الفصل 2 / 25

الجن المسلم

أصداء من الأعماق

بقلم سامر الخفي

خرج عمران من باب المنزل المهجور، والمصباح الزيتي يلوح في يده، راسماً دوائر مضيئةً على الأرض المتربة. الهواء كان أكثر برودةً الآن، يحمل معه رائحة العشب الرطب والندى المتكثف. صوت الهمسات الغامضة كان لا يزال مسموعاً، يقترب ويتلاشى، كأنها أنفاسٌ خفيةٌ تتلاعب بحواسه. كان الصوت يأتي من جهة البئر القديمة، تلك البئر التي كانت تعرف تاريخاً طويلاً، وتحمل حكاياتٍ عن أمطارٍ غزيرةٍ، وعن ماءٍ عذبٍ كان يروي عطش القرية في الأيام الخوالي. لكنها أصبحت الآن مهجورةً، مغلقةً بحجرٍ كبيرٍ، لا يقترب منها إلا القليل.

اقترب عمران من البئر، بخطواتٍ حذرةٍ، مستعيناً بضوء المصباح. كان الصمت الذي يخيم على المكان أثقل من صمت القرية. كان يشعر بوجودٍ ما، بطاقةٍ غريبةٍ تلف المكان، تجعل شعره يقف. كانت الهمسات الآن أكثر وضوحاً، تتداخل مع بعضها، كأنها أصواتُ بحرٍ هادئٍ، أو أنينُ روحٍ معذبةٍ. حاول أن يركز، أن يميز الكلمات، ولكنها كانت متداخلةً، غير مفهومةٍ، أشبه بـ "طلاسم" قديمةٍ.

"من هناك؟" نادى عمران بصوتٍ عالٍ، لكن الصوت بدا وكأنه يبتلعه الظلام. لم يأتِ ردٌ، سوى استمرار الهمسات.

وصل إلى حافة البئر. الحجر الكبير الذي يغطيها كان متصدعاً، وبدا وكأن شيئاً ما كان يحاول اقتحامه من الأسفل. فتحةٌ صغيرةٌ كانت باديةً في أحد جوانب الحجر، يخرج منها تيارٌ من الهواء البارد، يحمل معه تلك الهمسات. شعر برعشةٍ غريبةٍ تسري في عموده الفقري، مزيجٌ من الخوف والفضول.

مد يده بحذرٍ نحو الفتحة، ليمسك بأحد الأحجار المتساقطة. وفجأة، انبعث من الفتحة نورٌ أبيضٌ خافتٌ، تبعته موجةٌ من الهواء دفعت يد عمران إلى الخلف. لم يكن نوراً قوياً، بل كان أشبه بوميضٍ، ولكن كان فيه قوةٌ عجيبةٌ. كانت الهمسات قد ارتفعت، وتحولت إلى صوتٍ موسيقيٍ غريبٍ، يحمل في نبرته لحناً شجياً، وكأنه دعوةٌ خفيةٌ.

"يا ابن عمران، لا تخف"، جاء الصوت، ليس همساً هذه المرة، بل كان واضحاً، ولكنه لم يكن صوت إنسان. كان عميقاً، وذا رنينٍ معدنيٍ غريبٍ. "نحن هنا، نحرس هذا المكان منذ أزلٍ. جئنا لنحذرك".

تجمد عمران في مكانه، غير مصدقٍ ما سمعه. كان الصوت يتحدث إليه مباشرةً، من داخل البئر. "أنتم؟ من أنتم؟" سأل، وصوته يرتعش قليلاً.

"نحن من الجن المسلم"، أجاب الصوت. "من الحرس القدامى لهذه الواحة. ولكن قوتنا تضعف، وظلامٌ قديمٌ يستيقظ. الظلام الذي قتلت والدك، والذي يسعى الآن لسلب روح الواحة".

"والدي؟" صرخ عمران، وعيناه تتسعان. "هل تعرفون ما حدث له؟"

"نعرف، ونحن نحذر. لقد أغوته الظلمة، ودخل محرماً. أما "سراج"، فهو المفتاح. المفتاح الذي يمكن أن يحمي الواحة، أو يدمرها".

"ما هو "سراج"؟" سأل عمران، متمسكاً بالخريطة في جيبه.

"إنه النور في قلب الظلام"، أجاب الصوت. "إنه المكان الذي اختبأت فيه قوة الجن المسلم. يجب أن تصل إليه، قبل أن تقع في أيدي الأشرار".

"كيف أصل إليه؟"

"الخريطة التي تحملها هي دليلك. لكن الطريق ليس سهلاً. ستواجه الشر، وستواجه نفسك".

"لماذا تتركوني أواجه كل هذا وحدي؟" سأل عمران، يشعر بالغضب والخوف.

"قوتنا محاصرةٌ. نحن لا نستطيع التدخل مباشرةً. لكننا نرسل لك النذير. إشاراتٌ، وهمساتٌ، لتحذيرك. يجب أن تجد "سراج" وتفعّل قوته. وإلا..."

"وإلا ماذا؟"

"وإلا ستغرق الواحة في الظلام. وستضيع روحها إلى الأبد".

فجأة، توقف الصوت. اختفت الهمسات. عادت البئر إلى سكونها المخيف. لم يعد هناك سوى صوت خفقان قلب عمران. شعر بالبرد يتغلغل في عظامه، وبروحٍ ثقيلةٍ تخيم على المكان.

نظر إلى الحجر المتصدع، إلى الفتحة الصغيرة التي خرج منها الضوء. لم يعد هناك شيء. هل كان كل هذا مجرد وهمٍ؟ هل كانت لعبه من الخيال؟ لكن كلمات الصوت، عن والده، وعن "سراج"، كانت قويةً جداً، ومؤثرةً.

"يجب أن أصدق"، قال عمران لنفسه. "جدتي لم تترك لي وصيةً وهميةً. هؤلاء الحراس، الجن المسلم، يتحدثون بصدقٍ. والدي… والدي كان ضحيةً لشيءٍ أكبر مني".

تذكر كلمات جدته: "ابحث عن "سراج" ولن تضل الطريق". أخرج الخريطة من جيبه، فتحها تحت ضوء المصباح. الرمز الكبير في المنتصف، "سراج"، كان الآن يبدو ذا أهميةٍ قصوى.

وفجأة، لمع الرمز الأبيض على الخريطة، وأضاءت منه خطوطٌ خافتةٌ، تشير إلى اتجاهٍ معينٍ. كان وكأن الخريطة تستجيب لشيءٍ ما، لشيءٍ ما في قلب البئر، أو لشيءٍ ما بداخله.

"إذن، "سراج" ليس مجرد مكانٍ. إنه شيءٌ يتفاعل معي"، فكر عمران.

بدأ بالتحرك، متبعاً الخطوط التي ظهرت على الخريطة. كان الاتجاه يشير إلى خارج الواحة، نحو الصحراء القاحلة، نحو المكان الذي كان والده قد اختفى فيه.

"والدي… هل كنت أنت أيضاً تبحث عن "سراج"؟" تساءل عمران.

شعر بأن لعنةً قديمةً بدأت تطارده. رحلةٌ شاقةٌ، في صحراءٍ لا ترحم، بحثاً عن مكانٍ غامضٍ، وقوةٍ قديمةٍ. ولكن في قلبه، كان هناك شرارةٌ من الأمل. أملٌ في كشف الحقيقة، في إيجاد والده، وفي إنقاذ الواحة.

واصل السير، والمصباح الزيتي في يده، والخريطة المضيئة في صدره. كان الليل قد اشتد، والنجوم تتلألأ في سماءٍ صافيةٍ. لكنه كان يشعر بوجودٍ يراقبه، بظلالٍ تتحرك في زوايا عينيه. كان يعلم أن هذه ليست سوى البداية. وأن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

قبل أن يبتعد عن البئر، التفت إلى الوراء. كان يظن أنه رأى شيئاً يتحرك عند الفتحة. لمعةٌ خاطفةٌ، كأنها عينٌ تراقب. شعر بأن هذه ليست مجرد قصةٍ قديمةٍ، بل هو جزءٌ منها الآن.

"سوف أعود"، همس عمران، متوجهاً نحو الصحراء، نحو المجهول، مدفوعاً بذكرى والده، وبتحذيرات الجن المسلم. "سأجد "سراج"، وسأكشف سر الظلام."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%