"

"الشر والخير، مفاهيم بشرية، يا عمر. أنا مجرد وجود. وجودٌ كان ضائعاً، وضاع معه الكثير. وأنت، بحكم طبيعتك، بحكم ما تحمله، قادرٌ على استعادته."

"ماذا استعيده؟" سأل عمر، بدأ يشعر بأن هذا الكيان يحاول التلاعب به.

"القوة. المعرفة. القدرة على فهم ما وراء الحجب. أنت تحمل في دمك، وفي روحك، شيئاً عظيماً. شيئاً نسيته البشرية."

بدأت الصور تتكثف في ذهنه. رأى نفسه يقف على قمة جبل، والرياح تلفّه، ويمسك بيده كرة من الضوء. ورأى نفسه يتحدث إلى مخلوقات غريبة، ويفهم لغاتهم. كان الأمر مغرياً، مبهراً، ولكنه في نفس الوقت، كان مخيفاً.

"ولكنني مسلم، أنا عبدٌ لله. لا أريد قوةً سوى قوته، ولا معرفةً سوى ما علّمني إياه." قال عمر، محاولاً التمسك بإيمانه.

"الإيمان لا يتنافى مع القدرات، يا عمر. بل إن الأنبياء، والصالحين، كانوا يمتلكون قدرات خارقة، أيدهم الله بها. لماذا لا تمتلك أنت؟"

كان هذا الكيان ذكياً، يعرف كيف يزرع بذور الشك والفتنة. بدأ عمر يشعر بأن حجته تضعف. هل كان لديه حقاً قدرات خفية؟ هل كان هذا الكيان يخبره بالحقيقة؟

"وكيف أعرف أن ما تقوله صحيح؟" سأل عمر، يشعر بأن صوته قد بدأ يضعف.

"جرّب. افتح الباب. اجعلني أخرج. سنكون معاً، وسنكتشف ما هو أنت حقاً."

في تلك اللحظة، سمع عمر صوتاً آخر، صوت والدته، يناديه من الخارج. "عمر! هل أنت نائم؟ ألا تسمع الأذان؟"

صوت والدته كان كبلسم، أعاد عمر إلى الواقع. "قادم يا أمي!" أجاب عمر، وهو يشعر بأن تلك القوة الغريبة بدأت تتراجع.

"ستعود، يا عمر. ولن تستطيع الهروب مني." همس الكيان في أذنيه، قبل أن يختفي تماماً.

نهض عمر، متسارعاً، وشعر بأن جسده قد اكتسى عرقاً بارداً. ذهب إلى دورة المياه، ونظر إلى انعكاسه في المرآة. كان وجهه شاحباً، وعيناه تحملان أثراً من الخوف. لكنه لم يرَ الوجهاً الآخر هذه المرة.

في ذلك اليوم، وبعد صلاة العشاء، ذهب عمر إلى منزل عمه الشيخ عبد الله. كان وجهه يبدو أكثر قلقاً من ذي قبل.

"لقد ازداد الأمر سوءاً يا عمي." قال عمر، وهو يسرد لعمه ما حدث في تلك الليلة.

كان الشيخ عبد الله يستمع بانتباه، وعيناه تزدادان قلقاً. "ما تصفه يا بني، هو محاولة للتلاعب بك. هذا الكيان، الذي يبدو أنه يسكن تلك المنطقة، يحاول استغلال ضعفٍ أو فضولٍ بداخلك. إنه يعدك بقوة، وهو في الحقيقة يريد أن يسيطر عليك."

"ولكنه قال إنه جزء مني، وأنه يريد استعادة شيء ما. وقال إن الأنبياء والصالحين كانوا يمتلكون قدرات."

"هذا تضليل يا بني، يا عمر. قدرات الأنبياء كانت بمعجزة من الله، وليست صدفة أو وراثة. وقدرات الأولياء كانت بكراماتٍ من الله، لا بتدخل من مخلوقاتٍ كالتي تصفها. هذا الكيان يحاول أن يلبس الحق بالباطل، ليقودك إلى الضلال."

"ماذا أفعل يا عمي؟ أشعر أنني أصبحت ضعيفاً أمامه."

"لا تقل ذلك يا بني. قوتك الحقيقية في إيمانك. اتمسك بالله، واقرأ القرآن، وأكثر من الدعاء. قل: 'أعوذ بالله من الشيطان الرجيم'. اجعل لسانك رطباً بذكر الله. هذا الكيان، وإن كان قوياً، فإنه لا يقوى على المؤمن الصادق."

"ولكن هل يعود؟ هل سأتمكن من التخلص منه؟"

"إن تابعت ما أمرك الله به، وهربت من مواطن الشر، فإن الله سينصرك. أماكن الشر، والكائنات التي تسكنها، لا تملك السلطة إلا على من يستجيب لها. أنت لست ضعيفاً يا عمر، بل إنك تحمل في داخلك نور الإيمان، وهذا النور كافٍ لدفع كل الظلمات."

شعر عمر بأن كلمات عمه أعادت له بعضاً من قوته. لكنه لم يكن متأكداً. كانت أصداء تلك الهمسات، وتلك الوعود، لا تزال تتردد في عقله. كان يشعر بأن معركة كبرى قد بدأت، معركة ليست بالسيوف والرماح، بل بالقلوب والعقول. معركة بين الإيمان والشك، بين النور والظلام. وكان يخشى أن يكون هو الساحة التي ستدور عليها هذه المعركة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%