الجن المسلم
ظلالٌ تتكشّفُ
بقلم سامر الخفي
في عالمٍ يتجاوزُ حدودَ المألوفِ، حيثُ تتراقصُ الأرواحُ على عتباتِ الوجودِ، كانتْ زينبُ تجدُ نفسَها غارقةً في متاهةٍ منَ الأسرارِ. لمْ تكنْ هذهِ مجردَ رؤيا، بلْ كانتْ تجربةً حسيةً، تُلامسُ جوهرَ كينونتها. الضوءُ الأخضرُ الذي ابتلعها لمْ يكنْ سوى بوابةً لعالمٍ لمْ تعهدْهُ، عالمٍ تحكمُهُ قوانينُ مختلفةٌ، وتشابكُ فيهِ الأقدارُ.
كانتْ قوى غامضةٌ تُمسكُ بها، لا عنفَ في قبضتِها، بلْ قوةٌ تسحبُها برفقٍ إلى أعمقِ نقطةٍ في البئرِ. لمْ تشعرْ بالخوفِ، بلْ بشعورٍ غريبٍ منَ الانتماءِ، كأنَّها تعودُ إلى موطنٍ قديمٍ، موطنٍ أُخفي عنها لأسبابٍ لمْ تفهمْها بعدُ. بدأتْ ترى صوراً، كأنها ذكرياتُ ملايينِ السنينَ، صورٌ لأشخاصٍ وسلالاتٍ، ولعالمٍ كانَ مزدهراً، ثمَّ انطفأَ.
"منْ أنتمْ؟" همستْ بصوتٍ يترددُ في الفراغِ.
"نحنُ حراسُ العهدِ،" أجابَ صوتٌ عميقٌ، كأنَّهُ قادمٌ منْ صميمِ الحجرِ. "ونحنُ ننتظرُ عودةَ منْ ستحملُ الشعلةَ."
"الشعلةَ؟" كررتْ زينبُ، والارتباكُ يزدادُ. "لا أفهمُ."
"أنتِ، يا ابنتي، تحملينَ في دمِكِ إرثَ أجدادٍ عظامٍ،" قالَ الصوتُ. "إرثَ جنيٍّ مسلمٍ، كانَ أخشى اسمُهُ في السماواتِ والأرضِ. لقدْ سُلبَ منَّا كلُّ شيءٍ، ولكنْ تركتْ لنا بصمةً، تركتْ لنا وعداً."
بدأتْ الصورُ تتضحُ أكثرَ. رأتْ زينبُ كائناتٍ ذاتَ هيبةٍ، كائناتٍ تُشبهُ المخلوقَ الذي رأتهُ في البئرِ، لكنْ بملامحَ أكثرَ نبلاً، وبنورٍ في عيونِهم. رأتْ معاركُ، ورأتْ سحراً، ورأتْ خيانةً، ورأتْ فصلاً أسودَ في تاريخِ الكونِ، فصلاً حاولَ البشرُ أنْ يمحوهُ منْ ذاكرتِهم.
"لماذا أنا؟" سألتْ زينبُ، وقلبُها ينفطرُ منْ هولِ ما ترى. "لمْ أفعلْ شيئاً لأستحقَّ كلَّ هذا."
"الأقدارُ يا ابنتي، لا تختارُ منْ يستحقُّ، بلْ تختارُ منْ يُمكنُهُ أنْ يُعيدَ التوازنَ،" قالَ الصوتُ. "لقدْ اختارَتكِ الأقدارُ لأنَّ فيكِ قوةً كامنةً، قوةً لمْ تُكتشفْ بعدُ."
بدأتْ زينبُ تشعرُ بقوى تتفاعلُ داخلَها. قوةٌ ساخنةٌ، قويةٌ، كأنَّها شمسٌ صغيرةٌ تشتعلُ في صدرِها. شعرتْ بأنَّ اللغةَ التي تحدثَ بها المخلوقُ، اللغةُ الغريبةُ التي كانتْ تتحدثُ بها أحياناً، بدأتْ تتضحُ لها. أدركتْ أنَّها لمْ تكنْ تتكلمُ لغةً عاديةً، بلْ كانتْ تتكلمُ لغةَ أجدادِها، لغةَ الأرواحِ.
"عليكمْ أنْ تُفهموني،" قالتْ زينبُ، بصوتٍ أصبحَ أكثرَ قوةً. "ماذا تريدونَ منِّي؟"
"نريدُ منْكِ أنْ تستعيدي قوتَكِ،" قالَ الصوتُ. "وأنْ تُحاسبي منْ سلبَ منَّا حقَّنا. إنَّ هذا العالمَ، يا زينبُ، ليسَ كما يظنُّ البشرُ. هناكَ عوالمُ أخرى، وهناك أسرارٌ عظيمةٌ. والآنَ، أنتِ جزءٌ منْ هذا اللغزِ."
بدأتْ زينبُ تشعرُ بأنَّ وجودَها يتمددُ، وأنَّ وعيها يتسعُ. لمْ تعدْ مجردَ فتاةٍ منْ قريةٍ صحراويةٍ، بلْ أصبحتْ حلقةَ وصلٍ بينَ عالمينِ، حاملةً لإرثٍ قديمٍ.
*
في عالمِ البشرِ، كانَ أحمدُ لا يزالُ يبحثُ عنْ أيِّ أثرٍ لزينبَ. لمْ يستطعْ النومَ، ولمْ يستطعْ الأكلَ. كانَ قلبُهُ معلّقاً في البئرِ المظلمِ، يتساءلُ عنْ مصيرِها.
"عليَّ أنْ أجدَ طريقةً لأُعيدَها،" قالَ لنفسِهِ، وهوَ يحدّقُ في الكتابِ القديمِ لجدِّهِ. "يجبُ أنْ أفهمَ هذهِ الأسرارَ، حتى أتمكنَ منْ مساعدتِها."
بدأَ أحمدُ يدرسُ الكتابَ بعمقٍ، يبحثُ عنْ أيِّ معلومةٍ قدْ تُساعدُهُ. وجدَ إشاراتٍ إلى "العهدِ القديمِ"، وإلى "القوى الخفيةِ"، وإلى "السلالةِ العظيمةِ". كانتْ كلُّ هذهِ الإشاراتُ تُشيرُ إلى شيءٍ أكبرَ، شيءٍ لمْ يكنْ يتخيلُهُ.
في إحدى الليالي، بينما كانَ أحمدُ مستيقظاً، شعرَ بقشعريرةٍ تسري في جسدِهِ. سمعَ صوتاً خافتاً، صوتاً مألوفاً، صوتاً كأنَّهُ قادمٌ منْ داخلِ البئرِ. صوتُ زينبَ.
"زينبُ!" صرخَ أحمدُ، وهوَ يتجهُ نحو النافذةِ.
رأى ضوءاً أخضرَ خافتاً يتوهجُ في جهةِ الآبارِ. هذهِ المرةَ، لمْ يشعرْ بالخوفِ، بلْ بشعورٍ منَ الأملِ.
"هيَ تحاولُ التواصلَ معي،" قالَ أحمدُ، وهوَ يرتدي ملابسَهُ مسرعاً. "يجبُ أنْ أذهبَ إليها."
عندما وصلَ أحمدُ إلى البئرِ، لمْ يجدْ المخلوقَ. كانَ الضوءُ الأخضرُ يتوهجُ بقوةٍ أكبرَ، وبدا وكأنَّ البئرَ ينبضُ بالحياةِ.
"زينبُ! هلْ تسمعيني؟" نادى أحمدُ، وصوتُهُ يرتجفُ.
سمعَ صوتاً ضعيفاً، كأنَّهُ قادمٌ منْ أعماقِ الأرضِ. "أحمدُ... أنا هنا..."
"ماذا يحدثُ؟" سألَ أحمدُ. "هلْ أنتِ بخيرٍ؟"
"أنا... أتعلمُ،" قالتْ زينبُ. "أتعلمُ عنْ ماضينا... وعنْ ما يجبُ أنْ نفعلَ."
"ماذا يجبُ أنْ نفعلَ؟" سألَ أحمدُ، وعينيهِ مليئتينِ بالفضولِ.
"يجبُ أنْ نُعيدَ الحقَّ إلى نصابِهِ،" قالتْ زينبُ. "يجبُ أنْ نُحاسبَ منْ سلبَ منَّا كلَّ شيءٍ."
فجأةً، بدأتْ الأرضُ تهتزُّ، وبدأَ الضوءُ الأخضرُ يتوهجُ بقوةٍ خارقةٍ. شعرَ أحمدُ بقوةٍ هائلةٍ تسحبُهُ نحو البئرِ. لمْ يستطعْ المقاومةَ.
"زينبُ!" صرخَ، قبلَ أنْ يبتلعَهُ الضوءُ الأخضرُ.
عندما استيقظَ أحمدُ، وجدَ نفسَهُ في مكانٍ غريبٍ، مكانٍ يختلفُ تماماً عنْ عالمِهِ. مكانٍ مليءٍ بالضوءِ، وبالأرواحِ. ورأى زينبَ، واقفةً أمامهُ، تبدو أقوى، وأكثرَ إشراقاً منْ أيِّ وقتٍ مضى.
"مرحباً بكَ في عالمِنا، يا أحمدُ،" قالتْ زينبُ، وابتسامةٌ غريبةٌ تعلو وجهَها. "لقدْ حانَ الوقتُ لكيْ نواجهَ عدوَّنا."
كانتْ هذهِ هيَ بدايةُ معركةٍ كبرى، معركةٍ ستحكمُ مصيرَ العالمينِ.