الجن المسلم الجزء الثالث
متاهة الذكريات والمخطوطات
بقلم سامر الخفي
بعد لقائها مع فواز والسيدة فاطمة، شعرت مها بارتياح نسبي، لكنه لم يكن كافيًا لتبديد قلقها تمامًا. كانت الكلمات التي قرأتها، والأسرار التي بدأت تتكشف، بمثابة مفاتيح لأبواب كانت مغلقة بإحكام. كان عليها أن تتعمق أكثر، أن تبحث عن الدليل الملموس الذي يثبت صحة ما تشعر به، ويساعدهم على فهم طبيعة التهديد.
"سنبدأ البحث في خزانة الكتب القديمة في الجناح الشرقي." قالت السيدة فاطمة، بعد أن اجتمعوا مرة أخرى في غرفة المعيشة. "جدتي، رحمها الله، كانت تحتفظ بالكثير من المخطوطات والسجلات هناك. ربما نجد فيها ما يدل على 'الكيان الأقدم' الذي تتحدث عنه الرسالة."
كان الجناح الشرقي مختلفًا عن الجناح الغربي الذي كانت تسكن فيه مها. كان أقل إهمالًا، ويبدو أنه كان يستخدم بشكل دوري، لكنه كان لا يزال يحمل طابع القدم والفخامة. قادهم فواز عبر ممرات واسعة، مغطاة بسجاد سميك، ومرصعة بلوحات فنية قديمة.
وصلوا إلى غرفة كبيرة، أشبه بالمكتبة، لكنها كانت أكثر تنظيمًا من المكتبة المهجورة التي زارتها مها. رفوف عالية من الخشب الداكن، ممتلئة بالكتب والمجلدات. في وسط الغرفة، كانت هناك طاولة ضخمة، تعلوها أغطية قماشية.
"هنا." قالت السيدة فاطمة، مشيرة إلى الأغطية. "كانت أمي تحتفظ بهذه الخزانة، ولم يمسها أحد بعد وفاتها."
أزاح فواز الغطاء بحذر، كاشفًا عن مجموعة من المخطوطات المربوطة بحبال جلدية، وبعض الكتب الكبيرة ذات الأغلفة البالية. رائحة الورق القديم، ممزوجة برائحة خفيفة من البخور، ملأت المكان.
بدأوا عملية البحث. كانت مهمة شاقة، تتطلب صبرًا ودقة. كل مجلد كان يحمل تاريخًا، وكل ورقة كانت تحكي قصة. مها، رغم إرهاقها، شاركت في البحث بجد وحماس. كانت تشعر بأنها جزء من هذا المكان، وأن فهم ماضيه هو جزء من فهم مستقبلها.
كان فواز يتولى فحص المخطوطات، بينما كانت مها تقلب صفحات الكتب الكبيرة، تبحث عن أي إشارة، أي رمز، أي اسم قد يرتبط بالرسالة. أما السيدة فاطمة، فكانت تبحث في السجلات العائلية، وسجلات الأراضي، والممتلكات، علها تجد ما يدل على معاملات غريبة، أو أحداث غير عادية.
بعد ساعات من البحث، بدأت تشعر مها بالإحباط. لم تجد شيئًا سوى قصص عن عائلات قديمة، عن حروب، وعن حب. كل شيء بدا طبيعيًا، وإن كان قديمًا.
"هل أنتِ متأكدة من وجود شيء هنا؟" سألت مها، وهي تمسح جبينها. "ربما كانت مجرد رسالة كتبها أحدهم في الماضي، ثم فقدت. ربما لا يوجد 'كيان أقدم' ولا شيء من هذا القبيل."
"لا تفقدي الأمل، يا مها." قالت السيدة فاطمة، بصوت هادئ. "الشر غالبًا ما يختبئ في الأماكن الأكثر طبيعية. ربما نحتاج إلى فهم أعمق."
في تلك اللحظة، لفت نظر فواز شيء ما في أحد المخطوطات. كان مغطى بغلاف سميك، ويبدو أنه لم يفتح منذ زمن طويل. "ما هذا؟" قال، وهو يسحب المخطوط.
كان مخططًا، لكنه لم يكن مخططًا لمنزل أو لأرض. كان مخططًا لشبكة معقدة من الأنفاق والسراديب تحت القصر. كانت الخطوط تتداخل، وتحمل رموزًا غريبة.
"أنفاق؟" قالت مها، بدهشة. "تحت القصر؟"
"نعم. يبدو أنها تمتد لمسافات طويلة. وهذه الرموز... لا أعرف ما تعنيه." قال فواز، مشيرًا إلى الأشكال الغريبة على المخطط.
بدأت السيدة فاطمة تتفحص المخطط. "هذه الرموز... تشبه الرموز التي كانت تستخدم في بعض الطقوس القديمة. طقوس لحماية أماكن معينة، أو لطرد قوى غير مرغوب فيها."
"هل يمكن أن يكون هذا القصر مبنيًا فوق شيء ما؟ شيء يتطلب هذه الحماية؟" سألت مها.
"ربما." قالت السيدة فاطمة. "ولكن هذه الأنابيب تبدو وكأنها تؤدي إلى مكان ما بالداخل، وليس إلى الخارج."
بينما كانوا يدرسون المخطط، لمحت مها شيئًا في زاوية الورقة. كان هناك اسم مكتوب بخط صغير، بالكاد يمكن رؤيته. "فواز، انظر هنا."
أشار فواز إلى الاسم. كان اسمًا قديمًا، مألوفًا، اسمًا مرتبطًا بأجداد بعيدين. "هذا الاسم... إنه اسم أحد أجدادي. الذي كان يعرف بأنه 'المحافظ على الأسرار'."
"المحافظ على الأسرار؟" سألت مها. "ماذا يعني ذلك؟"
"لم يكن أحد يفهم لماذا أطلقوا عليه هذا اللقب. كانت هناك شائعات بأنه كان لديه معرفة بأمور غريبة، وأنه كان يحمي شيئًا ثمينًا."
"وماذا لو كان يحمي شيئًا من 'الكيان الأقدم'؟" اقترحت مها. "وماذا لو كانت هذه الأنفاق هي وسيلة للدخول إلى هذا الشيء، أو للهروب منه؟"
بدأ الجميع يفكرون. كانت الألغاز تتكاثر، والواقع يصبح أكثر تعقيدًا. لم يعد الأمر يتعلق فقط بأشباح، بل بوجود كيان قوي، يسعى للوصول إلى شيء ما، أو للسيطرة على شيء ما، داخل القصر.
"يجب أن نجد مكان هذه الأنفاق." قال فواز، وعيناه تلمعان بتصميم. "إذا كان هذا الكيان يسعى إلى شيء ما، فيجب أن نعرف ما هو، وكيف نوقفه."
"ولكن كيف سنبحث عن هذه الأنفاق؟" سألت مها. "المخطط كبير جدًا، والمبنى ضخم."
"سنجدها." قالت السيدة فاطمة، بثقة. "لدينا الآن مفتاح. لدينا اسم 'المحافظ على الأسرار'، ولدينا هذه الرموز. ربما هناك كتب أخرى في هذه الخزانة تتعلق به، أو بطقوس الحماية."
واصلوا البحث، لكن التركيز الآن كان منصبًا على العثور على أي معلومات تتعلق بـ 'المحافظ على الأسرار' أو بالرموز الموجودة على المخطط. بدأت مها تشعر بإحساس غريب. لم يكن مجرد فضول، بل كان شعورًا بالمسؤولية، وشعورًا بأنها جزء من حل هذا اللغز.
خلال بحثها، وجدت كتابًا صغيرًا، مغلفًا بالجلد الغامق. فتحته، وكانت الصفحات مليئة بالكتابة، ولكنها كانت مكتوبة بلغة لم تفهمها. كانت رموزًا وحروفًا غريبة.
"ما هذا؟" سألت، وهي ترفع الكتاب.
"دعيني أرى." قال فواز، وهو يأخذه. "هذه لغة قديمة جدًا. لم أرها من قبل. ربما هي لغة تم ابتكارها خصيصًا لهذا الغرض."
"ماذا لو كان هذا الكتاب هو المفتاح؟" اقترحت مها. "ماذا لو كان فيه شرح لهذه الرموز، ولطريقة عمل هذه الأنفاق؟"
نظروا إلى بعضهم البعض. كان هذا الاكتشاف هو الشرارة التي أشعلت الأمل في نفوسهم. كان هناك طريق، وإن كان وعرًا، لكشف الحقيقة.
"علينا أن نجد من يمكنه فك رموز هذه اللغة." قالت السيدة فاطمة. "ربما في مكتبة الجامعة، أو لدى أحد المتخصصين في التاريخ القديم."
"هذا سيتطلب وقتًا وجهدًا." قال فواز.
"لكننا لا نملك الوقت." قالت مها، وتذكرت الأصوات، والظلال. "ربما يجب أن نبدأ بمحاولة فهم أي شيء يمكننا رؤيته. ربما هناك رسومات، أو رموز مشابهة في مكان آخر من القصر."
اتفقوا على خطة. فواز سيحاول البحث عن متخصصين في اللغة القديمة. مها، ستستمر في البحث في المكتبة، علها تجد أي شيء مشابه للرموز. والسيدة فاطمة، ستبدأ بالتحدث إلى كبار السن في القرية، علهم يعرفون شيئًا عن أساطير قديمة تتعلق بالقصر.
غادروا المكتبة، وكل منهم يحمل في قلبه مزيجًا من الأمل والقلق. كانت مهمتهم تبدو مستحيلة، لكنهم كانوا مصممين على إنجازها. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بالماضي، بل بمستقبلهم.
قبل أن ينفصلوا، أمسكت مها بيد فواز. "سنواجه هذا معًا، صحيح؟"
ابتسم لها، وقبل يدها. "معًا، دائمًا."
نظرت إلى القصر، الذي كان يقف شامخًا، كشاهد صامت على أسرار كثيرة. شعرت بأنها بدأت تفهم روحه، روحه المليئة بالذكريات، وبالصراعات. لكنها كانت تعلم أن داخل هذه الجدران، يكمن خطر حقيقي، خطر يتطلب شجاعة، وإيمانًا، وتعاونًا.