الجن الطيب الجزء الثالث

ظلال الماضي في مدينة الضباب

بقلم ظافر الغيب

تغيرت حياة عمر جذرياً بعد تلك الليلة. لم تعد رؤية الانعكاسات المزعجة في المرايا هي المشكلة الوحيدة. بدأ يلاحظ أشياء غريبة في محيطه. كأن الأشياء تتحرك وحدها حين لا ينتبه لها، أو كأن الأصوات التي يسمعها ليست طبيعية. أصبح كل شيء يبدو وكأنه يحمل طبقة خفية، طبقة من الغموض والخطر.

كانت قريش في ذلك الوقت تشهد ازدهاراً تجارياً، خاصة مع رحلتي الشتاء والصيف. قرر عمر، بتشجيع من والدته وعمه، أن يسافر إلى بعض المدن التجارية البعيدة، لعلّ السفر وغيّر الأجواء يخفف عنه وطأة ما يشعر به. كان يعتقد أن الابتعاد عن مكة، وعن تلك المنطقة الملعونة في الوادي، سيحرره من تلك الظلال.

اختارت وجهته مدينة يثرب (المدينة المنورة) آنذاك. كانت مدينة تشهد نشاطاً تجارياً ودينياً متزايداً، وكان عمر قد سمع عن علمائها الأفاضل، وعن أجوائها التي يغلب عليها الهدوء. كان يأمل أن يجد فيها فسحة من الراحة.

عند وصوله إلى يثرب، شعر عمر بفرقٍ كبير. كانت المدينة أكثر هدوءاً من مكة، وكانت طبيعتها خلابة، مليئة بالنخيل والأشجار. لكنه ما إن استقر في فندقه، حتى شعر بأن تلك الظلال لم تتركه.

في إحدى الأمسيات، بينما كان يتمشى في سوق المدينة، سمع همساً خافتاً، يشبه ذلك الذي سمعه في مكة. لكن هذه المرة، كان الهمس أكثر وضوحاً، وكأنه يناديه باسمه. توقف عمر، وأرهف سمعه.

"عمر... تعال... نحن هنا..."

التفت حوله، لكن لم يرَ أحداً. كان السوق مزدحماً بالناس، لكن لا أحد بدا وكأنه يتحدث إليه. شعر بقشعريرة تسري في جسده. هل كان يتوهم؟ أم أن هذا الكيان قد تبعه؟

"لا أستطيع أن آتي. أنا لست لك." تمتم عمر، وهو يحاول أن يبدو صلباً.

فجأة، بدأت الأضواء في السوق تخفت، وكأن هناك قوة غريبة تستهلك نورها. بدأ الناس يضطربون، ويبدون قلقين. وفي وسط الساحة، رأى عمر شيئاً يتحرك. كان شيئاً أشبه بسحابة سوداء، تتشكل وتتلوى، وتمتد منها أذرع شفافة، وكأنها تلمس الناس.

شعر عمر بالذعر. هذا لم يكن خيالاً. كان حقيقياً، وكان يؤثر على الناس. بدأ الناس يتدافعون، يصرخون، ويسقطون أرضاً.

"ما هذا؟" صرخ عمر، متفاجئاً.

ثم، سمع صوتاً عميقاً، يتردد في ذهنه، ولكن هذه المرة، كان أكثر قوة وحدة. "هذه هي الحقيقة، يا عمر. هذه هي القوة التي تخافها. قوة الظلال. والقوة التي تحملها، هي المفتاح لكل هذا."

"لا! أنت تكذب!" صرخ عمر، وهو يشعر بأن كل ما حوله ينهار.

"هل أنت متأكد؟ ألم تشعر بشيء يوقظ بداخلك؟ ألم ترى الأشباح في المرآة؟ ألم تسمع الهمسات؟ كل هذا دليل، يا عمر. دليل على أنك تحمل فيك جزءاً مني."

شعر عمر بأن هناك قوة غريبة تدفعه نحو تلك السحابة السوداء. قوة لا يستطيع مقاومتها. بدأ يقترب منها، متجاهلاً صرخات الناس المذعورة.

"ماذا تفعل؟" صاح أحد التجار، الذي كان يقف بالقرب منه.

لم يستطع عمر أن يجيب. كان غارقاً في ذلك الصراع الداخلي. عندما أصبح على وشك السحابة، شعر بأن هناك شيئاً يسحبه إلى داخلها. حاول أن يقاوم، لكن قوته كانت تخذله.

وفجأة، رأى صوراً. رأى امرأة جميلة، ذات شعر طويل أسود، ترتدي ثياباً عربية قديمة. كانت تحمل طفلاً صغيراً، وتنظر إليه بعينين حزينتين. ثم رأى رجلاً ضخماً، يرتدي درعاً، يحمل سيفاً، ويبدو وكأنه يحميها. ثم رأى دماراً، حريقاً، صراخاً.

"هذه قصة قديمة، يا عمر." قال الصوت العميق في ذهنه. "قصة عن الحب، والخيانة، والضياع. قصة عن كيانٍ قديم، تم نفيه، وتم طمسه. وهذه المرأة، وهذا الطفل، هم جزء من تلك القصة."

"ما علاقتي بهذا؟" سأل عمر، والدماء تجري في عروقه.

"أنت الحفيد، يا عمر. أنت من يحمل الدم، وتحمل الروح. أنت الذي سيعيد ما ضاع."

شعر عمر بأن قلبه يتجمد. هل هذا ما كان يسعى إليه ذلك الكيان؟ هل كان يريد أن يعيد هذا الكيان القديم إلى الحياة؟

"لا... لن أفعل." قال عمر، وهو يشعر بنبضة من الشجاعة تغمر قلبه. "أنا مسلم، وأنا عبدٌ لله. لن أكون أداة للشر."

"ولكنك تشعر بالقوة، أليس كذلك؟ تشعر بأن هناك شيئاً عظيماً بداخلك؟"

"إن كانت قوة الله، فهي عظيمة. وإن كانت قوة أخرى، فهي ظلام."

وبينما كان عمر يصارع، رأى شيئاً غريباً. كانت هناك يد تمتد إليه من بين حشد الناس. يدٌ قوية، دافئة، ترتدي خاتماً من فضة. رأى وجه فتاة، جميلة، وجهاً لم يره من قبل، ولكن فيه نورٌ غريب.

"تمسك بي، يا عمر!" سمع صوتاً واضحاً، صوتاً أنثوياً، رقيقاً، ولكنه مليء بالإصرار.

شعر عمر بأن يده تتحرك، وكأنها تستجيب لنداء غريب. مدّ يده، والتقطت يد الفتاة يده. في تلك اللحظة، شعر بتيار من الطاقة، ولكنها لم تكن طاقة مخيفة. كانت طاقة تبعث على الدفء، على الأمل.

السحابة السوداء بدأت تتراجع، والناس بدأوا يستيقظون من ذعرهم. عادت الأضواء إلى السوق، وكأن شيئاً لم يكن. لكن عمر كان يعلم أن شيئاً قد حدث.

نظر إلى الفتاة التي أنقذته. كانت ترتدي ثياباً بسيطة، ولكنها كانت جميلة، وعيناها تحملان نوراً لا يُوصف. "من أنتِ؟" سأل عمر، بامتنان.

ابتسمت الفتاة ابتسامة خجولة. "اسمى ليلى. كنت أشعر بأنك في خطر."

كانت ليلى من قبيلة الأنصار، وكانت تسكن قريباً من السوق. كانت تتمتع بحدس قوي، وقدرة على الشعور بالمعاناة.

"شكراً لكِ، ليلى. لقد أنقذتِ حياتي." قال عمر، وهو يشعر بأن قلبه يخفق بشكل مختلف.

"الحمد لله أن الله وضع في قلبي حب مساعدتك." قالت ليلى، بخجل.

في تلك اللحظة، شعر عمر بأن خيوط القدر بدأت تتشابك بشكل جديد. خيوطٌ تربطه بليلى، خيوطٌ تربطه بالماضي، وخيوطٌ تربطه بالمستقبل. لكنه كان لا يزال يخشى تلك الظلال، ويخشى أن تكون قد خلفت فيه شيئاً لا يمكنه التخلص منه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%