الجن المسلم الجزء الثالث

همس الليل في دار الأجداد

بقلم سامر الخفي

كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً بعبق التراب الرطب ورائحة الياسمين المتأخر الذي يعانق أسوار بيت جدي القديم. في قلب الظلام الدامس، لم يكن صوت سوى حفيف أوراق الشجر المتراقصة على إيقاع نسيم بارد، وصوت أنفاسي المتسارعة التي كانت تضج في أذني كطبول حرب. يدي ترتعش وهي تمسك بالمصباح الزيتي الباهت، خيط الضوء الأصفر يتلوى كشبح هارب، يرسم ظلالاً مشوهة على الجدران الحجرية الباردة. كنت وحدي، في هذا المكان الذي طالما شغلته ذكريات الأجداد، وحكايات العفاريت التي كنا نستمع إليها في ليالي الشتاء الطويلة. لكن هذه الليلة، لم تكن مجرد حكاية.

كنت أبحث عن شيء. شيء ضاع، شيء سرق، شيء انقطع. قلبي كان يقرع عنيفاً في صدري، يشكو لي صمتاً قاتلاً، يخاف من صوت لا أرغب بسماعه. كل خطوة كنت أخطوها فوق البلاط القديم كانت تزيد من حدة توتري. هذا البيت، الذي شهد ميلاد أجيال، والذي كان دائماً ملاذاً آمناً، تحول في هذه الليلة إلى مسرح لخوف لا يمكن وصفه.

وصلت إلى باب الغرفة الخلفية، باب خشبي عتيق، صدئت مفصلاته، ونقشت عليه علامات الزمن بخدوش عميقة. كانت رائحة البخور الغريبة، تلك التي لم أشم مثلها قط، تتسرب من تحت الباب، ممزوجة برائحة عفن خفيفة، تبعث في النفس قشعريرة. لم يكن هذا بخور أمي، ولا بخور جدتي. كان شيئاً آخر، شيئاً مظلماً.

تذكرت كلماتها، كلمات أمي، وهي تلف وجهها شاحبة، تحذرني: "لا تفتح هذا الباب يا بني، أبداً. هناك أشياء لا يجب أن توقظ." لكن الفضول، ذلك الشعور الذي ينهش الروح، كان أقوى من أي تحذير. كانت هناك رسالة، وصلتنا قبل ساعات، رسالة بخط غريب، مليئة بالرموز القديمة، تتحدث عن "إعادة" شيء "أخذ". ومنذ وصولها، بدأ هذا الشعور الغريب، هذا الخوف الذي يخترق العظام.

مددت يدي المرتعشة نحو المقبض البارد. الصدأ لم يكن شيئاً مقارنة بالبرد الذي تسلل إلى أطرافي. استدرت المقبض ببطء، صوت صرير مفزع اخترق سكون الليل. فتح الباب، وانفتحت معه فوهة مظلمة، تبلع نور المصباح.

اندفعت رائحة أقوى، حادة، حارقة. كانت رائحة لا تنتمي إلى عالمنا. شيء حيواني، شيء قديم، وشيء ... ميت. لم أستطع رؤية شيء، الظلام كان كثيفاً، لكنني شعرت. شعرت بوجود شيء ما، شيء يراقب، شيء يتنفس.

"هل من أحد هنا؟" صوتي كان مرتجفاً، بالكاد مسموعاً. لم يكن هناك رد، سوى صوت نبضات قلبي المتسارعة.

شعرت بنسيم بارد، لم يكن النسيم القادم من الخارج. كان نسيمًا باردًا يصدر من داخل الغرفة، يحمل معه همسات خافتة. همسات بلغة لم أفهمها، لكنها كانت تبدو وكأنها تلتف حولي، تتغلغل في روحي.

بدأت أرى. في الظلام، بدأت تتكون أشكال. لم تكن أشياء عادية. كانت أشياء متحركة، تتلوى، كأنها مصنوعة من الظلال نفسها. خيالات سريعة، تتوارى خلف الأثاث القديم، وتظهر مرة أخرى، دائماً في زاوية الرؤية.

ثم رأيته. في وسط الغرفة، حيث كان يجلس جدي في الأيام الماضية ليقرأ القرآن، كان هناك فراغ. فراغ أسود، لا يعكس الضوء، فراغ يمتص كل شيء. وفيه، تتشكل عيون. عيون حمراء، متوهجة، لا تحمل أي رحمة، لا تحمل أي شيء سوى جوع قديم، جوع يعود إلى زمن لم يعرف فيه الإنسان الإيمان.

تجمدت في مكاني، لا أستطيع أن أتحرك، لا أستطيع أن أصرخ. كل عضلة في جسدي كانت مشدودة، وكأنها تحاول أن تفصلني عن هذا الواقع المرعب. المصباح سقط من يدي، انكسر على الأرض، وانطفأ. غرق كل شيء في ظلام مطلق.

ثم سمعت صوتاً. صوت واضح، دافئ، لكنه يحمل ثقلاً رهيباً. صوت لم يكن من عالم الأشباح. كان صوتاً بشرياً.

"الحمد لله أنك أتيت يا ولدي."

فزعت. من هذا؟ كيف عرف؟

"لا تخف. لست وحدك."

فجأة، شعرت بيد باردة، لكنها قوية، تلمس كتفي. قلبي كاد يتوقف.

"من أنت؟" سألت، صوتي بالكاد يخرج.

"أنا من يحرس هذا البيت. وأنا هنا لأحميك."

وفي ذلك الظلام، وبين همسات الجن، ولهيب العيون الحمراء، شعرت بشيء من الأمل، شيء من القوة. لقد دخلت عالمًا لم أكن أتخيل وجوده، عالمًا يفصل بين الإيمان والكفر، بين النور والظلام. وكنت على وشك أن أكتشف ما هو الثمن الذي سندفعه جميعاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%