الفصل 19 / 25

الجن المسلم

همساتُ العهدِ القديمِ

بقلم سامر الخفي

غابتْ زينبُ عنْ الأنظارِ، وكأنَّ الأرضَ ابتلعتْها. لمْ يبقَ سوى صدى صوتِها المرتعشِ، ورائحةِ الغموضِ التي تتخللُ الهواءَ. وقفَ أحمدُ مذهولاً، يتسمّرُ في مكانِهِ، وعيناهُ تترقبانِ البئرَ المظلمَ. كانتْ الريحُ تهبُّ قويةً، تحملُ معها غبارَ الصحراءِ، وكأنهُ رمالٌ تغطي على الآلامِ. شعرَ بقلبِهِ ينفطرُ، وبأملِهِ يتلاشى، كما يتلاشى السرابُ في الظهيرةِ.

"زينبُ! زينبُ!" نادى مراراً، ولكنَّ صرختَهُ ضاعتْ في صمتِ الليلِ الموحشِ. كانَ المخلوقُ قدْ اختفى، كما ظهرَ، تاركاً وراءَهُ فراغاً عميقاً، وذكرياتٍ أليمةً.

عادَ أحمدُ إلى القريةِ، وقلبُهُ مثقلٌ. لمْ يستطعْ أنْ يخبرَ أحداً بما رأى. كيفَ يُفسّرُ لهمْ أنَّ جنّياً منْ عالمٍ آخرَ قدْ اختطفَ فتاةً منْ بينَ أيديهم؟ سيُعدُّونهُ مجنوناً. ولكنْ كيفَ يُمكنُهُ أنْ يتركَ زينبَ وحدَها في هذا المصيرِ المجهولِ؟

في منزلهِ، انكبَّ أحمدُ على الكتبِ القديمةِ التي تركها جدُّهُ. كانَ جدُّهُ، رحمهُ اللهُ، رجلاً ذا حكمةٍ عظيمةٍ، وكانَ يتحدثُ أحياناً عنْ عوالمَ أخرى، وعنْ مخلوقاتٍ تسكنُ في أركانِ الأرضِ المنسيةِ. لمْ يكنْ أحمدُ يفهمُ كثيرًا مما يقولُهُ جدُّهُ، ولكنهُ الآنَ، شعرَ بأنَّ تلكَ الكلماتِ ليستْ مجردَ خرافاتٍ، بلْ هيَ مفاتيحُ لفهمِ ما يحدثُ.

مرتْ أيامٌ ثقيلةٌ. كانتْ القريةُ تعيشُ في خوفٍ وصمتٍ. اختفاءُ زينبَ كانَ الحدثَ الأقوى، ولكنْ كانتْ هناكَ ظواهرُ أخرى تزيدُ منْ قلقِ الناسِ. أضواءٌ غريبةٌ في الليلِ، أصواتٌ غيرُ مفهومةٍ، وشعورٌ دائمٌ بأنَّ هناكَ شيئاً يراقبُهم.

في إحدى الليالي، بينما كانَ أحمدُ مستيقظاً، تأملَ النجومَ التي كانتْ تتلألأُ في سماءِ الصحراءِ الصافيةِ، سمعَ صوتاً خافتاً، كأنَّهُ يأتي منْ بعيدٍ. صوتٌ غريبٌ، يحملُ لحناً حزيناً. نهضَ وتوجهَ نحو نافذتِهِ، وألقى نظرةً خاطفةً إلى الخارجِ. رأى ضوءاً أخضرَ خافتاً، ينبعثُ منْ جهةِ الآبارِ المهجورةِ.

"زينبُ؟" تمتمَ، وقلبُهُ يدقُّ بعنفٍ.

لمْ يستطعْ أحمدُ البقاءَ في منزلِهِ. ارتدى ملابسَهُ، وأخذَ سيفَهُ، وتوجهَ نحو الآبارِ. كلُّ خطوةٍ كانتْ تزيدُ منْ توترِهِ. عندما وصلَ إلى البئرِ الأكبرِ، رأى المشهدَ نفسَهُ الذي رآهُ منْ قبلُ. الضوءُ الأخضرُ، والصورةُ الغامضةُ التي بدأتْ تتشكلُ.

"منْ أنتَ؟ وماذا فعلتَ بزينبَ؟" صرخَ أحمدُ.

لمْ يُجبْ المخلوقُ فوراً. بدأتْ ملامحُهُ تتضحُ أكثرَ، ولمْ يعدْ مجردَ صورةٍ غامضةٍ. رأى مخلوقاً ضخماً، لهُ أجنحةٌ سوداءُ، وعينانِ حمراوانِ. لكنْ هذهِ المرةَ، لاحظَ أحمدُ شيئاً مختلفاً. كانتْ هناكَ أشكالٌ منَ الرموزِ الغريبةِ على جلدِ المخلوقِ، رموزٌ تشبهُ تلكَ التي رأها على الخنجرِ الصغيرِ الذي كانتْ زينبُ تحملهُ.

"لقدْ أخذتُها لتُدركَ الحقائقَ،" قالَ المخلوقُ بصوتٍ عميقٍ، لا يخلو منَ الحزنِ. "الحقائقَ التي حاولَ البشرُ دفنَها."

"حقائقَ؟" سألَ أحمدُ، متفاجئاً. "ما هيَ هذهِ الحقائقُ؟"

"قصةُ هذا المكانِ، وقصتُنا،" قالَ المخلوقُ. "قصةٌ بدأتْ منذُ آلافِ السنينِ."

بدأَ المخلوقُ بسردِ قصةٍ مدهشةٍ. حكى عنْ قومٍ سكنوا هذهِ الأرضَ قبلَ البشرِ، قومٍ لهمْ علاقةٌ بالروحانياتِ، وبالأبعادِ الأخرى. حكى عنْ جنيٍّ مسلمٍ، قويٍّ ومؤمنٍ، كانَ يحكمُ هؤلاءِ القومَ بالعدلِ، ويُحافظُ على توازنِ الكونِ. ثمَّ حكى عنْ خيانةٍ، وعنْ حربٍ، وعنْ سحرٍ أسودَ استخدمَ لتدميرِ هؤلاءِ القومِ، ولإجلائهمْ عنْ أرضِهم.

"ولكنْ، كيفَ يرتبطُ كلُّ هذا بزينبَ؟" سألَ أحمدُ، وعينيهِ لا تزالانِ مُثبتتينِ على المخلوقِ.

"زينبُ،" قالَ المخلوقُ، ونبرةُ صوتِهِ تغيرتْ قليلاً، "هيَ منْ سلالةِ ذلكَ الجنيِّ المسلمِ. لقدْ ورثتْ منْهُ قوةً، ومنْهُ روحانيةً. هيَ المفتاحُ لإعادةِ التوازنِ، لاستعادةِ ما سُلبَ منا."

كانَ أحمدُ يسمعُ بصدمةٍ. كلُّ ما كانَ يعرفُهُ عنْ العالمِ بدأَ ينهارُ. زينبُ، الفتاةُ التي أحبَّها، لمْ تكنْ مجردَ فتاةٍ بسيطةٍ، بلْ كانتْ تحملُ في دمِها إرثاً عظيماً، وإرثاً خطيراً.

"ولكنْ، لماذا يأخذونها؟ لماذا لا يسمحون لها بأنْ تعيشَ حياتَها؟" سألَ أحمدُ، غاضباً.

"البشرُ، كما تعلمُ، يخشون ما لا يفهمونَ،" قالَ المخلوقُ. "لقدْ خافوا منْ قوتِها، ومنْ ما تمثلُهُ. فخافوا منْ قدرتها على إعادةِ الأمورِ إلى نصابِها."

"ولكنْ، هذا ليسَ عدلاً!" قالَ أحمدُ. "الحبُّ لا يجبُ أنْ يُحرمَ منهُ أحدٌ."

"الحبُّ، يا أحمدُ، هوَ القوةُ الأعظمُ،" قالَ المخلوقُ، وعيناهُ تبدوانِ مليئتينِ بالحكمةِ. "ولكنْ، حتى الحبُّ، يحتاجُ إلى قوةٍ لكيْ ينتصرَ."

ثمَّ، رفعَ المخلوقُ يدَهُ، وبدأتْ صورةُ زينبَ تتشكلُ في الضوءِ الأخضرِ. رأى أحمدُ زينبَ، تبدو أقوى، وأكثرَ حكمةً. كانتْ تتحدثُ بلغةٍ لا يفهمُها، ولكنْ كانتْ تبدو كأنها تُحاورُ روحَ المكانِ.

"هيَ الآنَ تتعلمُ،" قالَ المخلوقُ. "تتعلمُ كيفَ تستعيدُ قوتَها، وكيفَ تُعيدُ الحقَ إلى نصابِهِ."

"ولكنْ، هلْ ستعودُ؟" سألَ أحمدُ، وعينيهِ مليئتينِ بالأملِ.

"هذا يعتمدُ عليها،" أجابَ المخلوقُ. "ويعتمدُ علينا جميعاً. فالحربُ بدأتْ، والمعركةُ لمْ تنتهِ بعدُ."

نظرَ أحمدُ إلى الضوءِ الأخضرِ، إلى صورةِ زينبَ التي كانتْ تتلاشى. شعرَ بأنَّهُ ليسَ لديهِ سوى خيارٌ واحدٌ: أنْ يكونَ قوياً، وأنْ يُعطي زينبَ القوةَ التي تحتاجُها.

"سأكونُ قوياً،" قالَ أحمدُ، وعزمُهُ يزدادُ. "سأكونُ مستعداً لها، عندما تعودُ."

ابتسمَ المخلوقُ ابتسامةً غريبةً، وقالَ: "الحبُّ هوَ سلاحُكَ، يا أحمدُ. ولا تنسَ ذلكَ أبداً."

ثمَّ، بدأَ الضوءُ الأخضرُ يتلاشى، تاركاً أحمدَ واقفاً وحيداً في ظلمةِ الصحراءِ. لكنْ هذهِ المرةَ، لمْ يكنْ وحيداً تماماً. كانَ يحملُ في قلبِهِ أملاً جديداً، وعزمَاً لمْ يكنْ لديهِ منْ قبلُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%