الفصل 3 / 25

الجن المسلم

صراع البدايات

بقلم سامر الخفي

قضى عمران تلك الليلة في منزل جدته، يتفحص الخريطة القديمة تحت ضوء المصباح. الخطوط المضيئة كانت تتلاشى وتظهر، وكأنها تتنفس، تتبع إيقاعاً داخلياً خاصاً بها. كان يشعر بأنها لم تكن مجرد رسمٍ، بل هي واعيةٌ، لديها إرادةٌ خاصةٌ. قرر أن يتبع أول إشارةٍ ظهرت، والتي كانت تشير إلى عمق الصحراء، بعيداً عن القرية، إلى مكانٍ وصفه بـ "الجبل الأسود".

عندما بزغ الفجر، كانت الشمس ترسل أشعتها الذهبية الأولى، تخترق الغبار المتصاعد من أطراف الواحة. جمع عمران زاده القليل: قربة ماء، بعض التمر، وقليلٌ من الخبز الجاف. أمسك بندقيته القديمة، التي ورثها عن جده، لا ليستخدمها في الصيد، بل كرمزٍ للقوة، وللذكريات. وقف أمام باب المنزل، يستنشق هواء الصباح المنعش، محاولاً استيعاب حجم المهمة التي على عاتقه.

"سراج"، الجن المسلم، والده المفقود، والشر القديم. كل هذه الكلمات تتصارع في عقله. هل كان الجن المسلم، الذي سمع عنه فقط في الأساطير، هو حقاً من كان يتحدث إليه؟ وهل كان "سراج" هو الأمل الوحيد؟

بينما كان يضع قدمه الأولى خارج عتبة الدار، سمع صوت دعاءٍ خافتٍ يأتي من المسجد القديم في وسط القرية. صوتٌ مألوفٌ، عميقٌ، لا يخطئه. إنه صوت الشيخ "عبد الرحمن"، إمام القرية، الرجل الحكيم الذي كان دائماً مرجعاً لأهل الفيحاء.

"مهلاً يا بني"، سمع الشيخ عبد الرحمن يناديه من خلفه.

التفت عمران، فوجد الشيخ يقف على مسافةٍ قريبةٍ، وجهه يكسوه التجاعيد، وعيناه تلمعان بحكمةٍ ودعةٍ.

"إلى أين أنت ذاهبٌ في هذا الوقت المبكر، يا عمران؟" سأل الشيخ، وقد لاحظ حقيبة زاده والبندقية.

تردد عمران لحظةً. هل يخبر الشيخ بكل شيء؟ لقد كان الشيخ مقرباً جداً من والده، وكان الوحيد الذي ربما يفهم جزءاً من هذا اللغز.

"ذاهبٌ في رحلةٍ، يا شيخ"، أجاب عمران، محاولاً أن يبدو طبيعياً. "أبحث عن شيءٍ مهمٍ".

"أشعر بأن هناك أمراً جللاً يحوم حولك، يا بني"، قال الشيخ، ونبرة صوته تحمل قلقاً. "الليل الماضي، لم أذق طعم النوم. شعرت باضطرابٍ في الكون، وكأن شيئاً ما قد تغير".

شعر عمران بقشعريرةٍ تسري في جسده. يبدو أن ما حدث حول البئر لم يكن مجرد وهمٍ.

"لقد سمعت همساتٍ، يا شيخ"، قال عمران، ببطءٍ. "همساتٌ غريبةٌ، وكأنها تأتي من مكانٍ بعيدٍ. وقبل قليلٍ، سمعت صوتاً يتحدث إليّ، من عند البئر القديمة".

نظر الشيخ إلى عمران بجديةٍ، ثم رفع رأسه إلى السماء. "الجن المسلم… لقد تذكرت قصص جدي. كانت تقول إن هناك حراساً من الجن المسلم، يدافعون عن هذه الواحة من الشرور القديمة. ولكنهم ضعفاءٌ الآن، وعملهم قد بدأ يتضاءل".

"هل تعرف عن "سراج"؟" سأل عمران، بصوتٍ خافتٍ.

توسعت عينا الشيخ. "سراج… هذا الاسم يبدو مألوفاً. كان جدي يقول إن "سراج" هو مصدر القوة، النور الذي يبدد الظلام. ولكن الوصول إليه ليس سهلاً. إنه محفوفٌ بالمخاطر. هل وجدتها؟"

أخرج عمران الخريطة. "وجدتها هنا، في منزل جدتي".

نظر الشيخ إلى الخريطة، وتنهد. "يا بني، إنها طريقٌ خطيرٌ. الطريق إلى "سراج" هو طريقٌ إلى قلب الشر، وإلى قلب الحقيقة. هل أنت مستعدٌ لمواجهة ما قد تجده؟"

"أنا مستعدٌ، يا شيخ"، قال عمران، وعيناه تلمعان بالإصرار. "من أجل والدي، ومن أجل الواحة".

"عندما كان والدك حياً، كان يبحث عن شيءٍ ما. شيءٌ يتعلق بتاريخ الفيحاء، وقوتها الخفية. كان يشعر بأن هناك قوةً عظيمةً كامنةً هنا، قوةً يمكن أن تحمينا، أو تدمرنا. ربما كانت رحلته الأخيرة مرتبطةٌ بـ "سراج"".

"هل تعتقد أن والدي ما زال حياً؟" سأل عمران، وقلبه يخفق بالأمل.

"لا أدري يا بني. القدر له حكمته. ولكن، إذا كان هناك أي أمل، فهو في العثور على "سراج" وتفعيل قوته. سأدعو لك، وسأقدم لك نصيحتي: لا تثق في كل ما تراه، ولا تصدق كل ما تسمعه. الشر يتخفى في أجمل الصور، والكذب يرتدي ثوب الحقيقة".

ودع عمران الشيخ عبد الرحمن، وقلبه مثقلاً بالدعوات، ومشاعره متضاربةً بين الأمل والخوف. اتجه نحو أطراف الواحة، حيث تبدأ الرمال الذهبية بالامتداد إلى ما لا نهاية. كان يعرف أن رحلته ستكون شاقةً، ولكن كان لديه الآن دليلٌ، ولديه إيمانٌ بأن هناك قوةً خيرٍ ما زالت تحميه.

بعد ساعاتٍ من السير تحت شمس الصحراء الملتهبة، وصل عمران إلى السفح الغربي للجبل الأسود. كان جبلاً ضخماً، هائلاً، يكسوه الصخر الأسود المظلم، ويبدو كوحشٍ نائمٍ في قلب الصحراء. كان صامتاً، مهيباً، يبعث على الرهبة.

تتبع عمران الخريطة. الخطوط المضيئة بدأت تظهر بوضوحٍ أكبر، تشير إلى مدخلٍ سريٍ في الجبل. بعد بحثٍ مضنٍ، وجد فتحةً صغيرةً، بالكاد تكون مرئيةً، مخبأةً خلف مجموعةٍ من الصخور المتناثرة. كانت الفتحة ضيقةً، بالكاد تسمح له بالمرور.

"يبدو أن هذا هو المكان"، تمتم عمران.

وضع المصباح الزيتي في جيبه، وأخذ بندقيته، واستعد لدخول المجهول. كانت الفتحة تؤدي إلى ممرٍ ضيقٍ، متعرجٍ، يكتم الصوت. الهواء بدا أثقل، وأكثر برودةً. كانت هناك رائحةٌ غريبةٌ، مزيجٌ من الرطوبة، والتراب القديم، وشيءٍ لا يمكن وصفه، شيءٌ بدا قديماً جداً.

مع كل خطوةٍ يخطوها في العمق، كان يشعر بأن العالم الخارجي يبتعد. اختفت أصوات الرياح، واختفت أشعة الشمس. أصبح كل شيءٍ مظلماً، وحيداً، عدا ضوء المصباح الذي كان يلوح أمامه.

"لماذا سيبني أحدهم مدخلاً سرياً هنا؟" تساءل عمران. "ماذا يخفي هذا الجبل؟"

واصل السير، والممر يزداد اتساعاً شيئاً فشيئاً. بدأ يسمع أصواتاً خافتةً، أشبه بـ "صوت قطرات الماء"، تتساقط من سقف الممر. ثم، بدأت تظهر رسوماتٌ على الجدران. رسوماتٌ غريبةٌ، صورٌ لرجالٍ يرتدون ملابس قديمةً، يحملون أسلحةً، ويقاتلون كائناتٍ مظلمةً. كانت هناك أيضاً رسوماتٌ لنجومٍ، وكواكب، ورموزٍ هندسيةٍ معقدةٍ.

"هل هذه قصةُ أجدادنا؟" فكر عمران. "هل هذا هو تاريخ "الجن المسلم"؟"

في إحدى النقوش، رأى صورةً لـ "سراج"، كما كان على الخريطة، ولكنه كان مرسوماً بشكلٍ أكثر وضوحاً: دائرةٌ تتوسطها نجمةٌ بثماني زوايا، ولكنها كانت تحيط بنورٍ ساطعٍ. وتحت الرمز، كُتبت كلماتٌ بلهجةٍ قديمةٍ، لم يفهمها عمران إلا بصعوبةٍ: "حيث يتجسد النور، ويبدأ الخلاص".

شعر عمران بضيقٍ في صدره. الرحلة أصبحت أكثر غموضاً، وأكثر خطورةً. ولكن، في نفس الوقت، كان يشعر بأنه يقترب من الحقيقة.

بعد مسيرةٍ استغرقت وقتاً طويلاً، وصل عمران إلى نهاية الممر. كان الممر يفتح على كهفٍ واسعٍ، يتلألأ فيه صخرٌ غريبٌ، يشبه الكريستال. في وسط الكهف، كان هناك بناءٌ حجريٌ قديمٌ، يبدو وكأنه مذبحٌ، أو هيكلٌ أثريٌ. وعلى هذا البناء، كان هناك نقشٌ كبيرٌ، مطابقٌ لرمز "سراج" على الخريطة.

"سراج"، همس عمران.

ولكن، لم يكن هناك نورٌ ساطعٌ. لم يكن هناك أي علامةٍ على وجود قوةٍ عظيمةٍ. كان الكهف بارداً، مظلماً، والصمت يلف المكان. شعر بخيبة أملٍ كبيرةٍ.

"هل كل هذا مجرد أسطورة؟" تساءل. "هل ما سمعته من الجن المسلم كان مجرد خداع؟"

وفجأة، سمع صوتاً قادماً من زاويةٍ مظلمةٍ في الكهف. صوتٌ خشنٌ، غاضبٌ.

"لقد وصلت، أيها الشاب"، قال الصوت. "لقد وجدت "سراج". ولكن، للأسف، لن تستمتع به طويلاً".

خرج من الظلام رجلٌ، طويلٌ، ذو ملامح قاسيةٍ، وعينين تلمعان ببريقٍ شريرٍ. كان يرتدي ملابس سوداء، ويحمل عصا منحوتةٍ بشكلٍ غريبٍ.

"من أنت؟" سأل عمران، ممسكاً ببندقيته.

"أنا "مالك"، يا فتى. وأنا هنا لأضمن أن "سراج" لن يستخدمه أحدٌ سوى أنا. لقد انتظرت طويلاً، وانتظرت أن يأتي أحدهم ليقودني إليك".

شعر عمران بأن قلبه سيهدأ. كان هذا الرجل هو الشر الذي حذره منه الجن المسلم.

"لا أعرف عما تتحدث"، قال عمران، محاولاً التظاهر بالقوة.

"بالطبع لا تعرف. لقد قتلت والدك، لأنه اقترب كثيراً من الحقيقة. ولكنه أخبرك، أليس كذلك؟ أخبرك عن "سراج"، وعن قوتنا؟"

"والدي… أنت قتلته؟" صرخ عمران، والغضب يشتعل في داخله.

"لقد كان خطأه. حاول أن يحارب الظلام. ولكن الظلام أقوى. والآن، حان دوري لأخذ ما هو لي".

أشار "مالك" بعصاه نحو نقش "سراج" على المذبح. بدأ النقش يتوهج ببطءٍ، ولكن ليس بالنور الذي توقعه عمران. كان توهجاً أحمرَ باهتاً، يحمل طاقةً مظلمةً.

"هذه ليست قوة الخير"، فكر عمران. "هذا هو الشر".

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%