الجن المسلم
غواية الظلام
بقلم سامر الخفي
كانت عينا عمران تضيقان، وهو يراقب "مالك" وهو يقترب من مذبح "سراج". التوهج الأحمر الذي بدأ ينبعث من النقش على الحجر كان يخيم بظلالٍ مخيفةٍ على جدران الكهف، ويخلق شعوراً بالثقل في الهواء. لم يكن هذا هو النور المشرق الذي تحدثت عنه الهمسات، ولا هو القوة التي كان يأمل أن يجدها. هذا كان شيئاً آخر، شيئاً مريباً، يحمل وعداً بالقوة، ولكنه مغلفٌ بالخطر.
"أنت كاذب!" صرخ عمران، متجاهلاً خوفه. "هذا ليس "سراج". هذا هو الشر الذي تحدث عنه الحراس!".
ابتسم "مالك" ابتسامةً باردةً، مخيفةً. "الحراس؟ إنهم مجرد أشباحٍ من الماضي. ضعفاءٌ، ومخدوعون. "سراج" ليس مجرد نورٍ، يا بني. إنه القوة. قوةٌ مطلقةٌ، يمكن أن تتحكم في كل شيءٍ. ولكنها تحتاج إلى من يستحقها، من يفهم طبيعتها الحقيقية. والظلام هو من يفهمها أفضل".
"والدي لم يكن ضعيفاً!" قال عمران، وصوته يرتعش بالغضب. "لقد كان يبحث عن الحقيقة، وعن قوةٍ تحمي الواحة، لا تدمرها!".
"كان يبحث عن الوهم"، قال "مالك"، وهو يدنو أكثر من المذبح. "كنت أراقبه منذ زمن. أعجبت بشجاعته، وبإصراره. لهذا، منحته فرصةً. فرصةً أخيرةً. ولكن عندما رفض، عندما اختار طريق الوهم… كان عليّ أن أوقف تقدمه. والآن، أنت هنا. أنت أيضاً تحمل نفس الدم، نفس الإصرار. ربما تكون أنت من يستطيع فتح الباب لي بالكامل".
مد "مالك" يده نحو النقش المتوهج. عندما لامست أصابعه الحجر، انبعث وميضٌ أحمرٌ قويٌ، جعلهما يتراجعان قليلاً. لكنه لم يتراجع. استمر في محاولة.
"لا!" صاح عمران. "لن تسمح لك بذلك!".
رفع عمران بندقيته، ولكن قبل أن يتمكن من التصويب، أشار "مالك" بعصاه نحو سقف الكهف. انهار جزءٌ من الصخر، وسقط بقوةٍ قريبةً من عمران، مما أجبره على التراجع.
"أنت لا تفهم، يا فتى"، قال "مالك"، وعيناه تشتعلان. "هذه القوة… إنها تجعلني أقوى. إنها تجعلني قادراً على تحقيق ما لم أستطع تحقيقه من قبل. سأعيد بناء عالمي، عالمٌ تحكمه القوة، لا الضعف. عالمٌ خاليٌ من كل هذا الوهم والزيف الذي تسمونه "الخير"".
شعر عمران بأن شيئاً ما في داخله يتكسر. فكرة أن والده قد يكون قد وقع ضحيةً لهذه القوة المظلمة، وأن "سراج" ليس ما كان يتخيله. ولكن، لا. لم يستطع أن يستسلم لهذه الفكرة. جدته، الشيخ عبد الرحمن، همسات الجن المسلم… كل هذه الإشارات كانت تدل على أن هناك خيراً ما، وأن "سراج" يمكن أن يكون المنقذ.
"ربما… ربما لم تكن تسمع الحقيقة الكاملة"، قال عمران، محاولاً استجماع قواه. "ربما هناك طريقةٌ أخرى. طريقةٌ تجعل "سراج" قوةً للخير".
ضحك "مالك" بصوتٍ عالٍ، هز أركان الكهف. "لا توجد طرقٌ أخرى. هناك فقط القوة، والضعف. وأنا اخترت القوة. وأنت، يا فتى، إذا كنت ذكياً، ستختار قوتي أيضاً. سأمنحك قوةً لا تتخيلها. قوةً لتنتقم لوالدك، قوةً لتصبح سيداً هنا. كل ما عليك فعله هو أن تتخلى عن هذا الوهم الذي تسمونه "الخير"".
كانت الكلمات تغري، تحمل في طياتها وعداً عظيماً. شعر عمران بنبضٍ غريبٍ في داخله، رغبةٌ خفيةٌ في أن يكون قوياً، أن يكون قادراً على حماية كل ما يحبه. ولكن، تذكر وجه والده، وضحكة جدته، ونصيحة الشيخ. "لا تثق في كل ما تراه، ولا تصدق كل ما تسمعه".
"لا"، قال عمران، بصوتٍ ثابتٍ. "لن أختار طريقك. لن أكون مثل والدي، ولكني لن أكون ظلك أيضاً".
"إذاً، ستكون مجرد قطعةٍ أخرى على الطريق"، قال "مالك"، ورفع عصاه. انبعثت موجةٌ من الطاقة المظلمة، أطاحت بعمران إلى الخلف.
سقط عمران على الأرض، يشعر بالألم. ولكن، بينما كان يسقط، وقعت عيناه على شيءٍ غريبٍ. على أحد جدران الكهف، كانت هناك نقوشٌ قديمةٌ، لم يلاحظها من قبل. كانت تصور رجلاً يرتدي ملابس تشبه ملابس "مالك"، ولكنه كان محاطاً بنورٍ ساطعٍ، وكأنه يسيطر على "سراج" بطريقةٍ مختلفةٍ. وتحت هذه النقوش، كانت هناك كلماتٌ مكتوبةٌ بلغةٍ قديمةٍ، ولكن جزءٌ منها كان واضحاً: "النور الحقيقي… ليس في القوة، بل في التضحية".
"التضحية؟" تمتم عمران.
"ماذا قلت؟" سأل "مالك"، وهو يبدو منزعجاً.
"قلت… أنك مخطئ"، قال عمران، وهو ينهض ببطءٍ، ويشعر بقوةٍ جديدةٍ تتسلل إليه. "هذه القوة… إنها ليست لك. إنها قوةٌ للحماية، لا للتدمير".
"أنت تتحدث كالأطفال!" صرخ "مالك"، وبدأ يجمع طاقته المظلمة.
"ربما"، قال عمران، وهو يمسك ببندقيته. "ولكن، هناك دائماً خيارٌ. وخياري هو أن أحمي الواحة، وليس أن أدمرها".
ركز عمران بصره على النقوش. "التضحية… النور الحقيقي…". فجأة، تذكر شيئاً. شيئاً قاله الشيخ عبد الرحمن عن أجداده، عن قوة الإيمان، وعن حماية الأبرياء.
"إذا كانت هذه القوة تتغذى على الظلام، وعلى الأنانية… فربما يمكن إيقافها بالشيء المعاكس".