الجن الطيب الجزء الثالث

شرود الروح وظلال الماضي

بقلم ظافر الغيب

كانت الأيام والليالي تتوالى على "عمار" كوابيس متصلة، يصحو منها فزعًا، ثم يعود لينام في جوف ظلام لم يبارحه. لم يعد البريق الذي كان يميز عينيه حاضرًا، بل استبدل بغشاوة دائمة، وخطوط داكنة حفرتها الساعات الطوال التي قضاها مستسلمًا لفراغ روحه. الغرفة التي كانت يومًا ملاذًا له، أصبحت سجنه، جدرانها تشهد على صراعاته الداخلية، وعلى تلك الهمسات الخبيثة التي استحوذت على فكره.

"ليلى" كانت تراه في كل لمحة، ولكنها لم تعد ترى فيه ذلك الشاب الذي خطف قلبها، بل شيئًا هشًا، يتفتت بين يديه. كانت تحاول جاهدة انتشاله من هذا المستنقع، بكلماتها الرقيقة، وبنظراتها الحانية، لكن كل جهودها كانت ترتد خائبة. كان "عمار" كمن يسير في حلم مرعب، لا يدرك من حوله، ولا يستجيب لنبض الحياة النابض في بيتهم.

في إحدى الليالي، استيقظ "عمار" على صوت صرير الباب. مد بصره نحو مصدر الصوت، فرأى شبحًا يتسلل من خلف الظلام، يحمل في يده ما يشبه كيسًا أسود. لم يستطع عقله أن يفسر ما يرى، هل هو حلم آخر؟ أم أن الجن قد تسلل فعلاً إلى مسكنهم؟ تجمد في مكانه، وقلبه يدق بعنف كطبول الحرب.

"من أنت؟" همس بصوت مختنق، بالكاد خرج من حلقه.

توقف الشبح، ثم استدار ببطء. لم يكن وجهًا بشريًا، بل كان عبارة عن ضباب أسود متماوج، تتخلله عينان تشتعلان بنار باردة. ضحك الشبح ضحكة خبيثة، صدحت في أرجاء الغرفة، كأنها سحق لروح إنسان.

"أنا من كنت تخشاه يا "عمار"، أنا ظلك الذي هربت منه، أنا ضعفك الذي سمحت له بالنمو."

ارتعش جسد "عمار" بالكامل. أدرك حينها أن هذا ليس من نسج الخيال، بل هو تجسيد لشيء أعمق، لشيء كان ينكره.

"ماذا تريد مني؟" سأل وهو يحاول استجماع شتات نفسه.

"أريد منك ما تعطيه لي طواعية، أريد أن أستملك روحك، أريد أن أجعلك عبدًا لي."

رفع الشبح الكيس الأسود، وأفرغ محتوياته على الأرض. لم يكن الكيس يحوي أشياء مادية، بل كان يحوي ذكريات، ذكريات مؤلمة، ذكريات فشل، ذكريات خيبات الأمل. بدأت الذكريات تتشكل أمام "عمار" كصور ثلاثية الأبعاد، تعرض عليه لحظات ضعفه، لحظات انكساره. رأى نفسه وهو يفشل في دراسته، ورأى نفسه وهو يخسر مال أبيه، ورأى نفسه وهو يخذل من وثقوا به.

"هذه هي قوتي يا "عمار"، هذه هي الأغلال التي تربطك بي. كلما تذكرتها، كلما زادت قوتي، وكلما زاد ضعفك."

شعر "عمار" بأن روحه تُنتزع منه. كانت الذكريات تنهشه، تجعله يشعر بالخجل، بالندم، باليأس. حاول أن يصدها، أن يقاومها، لكنها كانت أقوى منه. كانت تتغذى على الخوف الذي استقر في قلبه.

في هذه الأثناء، استيقظت "ليلى" على صوت الضحكة الخبيثة. تسللت من غرفتها، وقلبها ينقبض خوفًا. رأت "عمار" في حالة ذهول، وعيناه مثبتتان على شيء لا تراه.

"عمار! ما الذي يحدث؟" نادت بصوت مرتجف.

لم يستجب لها "عمار". كان يصارع شبحًا لا تراه هي.

"لا تستمع إليها يا "عمار"! إنها مجرد وهم، مجرد صدى لصوت عاجز مثلك." قال الشبح بصوت يشبه الهسهسة.

"عمار، من تتحدث إليه؟" سألت "ليلى" وهي تقترب منه بحذر.

"هذا... هذا ليس بشرًا يا "ليلى". هذا شيء... شيء لا أستطيع وصفه." تمتم "عمار" وهو يتراجع للخلف.

"لا تخف يا "عمار"! أنا معك. أقسم بالله أنني معك." قالت "ليلى" وهي تمد يدها نحوه.

لكن الشبح ضحك مجددًا. "الحب؟ الوفاء؟ هذه مجرد كلمات فارغة لا قيمة لها أمام قوة اليأس."

نظر "عمار" إلى "ليلى"، ثم إلى الشبح. رأى في عيني "ليلى" حبًا صادقًا، ورأى في عيني الشبح شرًا محضًا. لأول مرة منذ فترة طويلة، شعر ببصيص من الأمل، ببصيص من القوة.

"لن أسمح لك بتدميري!" صرخ "عمار" بصوت عالٍ، رغم أن صوته كان ضعيفًا.

"أوه، هل ستواجهني؟ هذا مثير للاهتمام." قال الشبح وهو يقترب منه.

شعر "عمار" بأن طاقة غريبة تسري في عروقه. لم تكن قوة جسدية، بل كانت قوة روحية، قوة مستمدة من إيمانه، ومن حبه لـ "ليلى"، ومن رغبته في استعادة حياته.

"هذه ليست قوتي وحدي، هذه قوة الحق، وقوة الإيمان." قال "عمار" وهو يرفع رأسه.

"لا تتحداني يا "عمار"، فأنت تعرف مدى عمق ضعفك."

"ضعفي هو ما كنت أحاربه، ولكني الآن سأجعله جسرًا نحو القوة."

مع كل كلمة نطق بها "عمار"، كانت الذكريات المؤلمة تتلاشى، وتتحول إلى غبار. كان الشبح يصرخ من الألم، كأنما كلمات "عمار" تلسعه.

"هذا لن يدوم!" هدد الشبح وهو يتراجع ببطء نحو الظلام.

"لن يدوم؟ بل سأجعله يزول إلى الأبد!" قال "عمار" وهو ينظر إليه بثبات.

اختفى الشبح في الظلام، تاركًا وراءه فراغًا باردًا. سقط "عمار" على ركبتيه، منهكًا، لكن عينيه كانتا تلمعان بنور جديد.

"عمار! هل أنت بخير؟" ركضت "ليلى" إليه واحتضنته.

"الحمد لله يا "ليلى". لقد... لقد رأيت شيئًا لم أكن أتمنى أن أراه."

"لقد واجهته، لقد انتصرت عليه. أنت قوي يا "عمار"." قالت "ليلى" وهي تشد على حضنها.

تنهد "عمار" بعمق. كان يعلم أن هذه مجرد بداية، وأن المعركة لم تنته بعد. لكن هذه المواجهة، هذه اللحظة من الصمود، أعطته الأمل. أمل في أن يتمكن من التغلب على ضعفه، واستعادة حياته، وحماية من يحب. نظر إلى "ليلى"، إلى وجهها الذي يحمل كل الحب والصدق، وشعر بأن هناك شيئًا أغلى من روحه يستحق القتال من أجله.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%