الفصل 18 / 25

الجن المسلم

سرّ الآبار المهجورة

بقلم سامر الخفي

هبت ريحٌ باردةٌ غادرتْ وجهَ الصحراءِ القاسي، تحملُ معها همساتٍ لا يَفهمُها إلا من طالَ عهدُهُ بالوحدةِ والترقّب. كانَ الليلُ قد بسطَ عباءتهُ السوداءَ فوقَ القريةِ الصغيرةِ، لم تُنيرها إلا ومضاتٌ خافتةٌ من مصابيحَ زيتيةٍ تُكافحُ الوجودَ في وجهِ الظلامِ الأبدي. في جوفِ منزلٍ حجريٍّ قديمٍ، تتناثرُ فيهِ آثارُ الزمنِ على جدرانِهِ، جلستْ زينبُ، وقد ارتسمَ القلقُ على مُحيّاها الفتِيّ. كانَ قلبُها يخفقُ بقوةٍ، أشبهَ بقرعٍ متواصلٍ على أبوابِ الخوفِ. أمامَها، على المائدةِ الخشبيةِ الباليةِ، تتناثرُ أوراقٌ صفراءُ، كأنها أشباحُ ذكرياتٍ قديمةٍ. بينَ يديها، خنجرٌ صغيرٌ، نحتتْ عليهِ جدتُها أسماءً من نورٍ، أسماءٌ لم تفهمْ معناها حقاً إلا في الأيامِ الأخيرةِ.

"لماذا يا جدتي؟" تمتمتْ زينبُ بصوتٍ مختنقٍ، بينما كانتْ أصابعُها ترتجفُ وهي تُقلّبُ في صفحاتِ الدفترِ العتيقِ. كلماتٌ منسوجةٌ بلغةٍ غريبةٍ، لا تشبهُ العربيةَ التي يعرفُها أهلُ القريةِ، ولكنها كانتْ تحملُ إيقاعاً مألوفاً، صدىً دفينًا في روحِها. لقد استيقظتْ في ليلةٍ ما، وجدتْ نفسها تتحدثُ بلغةٍ لم تسمعْها من قبلُ، لغةٌ تخرجُ من أعماقِ كيانِها، لغةٌ تجعلُ الهواءَ حولَها يرتعشُ.

قاطعَ صمتَها صوتٌ خافتٌ من الخارجِ، صوتٌ كانَ يزدادُ قرباً. رفعتْ زينبُ رأسَها، سمعتْ دبيبَ أقدامٍ على الرمالِ، أقدامٌ ليستْ كأقدامِ البشرِ. تذكرتْ كلماتِ جدتِها الأخيرةِ، "الحذرَ يا ابنتي، فالظلامُ لهُ عيونٌ، والأرواحُ العتيقةُ لا تنامُ." لقد كانتْ جدتُها، الحاجةُ فاطمةُ، حكيمةً، ولكنها كانتْ أيضاً تحملُ أسراراً دفنتْها معَ نفسِها.

منذُ أيامٍ، بدأتْ الظواهرُ الغريبةُ تتكثّفُ. أصواتٌ في الليلِ، ظلالٌ تتراقصُ على حوافِ الرؤيةِ، وضوءٌ غريبٌ ينبعثُ من الآبارِ المهجورةِ الواقعةِ في أطرافِ القريةِ. كانَ أهلُ القريةِ يرتعشون خوفاً، يتوارونَ خلفَ جدرانِ بيوتِهم، ويُرددون أدعيةً لم تُجدِ نفعاً. كانتْ القلوبُ تعصفُ بالخوفِ، ولكنْ لا أحدَ يجرؤُ على النظرِ مباشرةً إلى ما كانَ يحدثُ.

في تلكَ الليلةِ، خرجتْ زينبُ من منزلِها، بعدَ أنْ أحكمتْ إغلاقَ البابِ خلفَها، وتمسّكتْ بالخنجرِ. كانتْ تعرفُ أنَّ الطريقةَ الوحيدةَ لمواجهةِ الشرِّ هيَ بفهمِهِ. دفعتْها غريزةٌ قويةٌ نحو الآبارِ المهجورةِ، حيثُ يتصاعدُ الهديرُ الخافتُ المُنذرُ بالخطرِ. عندما وصلتْ إلى البئرِ الأكبرِ، شعرتْ ببرودةٍ جليديةٍ تتسللُ إلى عظامِها. ضوءٌ أخضرٌ وامضٌ كانَ يتراقصُ من قاعِ البئرِ، كعينِ وحشٍ يستيقظُ من سُباتٍ طويلٍ.

"من أنت؟" سألتْ بصوتٍ واثقٍ، رغمَ أنَّ كلَّ ذرةٍ في كيانِها كانتْ تصرخُ بالفرارِ.

لم يأتِ ردٌّ على الفورِ، ولكنْ بدأتْ تتشكلُ صورةٌ غامضةٌ في الضوءِ. لم تكنْ هذهِ صورةَ جنيٍّ عاديٍّ، بل كانتْ صورةً ذاتَ أبعادٍ تتغيرُ، تتشوهُ، وتُثيرُ رعشةً عميقةً في الروحِ. رأتهُ، مخلوقاً ضخمَ الحجمِ، لهُ أجنحةٌ سوداءُ كظلمةِ الصحراءِ، وعيونٌ حمراءُ تُشعُّ بغضبٍ قديمٍ. ولكنهُ لم يكنْ مجرداً من كلِّ شيءٍ. في خضمِّ هذهِ الوحشيةِ، كانتْ هناكَ بصيصاتٌ من شيءٍ آخرَ، شيءٌ مألوفٌ، شيءٌ مُحزنٌ.

"لمْ تعودي غريبةً عنا يا زينبُ،" قالَ صوتٌ عميقٌ، كأنهُ قادمٌ من أعماقِ الأرضِ. الصوتُ لم يكنْ عدائياً تماماً، بل كانَ يحملُ مسحةً من الندمِ، وشيءٌ من المعرفةِ المدهشةِ.

"كيفَ تعرفُ اسمي؟" سألتْ، وهيَ تُمسكُ بالخنجرِ بإحكامٍ، مستعدةً للدفاعِ عن نفسِها.

"نحنُ نعرفُ كلَّ شيءٍ،" أجابَ المخلوقُ، واقتربتْ ملامحُهُ قليلاً. رأتْ في عينيهِ الحمراوينِ وهجاً باهتاً من ذكاءٍ، وقسوةً لا تُقارنُ. "نحنُ نسمعُ أصواتَ الأرواحِ التي تتألمُ، ونرى الظلالَ التي تخفي الأسرارَ."

"ماذا تريدُ؟"

"نحنُ لا نريدُ شيئاً، إلا أنْ نستردَّ ما سُلبَ منا،" قالَ المخلوقُ، وصوتُهُ يرتفعُ قليلاً. "لقدْ سُرقَ منّا هذا المكانُ، وسُرقَ منّا أطفالُنا."

"أطفالُكم؟" كررتْ زينبُ، والارتباكُ يسيطرُ عليها. "لا أفهمُ."

"القصةُ طويلةٌ، يا ابنةَ آدمَ،" قالَ المخلوقُ، وعينيهِ تثبتانِ عليها. "ولكنْ هلْ أنتِ مستعدةٌ لسماعِها؟ هلْ أنتِ مستعدةٌ لرؤيةِ الحقيقةِ التي طالَما أُخفيتْ؟"

شعرتْ زينبُ بأنَّ جدرانَ عالمِها المعتادِ بدأتْ تنهارُ. لم يكنْ هذا الشرَّ مجرداً من أيِّ معنى، بل كانَ يحملُ تاريخاً، وكانَ يحملُ ألماً. نظرتْ إلى الخنجرِ في يدِها، ثمَّ إلى المخلوقِ الذي يقفُ أمامَها. كانَ أمامَها خيارٌ صعبٌ: إما الفرارُ والنجاةُ بنفسِها، أو الغوصُ في أعماقِ المجهولِ، ومواجهةُ أسرارٍ قدْ تُغيرُ كلَّ شيءٍ.

"أنا مستعدةٌ،" قالتْ بصوتٍ يرتجفُ، ولكنَّهُ يحملُ عزيمةً غريبةً. "أنا مستعدةٌ لسماعِ الحقيقةِ."

وفجأةً، بدأتْ الظلالُ في البئرِ تتراقصُ بشكلٍ أسرعَ، والضوءُ الأخضرُ يتوهجُ بقوةٍ أكبرَ. شعرَتْ بأنَّ قوةً غامضةً تسحبُها نحو البئرِ، قوةً لم تستطعْ مقاومتها. كانَ هذا هوَ المصيرُ الذي اختارتْهُ، وهذا هوَ الطريقُ الذي ستسلكُهُ، بغضِّ النظرِ عنْ تبعاتِهِ.

*

في نفسِ الوقتِ، كانَ أحمدُ، شابٌّ قويُّ البنيةِ، ذو عينينِ تنطقانِ بالوفاءِ، يجلسُ في غرفتِهِ، يقرأُ كتاباً قديماً عنْ تاريخِ المنطقةِ. كانَ قلبهُ مشغولاً بزينبَ، وبما يحدثُ في القريةِ. لقدْ شعرَ بتغيّرٍ في الأجواءِ، كأنَّ سماءَ الصحراءِ نفسها تستعدُّ لإنزالِ غضبٍ عظيمٍ.

"هذهِ ليستْ مجردَ شائعاتٍ،" قالَ لنفسِهِ، وهوَ يقلّبُ في صفحاتِ الكتابِ. "هناك شيْءٌ خطيرٌ يحدثُ."

كانَ أحمدُ قدْ سمعَ عنْ الآبارِ المهجورةِ، وعنْ قصصِ الأجدادِ حولَ الأرواحِ الساكنةِ فيها. لكنهُ لمْ يؤمنْ بها قطُّ، واعتبرَها مجردَ خرافاتٍ. لكنْ معَ تزايدِ الأحداثِ الغريبةِ، بدأَ يشعرُ بالقلقِ.

فجأةً، سمعَ صوتَ زينبَ، صوتَ استغاثةٍ خافتٍ، قادماً منْ جهةِ الآبارِ. لمْ يترددْ لحظةً واحدةً. نهضَ مسرعاً، واستلَّ سيفَهُ، ونزلَ منْ منزلِهِ، متجهاً نحو مصدرِ الصوتِ.

كانَ الهواءُ كثيفاً ومليئاً بالتوترِ. كلُّ خطوةٍ كانَ يخطوها كانتْ تزيدُ منْ شعورِهِ بالقلقِ. عندما وصلَ إلى مشارفِ الآبارِ، رأى ضوءاً أخضرَ متوهجاً ينبعثُ منْ أحدِ الآبارِ. وكانتْ هناكَ صورةٌ ضبابيةٌ تقفُ أمامَ البئرِ.

"زينبُ!" صرخَ أحمدُ، وهوَ يندفعُ نحوها.

عندما رآهُ المخلوقُ، بدا عليهِ شيءٌ منَ الانزعاجِ.

"تدخّلٌ غيرُ مرغوبٍ فيهِ، يا بشريُّ،" قالَ بصوتٍ أجشٍّ.

"ابتعدْ عنها، أيها الشرُّ!" ردَّ أحمدُ، وهوَ يرفعُ سيفَهُ.

"هذهِ ليستْ معركتُكَ،" قالَ المخلوقُ، وبدأَ الضوءُ الأخضرُ يتوهجُ بقوةٍ أكبرَ. "هيَ قدْ اختارتْ طريقَها."

نظرَ أحمدُ إلى زينبَ، ورأى في عينيهِا صراعاً عميقاً. كانتْ واقفةً بينَ الخيارينِ، بينَ عالمِها وعالمِهم.

"زينبُ، عودي!" نادى أحمدُ، وصوتُهُ مليءٌ بالرجاءِ.

لكنَّ زينبَ لمْ تنظرْ إليهِ. كانتْ عيناهُما مثبتتانِ على المخلوقِ، وعلى الضوءِ الذي بدا يسحبُها إلى أعماقِ المجهولِ.

"لقدْ فاتَ الأوانُ، يا أحمدُ،" قالتْ بصوتٍ متقطعٍ. "يجبُ أنْ أفهمَ."

ثمَّ، بدأَ الضوءُ الأخضرُ يبتلعُ زينبَ. صرخَ أحمدُ، ولكنْ لمْ يكنْ هناكَ شيءٌ يمكنُهُ فعلُهُ. رأى زينبَ تختفي في قلبِ البئرِ، تاركةً وراءَها فراغاً هائلاً، وصمتاً ثقيلاً.

كانتْ تلكَ هيَ اللحظةُ التي انكسرَ فيها كلُّ شيءٍ. اللحظةُ التي تأكدَ فيها أحمدُ أنَّ الأسرارَ القديمةَ لمْ تكنْ مجردَ خرافاتٍ، وأنَّ الشرَّ الحقيقيَّ قدْ استيقظَ، وأنَّ زينبَ، المرأةُ التي أحبَّها، قدْ دخلتْ عالماً لا رجعةَ فيهِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%