الجن المسلم
همسات في أذن الليل
بقلم سامر الخفي
كانت ليلةً أخرى تعمُّ فيها سكونُ القرية، لا يكسرُ صمتَها إلا حفيفُ الأشجارِ ووشوشةُ الريحِ بينَ السعف. في بيتِ الشيخِ يوسف، كانت الأنوارُ قد خفتتْ، إلا من ضوءٍ خافتٍ يتسللُ من غرفةِ فاطمة، ابنةِ الشيخِ، حيثُ كانتْ تجلسُ وحدها، تتأملُ النجومَ المتلألئةَ في سماءٍ سوداءَ كالحبر. لم يكنْ قلبُها هادئاً كسكونِ الليلِ من حولها، بل كانَ مضطرباً كأمواجِ بحرٍ عاصف.
منذُ حادثةِ اختفاءِ جدتها، السيدةَ عائشة، قبلَ أشهرٍ، وروحُ فاطمةَ تعيشُ في صراعٍ لا ينتهي. الأملُ في عودتها لا يزالُ ينبضُ في صدرها، ولكنهُ يتآكلُ معَ كلِ يومٍ يمرُّ دونَ خبر. لم تكنْ تتوقفُ عن البحثِ، ولا عن السؤالِ، ولكنْ كلُّ الطرقِ كانتْ تؤدي إلى طريقٍ مسدود. كانتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ شيئاً مفقوداً، سراً دفيناً لا يعرفُه إلا قلةٌ قليلةٌ من أهلِ القرية.
في الأسبوعِ الماضي، وعندما كانتْ تبحثُ بينَ مقتنياتِ جدتها القديمةِ في العليةِ المهجورة، عثرتْ على دفترٍ جلديٍّ عتيق، صفحاتُهُ صفراءُ من الزمن. كانَ الدفترُ مليئاً بخطِ يدِ جدتها، ولكنْ لم يكنْ مكتوباً فيهِ سوى رموزٍ غريبةٍ وأحرفٍ غيرِ مفهومة، وبعضُ الرسوماتِ التي بدتْ وكأنها خريطةٌ لمكانٍ ما. لم تستطعْ فهمَ شيءٍ منهُ، لكنها شعرتْ بأنَّ هذا الدفترَ قد يحملُ مفتاحَ اللغز.
نهضتْ فاطمةُ من جلستها، وتوجهتْ نحو طاولةٍ صغيرةٍ في الغرفة. فتحتْ الدفترَ مجدداً، وبدأتْ تتفحصُ الرموزَ والرسوماتِ بدقةٍ متناهية. كانتْ تتذكرُ جدتها، امرأةً قويةً، حكيمةً، تعرفُ أسرارَ الطبيعةِ والأعشابِ. كانتْ تخشى دائماً من وجودِ "الجن المسلم"، كما كانتْ تسميهم جدتها، مخلوقاتٌ خفيةٌ تعيشُ بينَ البشر، بعضُها صالحٌ وبعضُها شرير. هل كانتْ جدتها على علمٍ بأنها ستختفي؟ هل كانَ هذا الدفترُ رسالةً لها؟
فجأةً، سمعتْ صوتاً خفيفاً يأتي من خارجِ الغرفة. صوتُ خطواتٍ تقتربُ ببطء. توقفتْ فاطمةُ عن التنفس، ورفعتْ رأسها. هل كانَ ذلكَ والدها؟ أمْ شخصٌ آخر؟ الخوفُ تسللَ إلى قلبها، ذلكَ الشعورُ المألوفُ الذي رافقها منذُ اختفاءِ جدتها.
"منْ هناك؟" همستْ بصوتٍ مرتجف.
لم يأتِ رد. ازدادَ صوتُ الخطواتِ قرباً، ثمَّ توقفَ أمامَ بابِ غرفتها. شعرتْ فاطمةُ ببرودةٍ شديدةٍ تسري في عروقها. أمسكتْ بالدفترِ بقوة، وكأنها تحتمي به.
"هلْ أنتِ بخيرٍ يا فاطمة؟"
جاءَ الصوتُ هادئاً، مألوفاً. لقد كانَ صوتَ أحمد، جارهم وابنِ خالها. ابتسمتْ فاطمةُ براحةٍ، وتنهدتْ.
"أحمد! نعم، بخير. تفضلْ بالدخول."
دخلَ أحمدُ الغرفةَ، وكانَ وجههُ يحملُ قلقاً خفيفاً. كانَ أحمدُ شاباً طيبَ القلبِ، قويَّ البنيةِ، بعينينِ واسعتينِ تحملانِ بريقَ الصدق. كانَ منذُ بدايةِ الأمرِ منْ أشدِ الداعمينَ لفاطمةَ في بحثها عنْ جدتها، وكانَ دائماً يقدمُ لها العون.
"لمْ أركِ في الفناءِ، وسمعتُ بعضَ الحركةِ في غرفتكِ، فقلقْتُ." قالَ أحمدُ وهوَ ينظرُ حوله. "ماذا تفعلينَ في هذا الوقتِ المتأخرِ منْ الليل؟"
"كنتُ أتصفحُ بعضَ أوراقِ جدتي." أجابتْ فاطمةُ وهيَ تغلقُ الدفترَ بسرعة، وهيَ تشعرُ بأنها ليستْ مستعدةً لمشاركةِ اكتشافها معه الآن.
"هلْ وجدتِ شيئاً جديداً؟" سألَ أحمدُ بفضول، وألقى نظرةً على الدفترِ الذي احتفظتْ به فاطمةُ.
ترددتْ فاطمةُ للحظة. "لا شيءٌ مهم. مجردُ أشياءٌ قديمة."
شعرَ أحمدُ بأنَّ هناكَ شيئاً تخفيهُ فاطمة. كانَ يعرفُها جيداً، ويعرفُ متى تكونُ صريحةً ومتى تحتفظُ بشيءٍ لنفسها. لكنه لم يضغطْ عليها.
"حسناً. فقطْ أردتُ أنْ أتأكدَ أنكِ بأمان. جدتكِ السيدةَ عائشة، كانتْ دائماً تخبرني عنْ قصصِ الجنِ المسلم. كانتْ تقولُ إنهمْ موجودون، وأنهمْ يتدخلون في حياةِ البشرِ أحياناً."
ابْتسمتْ فاطمةُ ابتسامةً باهتة. "نعم، كانتْ تقولُ ذلكَ دائماً."
"هلْ تؤمنينَ بذلكِ يا فاطمة؟" سألَ أحمدُ بهدوء، وجلسَ على حافةِ سريرها.
"لا أعرفُ يا أحمد. كلُّ ما أعرفه هوَ أنَّ جدتي اختفتْ، وأنَّ هناكَ الكثيرَ منَ الألغازِ التي لمْ تُحل. هذا الدفترُ… بداخلي شعورٌ بأنهُ مفتاحٌ لشيءٍ كبير."
ترددتْ فاطمةُ مرةً أخرى، ثمَّ قررتْ أنْ تشاركَ أحمدَ جزءاً منْ اكتشافها. "وجدتُ هذا الدفترَ اليوم. إنهُ مليءٌ برموزٍ غريبة. لا أعرفُ ما تعنيهِ، ولكنْ… ربما تكونُ لغةً قديمةً، أوْ مفاتيحَ لمكانٍ ما."
نظرَ أحمدُ إلى الدفترِ باهتمام. "هلْ يمكنني رؤيتُه؟"
أعطتْهُ فاطمةُ الدفترَ. فتحهُ أحمدُ بحذر، وتفحصَ الصفحاتِ بعينيهِ الفاحصتين. كانتْ الرموزُ حقاً غريبة، لكن بعضَ الرسوماتِ بدتْ مألوفة.
"هذهِ… هذهِ تشبهُ الخريطةَ التي رسمها الحاجُ محمودٌ قبلَ وفاتهِ. خريطةُ وادي الغيلِ المهجور." قالَ أحمدُ بانفعال.
اتسعتْ عينا فاطمة. "وادي الغيل؟ ولكنْ… لماذا قدْ تكونُ جدتي ترسمُ خريطةً لهذا المكان؟ إنهُ مكانٌ مهجورٌ ومليءٌ بالأساطير."
"نعم، ولكنْ… الحاجُ محمودٌ كانَ يقولُ إنَّ في قلبِ الوادي شيئاً قديماً جداً. شيئاً يخافه الجميع."
بدأتْ خيوطُ اللغزِ تتشابكُ في ذهنِ فاطمة. جدتها، الدفتر، وادي الغيل. هلْ كانتْ جدتها تبحثُ عنْ هذا الشيءِ القديم؟ هلْ اختفتْ بسببِ ذلك؟
"أحمد، أعتقدُ أنَّ علينا أنْ نذهبَ إلى وادي الغيل." قالتْ فاطمةُ بحزم، وعيناها تلمعانِ بالإصرار.
نظرَ إليها أحمدُ بتردد. "لكنْ فاطمة، الوادي خطيرٌ جداً. ويقالُ إنَّ الجنَ المسلمَ يسكنُ هناكَ بكثرة. وحتى لوْ كانَ بعضُهمْ صالحاً، فالبعضُ الآخرُ قدْ يكونُ أشدَّ شراً منْ أيِّ شيطان."
"وأنا أخشى ذلكَ أيضاً. ولكنْ، إذا كانَ هذا الدفترُ يحملُ مفتاحَ اختفاءِ جدتي، فلا يمكنني أنْ أتردد. نحنُ لنْ نذهبَ وحدنا، وسنكونُ مستعدينَ جيداً. ولنْ نذهبَ إلا إذا كانَ الأمرُ ضرورياً جداً."
تنهدَ أحمدُ، ثمَّ هزَّ رأسهُ موافقاً. "حسناً يا فاطمة. سأكونُ معكِ. مهما كانَ الثمن."
شعرَتْ فاطمةُ ببعضِ الطمأنينةِ لوجودِ أحمدَ بجانبها. كانتْ تعلمُ أنَّ المخاطرَ عظيمة، ولكنْ شغفَها بمعرفةِ الحقيقةِ كانَ أكبر.
"علينا أنْ نستعدَّ جيداً. وأنْ نفكرَ في كلِ الاحتمالات." قالتْ فاطمةُ. "هلْ تتذكرُ شيئاً مما قالهُ الحاجُ محمودٌ عنْ وادي الغيل؟ أيِّ تفاصيلَ صغيرة؟"
"كانَ يتحدثُ عنْ حجارةٍ قديمةٍ محاطةٍ بالنقوشِ الغريبة، وعنْ نبعٍ لا يجفُّ ماؤهُ أبداً، وعنْ أصواتٍ لا يُعرفُ مصدرُها." قالَ أحمدُ وهوَ يحاولُ استحضارَ الذكريات. "كانَ خائفاً جداً عندما تحدثَ عنْ ذلك. كأنهُ رأى شيئاً لمْ يرغبْ في وصفهِ."
"حجارةٌ بنقوشٍ غريبة… هذا قدْ يتوافقُ معَ الرسوماتِ في الدفتر." فكرتْ فاطمةُ بصوتٍ عالٍ. "سأذهبُ إلى المكتبةِ غداً، وأبحثُ عنْ أيِّ كتبٍ تتحدثُ عنْ تاريخِ هذهِ المنطقةِ، وعنْ أيِّ حضاراتٍ قديمةٍ عاشتْ هنا. ربما نجدُ مفتاحاً لتفسيرِ هذهِ الرموز."
"وسأحاولُ التحدثَ إلى بعضِ كبارِ السنِ في القرية. قدْ يكونُ لديهمْ معلوماتٌ لمْ تصلنا." قالَ أحمدُ. "ولكنْ، علينا أنْ نحتفظَ بسريةِ بحثنا. لا نريدُ أنْ نعرفَ أحدٌ بما سنفعلهُ، خاصةً إذا كانَ الأمرُ يتعلقُ بالجنِ المسلم. فقدْ يثيرُ ذلكَ الفزعَ والخوفَ بينَ الناس."
"أتفقُ معك. هذا سرٌ بيننا وبينَ جدتي، إنْ شاءَ الله." قالتْ فاطمةُ.
في تلكَ اللحظة، شعرتْ فاطمةُ بأنَّ خطوةً كبيرةً قدْ تمَّتْ. كانتْ الطريقُ لا تزالُ طويلةً ومليئةً بالمخاطر، ولكنْ وجودَ أحمدَ بجانبها، ووجودَ الدفترِ الغامضِ في يدها، أعطاها دفعةً منَ الأملِ والقوة. أغمضتْ عينيها، وأدعتْ في قلبها أنْ يحميها اللهُ وأنْ يرشدها إلى الحقيقة.
"شكراً لكَ يا أحمد. حقاً، شكراً لكَ." قالتْ فاطمةُ بامتنان.
"لا داعيَ للشكرِ يا فاطمة. أنتِ ابنةُ خالتي، ورفيقتُ دربي. وما أصابَ جدتكِ أصابنا جميعاً." قالَ أحمدُ بابتسامةٍ دافئة. "والآن، يجبُ أنْ أذهبَ. الليلُ قدْ تأخرَ، ووالدي سينتظرني."
وقفَ أحمدُ، ونظرَ إلى فاطمةَ نظرةً عميقة. "احذري منْ همساتِ الليلِ يا فاطمة. فإنها قدْ تخفي ما لا يُحتمل."
ثمَّ غادرَ الغرفةَ، تاركاً فاطمةَ وحدها مرةً أخرى، ولكنْ هذهِ المرةَ لمْ يكنْ شعورُ الوحدةِ طاغياً. كانَ هناكَ شعورٌ جديدٌ بالهدفِ، وبالرفقة. كانَ الليلُ لا يزالُ ساهراً، ولكنْ في عيني فاطمةَ، لمعَ ضوءٌ جديدٌ، ضوءٌ منْ شجاعةٍ وأمل.
انتهى الفصلُ، وبقيتْ الأبوابُ مواربةً، تحملُ بين طياتها وعوداً بتحدياتٍ جديدةٍ ومغامراتٍ ربما تكونُ أشدَّ خطراً مما تتخيل. كانتْ فاطمةُ على وشكِ أنْ تخطو في طريقٍ لمْ يسلكهُ الكثيرونَ، طريقٍ تقودُها خيوطُ الماضي الغامض، وربما… تقودُها إلى الجنِ المسلمِ نفسه.