الجن المسلم
الهمسات الخبيثة في أروقة الروح
بقلم سامر الخفي
ازداد الخوف في قلب الشيخ أحمد كلما تعمقت أبحاثه. لم تكن مجرد أساطير محلية، بل كانت حقائق مؤلمة تتكشف أمام عينيه. بيت "موسى" لم يكن مجرد بيت قديم، بل كان معقلاً لقوى الظلام، وبوابة لجن متمرد، لم يستطع أحد أن يسيطر عليه عبر الأجيال.
كانت ليلى تعيش في صراع داخلي رهيب. في النهار، كانت تحاول جاهدة أن تتصرف بشكل طبيعي، أن ترد على أسئلة أبيها بابتسامة باهتة، وأن تشارك في شؤون المنزل. لكن مع غروب الشمس، كانت تلك الروح الشريرة التي تسكنها تستيقظ، وتستعيد قوتها. كانت تشعر بأنها محاصرة بين عالمين، عالم النور الذي تنتمي إليه، وعالم الظلام الذي بدأ يبتلعها.
ذات ليلة، وبعد ساعات من التمرد الداخلي، استسلمت ليلى لتلك القوة. في الغرفة المهجورة، لم تعد الرموز تتوهج بل احمرت، كأنها تنبض بالدم. كانت تشعر بأن جسدها لم يعد ملكها، وأنها تتحرك كدمية تحركها خيوط خفية.
"أريد ماءً مقدساً." همس الصوت في أذنها، صوت يرتعش بالشر. لم تفهم ليلى لماذا، لكنها عرفت أين تجد الماء المقدس. كان في زجاجة قديمة، احتفظ بها والدها لسنوات، استخدمها في تبخير البيت أحياناً. كانت الزجاجة موضوعة في خزانة صغيرة في غرفة النوم.
تسحبت ليلى في جنح الظلام، قلبها يدق بعنف، لكن ليس خوفاً، بل رغبة غريبة في التنفيذ. فتحت الخزانة، وأخذت الزجاجة. شعرت ببرودة غريبة تسري في أصابعها عندما لمست الزجاجة. عادت إلى الغرفة المهجورة، ووضعت الزجاجة أمام الكتاب.
بدأت الرموز في الكتاب تتوهج بلون أخضر زيتي، ثم أخذت تتشكل على سطح الماء المقدس، لتكون رسوماً جديدة، رسوماً لم ترها من قبل. كانت تلك الرسوم تتغير بسرعة، كأنها تحكي قصة. وفجأة، بدأت الماء يتصاعد، ويأخذ شكلاً غريباً، شكلاً يشبه ذراعاً ممدودة.
ارتعش جسد ليلى، لكنها لم تصرخ. شعرت بألم حارق في يدها، وكأنها تلتقي بحرارة شديدة. أمسكت بالذراع المائية، ورأت كيف بدأت تذوب ببطء، لتصب في الكتاب، وتختفي بين صفحاته.
كان الشيخ أحمد لا يزال مستيقظاً. سمع أصواتاً خافتة قادمة من الغرفة المهجورة. في البداية، ظن أنها مجرد أوهام، أو صوت الرياح. لكن الأصوات تكررت، وأصبحت أكثر وضوحاً. أصوات غريبة، لا تشبه أصوات البشر.
نهض الشيخ أحمد من فراشه، وقلبه يملؤه الخوف. تسلح بشيء من الشجاعة، وذهب إلى الغرفة. كان الباب موارباً، ففتحها ببطء. رأى ليلى واقفة في منتصف الغرفة، وجهها شاحب، وعيناها تبدوان غائرتين. كانت تتحدث إلى لا شيء، إلى فراغ، بكلمات لم يفهمها.
"يا ليلى! ما الذي تفعلينه؟" صاح الشيخ أحمد، صوته يرتعش. ارتعش جسد ليلى، ثم استدارت نحوه. نظرت إليه بنظرة غريبة، نظرة تفتقر إلى الود، نظرة باردة كجليد. "من أنت؟" قالت بصوت أجش، غريب، لم يكن صوت ليلى. تجمد الشيخ أحمد في مكانه. لم يتعرف على ابنته في تلك اللحظة. "ليلى، أنا أبوك! ما هذا الهراء؟" ابتسمت ليلى ابتسامة خبيثة. "أبوك؟ وهل أبوك هنا؟"
ثم، بدأت تتغير. لم يتغير وجهها فحسب، بل تغير جسدها. بدا وكأن خيوطاً سوداء تلف جسدها، وتشد عضلاتها. ظهرت هالة سوداء تحيط بها، وهالة جعلت الغرفة تبدو أشد ظلمة. "لقد أصبح هذا الجسد لي الآن!" قالت، وصوتها يزداد عمقاً وخشونة.
فقد الشيخ أحمد وعيه للحظة، ثم استعاد قوته. لم يكن يصدق ما يراه. هل كانت ابنته مسكونة حقاً؟ هل كان هذا هو الجن الذي تحدثت عنه الأساطير؟
"بسم الله الرحمن الرحيم." بدأ الشيخ أحمد يقرأ آيات من القرآن الكريم، آيات السحر، وآيات الشفاء. بمجرد أن سمعت تلك الكلمات، صرخت ليلى، صرخة مدوية، صرخة مليئة بالألم والغضب. بدأت تتمايل بقوة، وكأنها تحاول أن تتحرر من سجن غير مرئي. "توقف! كفى!" صاحت، ثم قذفت شيئاً في اتجاه الشيخ أحمد.
شعر الشيخ أحمد بضربة قوية على وجهه، وكأن شيئاً ثقيلاً قد ارتطم به. سقط على الأرض، والدم ينزف من جرح في خده. لكنه لم يستسلم. نهض من جديد، وظل يقرأ الآيات، يقرأها بقوة وإيمان، يقرأها بكل ما أوتي من قوة.
بدأت ليلى تصرخ وتتقلب على الأرض، كأنها تتعذب. ثم، وكأن قوة خارقة قد سحبتها، اختفت في الظلام. لم تعد موجودة في الغرفة.
ظل الشيخ أحمد واقفاً، متعباً، مصاباً، لكنه متمسك بإيمانه. نظر حوله، وبحث عن ابنته، لكنه لم يجدها. لقد اختفت.
في نفس الوقت، كان "ياسر"، الشاب الذي كان يحلم بالزواج من ليلى، يشعر بقلق متزايد. كان قد حاول التواصل معها لعدة أيام، لكنها لم ترد على اتصالاته. لم تكن هذه ليلى التي يعرفها. كان يشعر أن هناك شيئاً ما خطأ.
في إحدى الليالي، بينما كان ياسر جالباً لأمه بعض الماء، سمع همساً خفياً قادماً من بيت الشيخ أحمد. كان الهمس غريباً، كأنه كلام من عالم آخر. دفعه فضوله، وحبه لليلى، للتحقق.
تسلق ياسر السور المحيط بمنزل الشيخ أحمد، وتسرب إلى الفناء الخلفي. وجد الباب الخلفي مفتوحاً قليلاً. تسلل إلى الداخل، وبدأ يبحث عن ليلى.
وصل إلى الغرفة المهجورة، ورأى الشيخ أحمد واقفاً، يبدو مرهقاً ومصاباً. ورأى آثار معركة غريبة في الغرفة. "عمي أحمد؟" قال ياسر بصوت مرتجف. التفت الشيخ أحمد إليه، وارتاح لرؤية وجه مألوف. "يا بني، لقد حدث شيء فظيع."
بدأ الشيخ أحمد يروي لياسر ما حدث، عن القوة المظلمة، وعن اختفاء ليلى. كان ياسر في حالة صدمة. لم يستطع أن يصدق. لكنه رأى الألم في عيني الشيخ أحمد، ورأى الدم على خده.
"يجب أن نجدها." قال ياسر بحزم. "لن أتركها وحدها."
في نهاية الفصل، كانت ليلى قد اختفت، وأصبحت ضحية لقوة مظلمة. الشيخ أحمد، والدها، أصيب، لكنه لم ييأس. وياسر، خطيبها، قرر أن يخوض هذه المعركة معها، وأن يبحث عنها مهما كلف الأمر. هل سيتمكنون من إنقاذ ليلى قبل أن تبتلعها الظلام تماماً؟