الفصل 12 / 25

الجن المسلم

في جوفِ الغيل

بقلم سامر الخفي

تسللَ أحمدُ أولاً إلى الفجوةِ الضيقة، وأضاءَ بمصباحهِ القوي. كانتْ مساحةُ الكهفِ الداخليةِ أوسعَ مما بدا منْ الخارج، وتشكلتْ جدرانهُ منَ الصخورِ نفسها، لكنها كانتْ أكثرَ نعومةً، وكأنها صُقلتْ عبرَ آلافِ السنين. بدأتْ جدرانُ الكهفِ تتوهجُ بتوهجٍ خفيفٍ، نابعٍ منْ بلوراتٍ دقيقةٍ مدمجةٍ في الصخور.

"تعالي يا فاطمة. المكانُ آمنٌ، لكنه… غريبٌ جداً." نادى أحمدُ بصوتٍ خفيض.

تبعتهُ فاطمةُ، وسرعانَ ما وجدتْ نفسها في عالمٍ آخر. كانَ الصمتُ هنا أثقلَ وأكثرَ عمقاً. لمْ يكنْ هناكَ أيُّ صوتٍ خارجي، ولا همساتُ الريحِ التي كانتْ تترددُ في الخارج.

"انظري إلى السقفِ يا فاطمة." قالَ أحمدُ، ورفعَ مصباحه.

كانَ السقفُ يشبهُ سماءَ الليلِ الحقيقية، ولكنْ بدلاً منَ النجومِ، كانتْ هناكَ كريستالاتٌ متوهجةٌ بألوانٍ مختلفة، تشكلُ أشكالاً هندسيةً معقدة. كانتْ الأجواءُ تبعثُ على الرهبةِ والسكينةِ في آنٍ واحد.

"هذا المكانُ… أشعرُ وكأنهُ مقدسٌ." تمتمتْ فاطمةُ، متذكرةً كلماتِ جدتها عنْ أماكنِ الطاقةِ الروحية.

"نعم. وهناك… هلْ ترينَ ذلكَ في وسطِ الكهف؟"

في وسطِ الكهفِ الواسع، كانتْ هناكَ منصةٌ دائريةٌ طبيعيةٌ منَ الصخر، وفي وسطِها، بئرٌ صغيرٌ عميقٌ، يفيضُ بالماءِ الصافي المتلألئ. لمْ يكنْ هناكَ مصدرٌ واضحٌ للماء، ولكنهُ كانَ يتدفقُ بغزارةٍ وهدوء.

"هذا هوَ النبعُ الذي تحدثَ عنهُ الحاجُ محمود!" قالتْ فاطمةُ، وقرعتْ يدها على صدرها. "نبعٌ لا يجفُّ ماؤهُ أبداً. هذا المكانُ… هذهِ هيَ الحجارةُ الغريبة، والماءُ الغريب."

تقدمتْ فاطمةُ نحو النبعِ، ومدتْ يدها لتلمسَ الماء. كانَ بارداً ومنعشاً. عندما رفعتْ يدها، لاحظتْ شيئاً غريباً. لمْ تكنْ المياهُ مجردَ ماء. كانتْ هناكَ ذراتٌ لامعةٌ صغيرةٌ تطفو فيهِ، تشبهُ الغبارَ الذهبي.

"ما هذا؟" سألتْ فاطمةُ، ونظرتْ إلى أحمد.

"لا أعرف. ولكني شعرتُ بشيءٍ غريبٍ عندما اقتربتُ منْ النبع. كأنَّ طاقةً ما تنبعثُ منه." قالَ أحمدُ.

فجأةً، بدأتْ البلوراتُ على السقفِ تضيءُ بشكلٍ أكثرَ كثافة، وصارتْ الأشكالُ الهندسيةُ تتبدلُ بسرعة. بدأتْ أصواتٌ موسيقيةٌ غريبةٌ تنبعثُ منْ كلِّ مكان، ولكنها لمْ تكنْ مخيفةً هذهِ المرة، بلْ كانتْ هادئةً ومنسجمة.

"هذا… هذا أشبهُ بتراتيلَ الأنبياء." قالَ أحمدُ، ووضعَ يدهُ على قلبه.

"هلْ نحنُ في مكانٍ مقدسٍ حقاً؟" سألتْ فاطمةُ، وشعرتْ بسلامٍ عميقٍ يغمرها.

"ربما. ولكنْ… ما علاقةُ كلِّ هذا بجدتكِ؟" سألَ أحمدُ، وعادتْ إليهِ مخاوفه.

فتحتْ فاطمةُ دفترَ جدتها، وبدأتْ تتصفحُ الصفحاتِ التي تحملُ الرموزَ والرسومات. كانتْ تنظرُ إلى النجومِ المرسومةِ، ثمَّ إلى الكريستالاتِ المتوهجةِ في السقف، ثمَّ إلى النبعِ الصافي. شعرتْ بأنَّ هناكَ رابطاً ما.

"أحمد، انظرْ إلى هذهِ الرموز. إنها تتشابهُ معَ الأشكالِ التي تتشكلُ في السقفِ الآن."

نظرَ أحمدُ بتمعن، ووجدَ أنَّ فاطمةَ على حق. كانتْ الرموزُ في الدفترِ هيَ نفسها الأشكالُ التي ترقصُ في سقفِ الكهف.

"ماذا يعني ذلك؟" سألَ أحمد.

"ربما… ربما هذهِ ليستْ مجردَ حجارةٍ ونبع. ربما هيَ آلةٌ أوْ جهازٌ قديمٌ جداً، استخدمتهُ جدتي، أوْ منْ قبلها، للتواصلِ معَ… معَ الجنِ المسلم." قالتْ فاطمةُ، وبدأتْ تشعرُ بأنَّ الأمورَ تتضحُ أكثر.

"ولكنْ… كيفَ لنا أنْ نستخدمَهُ؟"

"لا أعرف. ولكنْ، جدتي كانتْ دائماً تقولُ إنَّ كلَّ شيءٍ في هذا الكونِ لهُ توازنٌ وروابط. وربما هذهِ البلوراتُ، وهذا الماءُ، وهذهِ الرموز، هيَ مفاتيحٌ للتواصل."

فجأةً، رأى أحمدُ شيئاً بالقربِ منْ حافةِ النبع. كانَ هناكَ غرضٌ صغيرٌ، ملقىً على الأرض. التقطهُ أحمدُ. كانَ عبارةً عنْ حجرٍ أملسٍ، منحوتٌ على شكلِ نجمةٍ صغيرة، وعليهِ نفسُ الرموزِ الموجودةِ في دفترِ جدتها.

"هذا… هذا يشبهُ شيئاً رأيتُهُ معَ جدتكِ. كانتْ تحتفظُ بهِ في صندوقٍ صغيرٍ دائماً." قالتْ فاطمةُ، وارتعشَ صوتها.

"هذهِ هيَ! هذهِ هيَ النجمةُ التي كانتْ جدتكِ تحملها دائماً!" صاحَ أحمدُ بانفعال. "لقدْ كانتْ تتركُ لنا دليلاً."

أخذتْ فاطمةُ النجمةَ، ووضعتها بالقربِ منْ النبع. في تلكَ اللحظة، حدثَ شيءٌ مذهل. بدأتْ النجمةُ تتوهجُ، وتصدرُ منها طاقةٌ خفيفةٌ. ثمَّ، انبعثَ منْ وسطِ النبعِ، شعاعٌ منَ الضوءِ الأبيضِ الصافي، وتوجهَ نحو سقفِ الكهف، حيثُ بدأتْ البلوراتُ تتفاعلُ معهُ.

"إنها تستجيبُ!" هتفتْ فاطمةُ.

بدأَ الضوءُ الأبيضُ يتشكلُ في الهواءِ فوقَ النبع، وبدأَ يأخذُ شكلاً. لمْ يكنْ شكلاً ملموساً، بلْ كانَ كالهيئةِ الشفافةِ لشخصٍ طويلٍ، يرتدي ملابسَ بيضاء. لمْ يكنْ لهُ وجهٌ واضح، ولكنْ كانتْ هناكَ هالةٌ منْ النورِ تحيطُ به.

"هذا… هذا هوَ الجنُ المسلم؟" سألَ أحمدُ، وخافَ قليلاً.

"لا تخفْ يا أحمد. يبدو لي أنهُ طيبٌ." قالتْ فاطمةُ، ونظرتْ إلى الهيئةِ الشفافة. "هلْ أنتَ هنا لمساعدتنا؟"

تحدثتْ الهيئةُ الشفافةُ بصوتٍ يشبهُ صوتَ الريحِ الهادئة، ولكنهُ كانَ واضحاً ومفهوماً. "لقدْ سمعنا نداءَكِ يا فاطمة. وأنتمْ تبحثونَ عنْ السيدةِ عائشة."

اتسعتْ عينا فاطمة. "نعم! هلْ تعرفُ مكانها؟ هلْ هيَ بخير؟"

"السيدةَ عائشةُ في مكانٍ آمن. لقدْ اختارتْ أنْ تبتعدَ عنْ عالمِ البشرِ مؤقتاً. كانتْ تعلمُ أنَّ هناكَ خطراً قادماً، وأنها بحاجةٍ إلى حمايةِ بعضِ الكائناتِ الأقدمِ منا. ولكنْ، لا تقلقوا، إنها بأمانٍ تام."

"ولماذا اختارتْ هذا؟ ومنْ همْ هؤلاءِ الكائنات؟" سألتْ فاطمةُ.

"هناك قوىً مظلمةٌ تستيقظُ في هذهِ الأيام. قوىً تسعى لإفسادِ التوازنِ بينَ العالمين. السيدةَ عائشةُ، بفضلِ معرفتها العميقةِ بالجنِ المسلمِ وقواهم، استطاعتْ أنْ تتواصلَ معَ كائناتٍ منْ عالمٍ آخر، كائناتٍ قديمةٍ جداً، تعملُ على حمايةِ هذا العالمِ منَ الشرورِ القادمة. لقدْ طلبتْ منا أنْ لا نكشفَ عنْ مكانها، وأنْ نتركَها تقومُ بمهمتها."

"ولكنْ… متى ستعود؟" سألتْ فاطمةُ، وشعرتْ بالأسى.

"عندما تنتهي مهمتها. وهيَ قريبةٌ جداً منْ نهايتها. لا تقلقوا، إنها قويةٌ وشجاعةٌ، وهيَ تحمينا جميعاً، حتى لوْ لمْ ندركْ ذلك."

"ولماذا نحنُ هنا؟ لماذا هذا الكهف؟" سألَ أحمد.

"هذا الكهفُ هوَ نقطةُ التواصلِ بينَ العالمين. وقدْ استخدمتْهُ السيدةَ عائشةُ سابقاً لتلقي الدروسِ منْ كائناتٍ أقدمَ منها، وللحصولِ على الحكمةِ اللازمةِ لمواجهةِ الشرور. وأنتمْ، بفضلِ إصراركمْ وصدقِ نواياكم، استطعتمْ أنْ تصلوا إلى هذا المكانِ وأنْ تستمعوا إلى الحقيقة."

"هلْ هناكَ أيُّ خطرٍ علينا الآن؟" سألتْ فاطمةُ.

"الخطرُ الأكبرُ يكمنُ في الشرورِ القادمةِ التي تحدثنا عنها. ولكنْ، طالما أنتمْ متوكلونَ على اللهِ، وطيّبونَ في قلوبكم، فلا تخافوا. السيدةَ عائشةُ تركتْ لكمْ هذهِ النجمةَ. إنها تحملُ جزءاً منْ قوتها، ومنْ قوةِ الجنِ المسلم. استخدموها بحكمةٍ، وستحميكمْ منْ أيِّ سوء."

أومأَ أحمدُ وفاطمةُ بفهم. شعرا بأنَّ عبئاً كبيراً قدْ أُزيحَ عنْ كاهليهما، ولكنهما أدركا أيضاً أنَّ هناكَ مسؤولياتٍ جديدةً تقعُ على عاتقهما.

"شكراً لكم. لكلِ ما فعلتموه، وللطمأنينةِ التي منحتمونا إياها." قالتْ فاطمةُ بامتنان.

"تذكروا، الحقيقةُ ليستْ دائماً ما تبدو عليهِ. وأنتمْ الآنَ جزءٌ منْ صراعٍ أكبرَ مما تتخيلونَ. كونوا حذرين

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%