الجن المسلم
همسات في ليل الواحة
بقلم سامر الخفي
انسابت نسمة ليلٍ باردة، تداعب وجنتيّ "عمران"، تحمل معها عبق الرمال الساخنة التي استيقظت لتوه من سباتها النهاري، ورائحة الياسمين العتيقة التي تفوح من بستان جدته في أطراف الواحة. كان يقف على تلةٍ صخريةٍ مطلةٍ على قرية "الفيحاء" الهادئة، حيث تتلألأ الأنوار الخافتة من نوافذ البيوت كنجومٍ متناثرةٍ على سجادةٍ سوداء. السكون يخيم على المكان، سكونٌ لا يكسره سوى صوت حفيف الأشجار البعيدة، وأزيز بعض الحشرات الليلية. رفع عمران يديه إلى شفتيه، يستنشق هواء الليل العليل، محاولاً استجماع قواه قبل الخطوة الكبيرة التي تنتظره.
لم يكن عمران كباقي شباب الفيحاء. بينما كانوا يغطون في سباتٍ عميق، مستسلمين لدفء أغطيتهم، كان هو يصارع النوم، يحمل على كتفيه عبء قصةٍ قديمةٍ، وحادثةٍ غامضةٍ فتكت بعائلته قبل سنوات، وحادثةٌ كانت بداية خيوطٍ متشابكةٍ بدأت تتكشف أمامه الآن، مثل أفاعٍ تتلوى في عتمةٍ دامسة. قبل أيامٍ قليلة، كانت جدته، الحاجة "فاطمة"، التي طالما كانت ملاذه ومرشده، قد تركت له وصيةً غريبةً، مختومةً بخاتمٍ قديمٍ لم يره من قبل. فتحها بقلبٍ خافق، ليجد بداخلها كلماتٍ مرسومةً بحبرٍ أسود باهت، تحمل في طياتها نبوءةً مخيفةً، وإشارةً إلى "الجن المسلم"، وكائنٍ قديمٍ يتربص بالواحة.
"الجن المسلم".. كلماتٌ بدت كأنها خرجت من دهاليز التاريخ المنسي. لم يسمع بها من قبل إلا في حكايات جداته اللواتي كن يروينها حول مواقد النار في ليالي الشتاء الطويلة، حكاياتٌ كان يعتبرها أطفال الواحة محض خرافاتٍ للاعتبار. لكن كلمات جدته، برصانتها وصدقها المعهود، لم تترك له مجالاً للشك. كانت الرسالة تقول: "يا بني عمران، إن الشر القديم قد بدأ يستيقظ. الجن المسلم، الذي طالما كان حارساً لهذه الأرض، قد غادر موقعه، والظلام قد بدأ يتمدد. ابحث عن الأثر، واتبع النور الخافت، فإن فيه خلاص الواحة. ابحث عن "سراج" ولن تضل الطريق".
"سراج".. اسمٌ بدا مألوفاً، ولكنه لم يستطع أن يحدد مصدر هذه الألفة. هل هو اسم شخصٍ قديمٍ سمع عنه؟ أم رمزٌ لشيءٍ أعمق؟ كان قلبه يدق بعنفٍ في صدره. لم يكن عمران مجرد شابٍ عادي. ورث عن جده، رحمه الله، شجاعةً نادرةً، وعنصاً من البصيرة لم يكن يفهم كنهه. كان دائماً يشعر بانجذابٍ غريبٍ للأماكن المهجورة، وللقصص التي تحمل في طياتها أسراراً.
نظر إلى الأسفل، إلى القرية. بيوتٌ من الطين، متلاصقةً كعائلةٍ واحدة. في أزقتها الضيقة، نمت ذكريات طفولته. هنا تعلم ركوب الخيل، وهنا لعب كرة القدم مع رفاقه. هنا أيضاً، رأى والده آخر نورٍ في عينيه، قبل أن يختفي في غياهب تلك الرحلة التي لم يعد منها. كانت تلك الحادثة، قبل خمس سنوات، هي الجرح الذي لم يندمل في قلب عمران. اختفاء والده المفاجئ، دون أثرٍ، في إحدى رحلاته الاستكشافية خارج الواحة، ظلت لغزاً يحير أهالي الفيحاء. لكن جدته، في تلك الليلة، ألمحت له بأن اختفاء والده لم يكن صدفةً، بل كان مرتبطاً بشيءٍ مما كان يبحث عنه.
"لا بد أن أجد الإجابة"، تمتم عمران لنفسه، وعينيه تلمعان بالإصرار. "لا بد أن أعرف ما حدث لوالدي، وما هو هذا الشر الذي تتحدث عنه جدتي".
بدأ نزوله من التلة، متجنباً الصخور المتناثرة. كل خطوةٍ كان يخطوها كانت أثقل من سابقتها، ليست ثقلاً مادياً، بل ثقلاً معنوياً. حملته خطواته نحو قلب القرية، حيث يتواجد بيت جدته المهجور منذ رحيلها قبل يومين إلى بيت أخته في المدينة. بيتٌ يظل مغلقاً، يعج بذكرياتٍ جميلةٍ ومؤلمةٍ في آنٍ واحد. وصل إلى عتبة الباب الخشبي المتآكل، الذي لطالما شهد ابتسامات جدته وحكمتها. أخرج المفتاح القديم من جيبه، أدخله في القفل الصدئ، وأدار. صوت صرير الباب كان أشبه بصرخةٍ مكتومةٍ في هدوء الليل.
تسلل عمران إلى الداخل. غبارٌ خفيفٌ يكسو الأثاث، ورائحة بخورٍ قديمٍ ما زالت عالقةً في الهواء. كانت الغرفة كأنها مجمدةٌ في الزمن، تنتظر عودة صاحبتها. توجه مباشرةً إلى المكتبة الصغيرة التي كانت تعج بالكتب القديمة، أغلبها في الفقه والتاريخ والأدب العربي الأصيل. كان يعلم أن جدته لم تترك شيئاً بلا معنى. فتحت أصابعه بحذرٍ الأدراج، يتفحص محتوياتها. رفوفٌ خشبيةٌ، مزينةٌ بنقوشٍ عربيةٍ قديمةٍ، تحمل بين ثناياها حكمة الأجداد.
بين الأوراق المتناثرة، لاحظ مجلداً جلدياً سميكاً، بدا أقدم من بقية الكتب. غلافه باللون الأخضر الداكن، مزينٌ بدائرةٍ ذهبيةٍ باهتةٍ. لم يره من قبل. سحبه بحذر، وشعر برعشةٍ تسري في جسده. فتحه. صفحاتٌ صفراء، مكتوبةٌ بخطٍ غريبٍ، لم يستطع تمييزه. كان هناك رسوماتٌ غريبةٌ، رموزٌ هندسيةٌ، وأشكالٌ حيوانيةٌ متداخلة. وسط كل هذا، وجد ورقةً أخرى، مطويةً بعناية، ومختومةً بنفس الختم الذي رآه على وصية جدته.
فتح الورقة. كانت عبارة عن خريطةٍ قديمةٍ، رسمها أحدهم ببراعةٍ. أظهرت الخريطة معالم الواحة، ولكن بشكلٍ مختلفٍ عن ما يعرفه. كانت هناك رموزٌ غريبةٌ تشير إلى أماكن محددة، وخطوطٌ متعرجةٌ تتداخل مع بعضها. وفي منتصف الخريطة، كان هناك رمزٌ كبيرٌ، دائرةٌ داخلها نجمةٌ ذات ثماني زوايا. وتحت هذا الرمز، كُتبت كلمةٌ واحدةٌ بحبرٍ أبيضٍ لامعٍ، يتوهج قليلاً في عتمة الغرفة: "سراج".
"سراج"، همس عمران. "إذن، "سراج" ليس اسماً لشخصٍ، بل هو مكانٌ. مكانٌ مخفيٌ، له أهميةٌ كبيرةٌ."
شعر بأن خيوط اللغز بدأت تتجمع. جدته، وصيتها، الجن المسلم، اختفاء والده، وهذه الخريطة. كل هذه القطع بدأت تتلاءم لتشكل صورةً معقدةً، ولكنه كان يشعر بأنها تقوده إلى مسارٍ واحدٍ.
فجأة، سمع صوتاً. صوتٌ غريبٌ، خافتٌ، قادمٌ من خارج المنزل. صوتٌ لم يكن صوت رياحٍ، ولا صوت حيوان. كان أشبه بهمسٍ متقطعٍ، يأتي من اتجاه البئر القديمة، التي يقع بالقرب من منزل جدته. صوتٌ كان فيه نبرةٌ غريبةٌ، تحمل مزيجاً من الحزن والقوة، وكأنه يأتي من عالمٍ آخر.
وقف عمران متجمداً في مكانه، وقلبه يخفق بشدة. تذكر تحذير جدته في الوصية: "احذر من الأصوات التي تغريك، ومن الوعود التي تسرق روحك". هل كان هذا الصوت هو أول اختبارٍ؟
ببطءٍ، أمسك بمصباحٍ زيتٍ قديمٍ كان معلقاً على الحائط، وأشعله. دفعةٌ من اللهب الخافت انبعثت، ألقت بظلالٍ متحركةٍ على جدران الغرفة. أمسك بالخريطة، ووضعها في جيبه الداخلي. نظر إلى الباب، ثم إلى النافذة. كانت عيناه تلمعان بعزمٍ لا يلين.
"مهما كان هذا الصوت، ومن أين يأتي، لا بد أن أستكشفه"، قال لنفسه، بصوتٍ يحمل صدىً من شجاعة الأجداد. "لا بد أن أبحث عن "سراج"، وعن الحقيقة. ولو كان الثمن غالياً".
توجه نحو الباب، مفتوحاً على مصراعيه، ليواجه الليل، وما يحمله من أسرارٍ وهمساتٍ، متجهاً بخطواتٍ ثابتةٍ نحو مصدر الصوت الغامض، نحو البئر القديمة، حيث بدأ كل شيء.