الجن المسلم الجزء الثالث
شبح الماضي يطارد في الأنفاق
بقلم سامر الخفي
كانت الأيام تتوالى، وكل يوم يجلب معه المزيد من الألغاز والتحديات. استمر فواز في بحثه عن خبير يفهم اللغة الغامضة في الكتاب القديم، بينما كانت مها تتقصى في أرجاء القصر، تبحث عن أي دليل أو تشابه للرموز الموجودة في المخطط. أما السيدة فاطمة، فقد بدأت بلقاءات متفرقة مع بعض أعيان القرية، الذين كانوا يحملون ذاكرة طويلة، لكنها لم تسفر عن معلومات واضحة، بل مجرد همسات عن "قصص قديمة" و"لعنات نائمة".
في إحدى الأمسيات، وبينما كانت مها تتفقد أحد الأقبية المنسية في الجناح الغربي، شعرت بنفس البرودة التي كانت تشعر بها في الليالي الأولى. كان القبو مظلمًا، مليئًا بالبراميل الفارغة، والأدوات الصدئة، ورائحة التراب الرطب. حملت الشمعة، وتقدمت بحذر.
فجأة، سمعت صوتًا. لم يكن صوتًا بشريًا، بل كان أشبه بالهمهمة، أو الأنين الخافت. جاء الصوت من زاوية مظلمة، خلف كومة من الصناديق الخشبية القديمة.
"من هناك؟" قالت بصوت مرتجف، لكنها حاولت أن تبدو قوية.
لم يأتِ رد، سوى استمرار الأنين، الذي أصبح الآن أكثر وضوحًا، وأكثر حزنًا. بدأت مها تشعر بقشعريرة تسري في جسدها. كان الصوت يتلاعب بأعصابها، كأنه يحاول استنزاف طاقتها.
اقتربت بحذر شديد، ومدت الشمعة نحو مصدر الصوت. بدأت ترى شيئًا. ليس جسدًا، بل ظلًا، ظلًا كثيفًا، يتحرك ببطء، كأنه ينساب من الجدار. كان الظل يبدو وكأنه يرتدي ثيابًا قديمة، ويتلوى في حزن عميق.
"أرجوك، من أنت؟" كررت، وقلبها يكاد يتوقف.
فجأة، تحول الظل، بشكل مفاجئ، إلى شكل شبه بشري، لكنه كان مشوهًا، وملتويًا، وعيناه فارغتان. ارتفعت منه همهمة غاضبة، أشبه بالزمجرة. شعرت مها بأنها في خطر حقيقي.
استدارت لتهرب، لكنها تعثرت في صندوق خشبي، وسقطت على الأرض. تناثرت الشمعة، وغرق القبو في ظلام دامس. سمعت صوت أنين يقترب، وصوت احتكاك غريب على الأرض.
"يا رب! يا لطيف! يا قوي!" صرخت، وهي تحاول النهوض.
فجأة، شعرت ببرودة شديدة، أشبه بلمسة جليد، تلامس ذراعها. لمست شيئًا باردًا، زلقًا، كأنه جلد ميت. ثم شعرت بقوة تسحبها نحو الظلام.
"ابتعد عني!" صرخت، بكل ما أوتيت من قوة.
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا آخر، صوتًا مألوفًا. "مها!"
كان فواز. لقد وصل.
بينما كان الظل يقترب منها، رأى فواز وهج الشمعة التي سقطت، وتوجه نحو مصدر الصوت. وجد مها تتخبط في الظلام، والشيء المخيف يقترب منها.
لم يتردد فواز للحظة. استجمع كل قوته، واندفع نحو مها، محاولًا دفع الشيء بعيدًا عنها. شعر ببرودة شديدة، وبقوة مقاومة لم يتوقعها.
"ابتعد عنها!" صرخ فواز، وهو يحاول صد هجوم الظل.
كانت مها تشعر بأن الهواء يختنق في رئتيها. لم تكن ترى شيئًا، لكنها كانت تشعر بوجود الظل، وبالحرب التي يخوضها فواز.
"فواز! انتبه!" صرخت.
بعد صراع قصير، ولكنه مرعب، شعر فواز بقوة الظل تتراجع. استطاع أن يسحب مها بعيدًا عن الزاوية. استعادا الشمعة، وأشعلاها مرة أخرى.
في ضوء الشمعة، لم يروا شيئًا. اختفى الظل. لم يترك وراءه سوى الشعور بالبرودة، والرائحة الغريبة، والخوف العميق.
"هل أنتِ بخير؟" سأل فواز، وهو يحتضنها بقوة.
كانت مها ترتجف، وعيناها مليئتان بالدموع. "نعم... نعم، أعتقد ذلك."
"ماذا كان هذا؟" سأل فواز، وهو ينظر حوله.
"لم أعرف. كان... كان شيئًا غريبًا. ظلًا، يتشكل، ثم... ثم هاجمني." قالت مها، وهي لا تزال تشعر ببرودة اللمسة على ذراعها.
"هذا تأكيد لما كنا نفكر فيه." قال فواز، بصوت فيه الكثير من القلق. "هناك حقًا قوى تعمل في هذا القصر."
"لقد شعرت بأنه يحاول أن يخبرني شيئًا. كان حزنه عميقًا، ثم تحول إلى غضب."
"ربما هو أحد 'الأرواح العالقة' التي تحدثت عنها والدتي." قال فواز. "ربما هو مرتبط بالمكان الذي تحدثنا عنه، بالمخططات."
"ولكن لماذا يهاجمني؟" سألت مها.
"ربما لأنه يرى أنكِ تحاولين كشف الأسرار. ربما يخشى أن يتم تحريره، أو أن يتم كشف ما يحاول حمايته."
عادوا إلى غرفتهم، وقلبهم مثقل بالخوف. كانت هذه التجربة قد أكدت لهم أن التهديد حقيقي، وأنهم ليسوا مجرد أشباح، بل قوى لديها نوايا، وقادرة على الإيذاء.
في الأيام التالية، حاول فواز تسريع بحثه عن الخبير. في النهاية، وجد شخصًا، عالم آثار متقاعد، لديه خبرة واسعة في اللغات القديمة، وله سمعة بأنه قادر على فك رموز النصوص الغامضة.
كان العالم، الدكتور إبراهيم، رجلاً كبير السن، ذكيًا، وله عينان ثاقبتان. عندما عرض عليه فواز الكتاب القديم، تفحصه بعناية فائقة، ثم هز رأسه.
"هذه اللغة... نعم، لقد رأيت شيئًا مشابهًا في نقوش قديمة جدًا. إنها لغة تم استخدامها من قبل سلالات قديمة، ربما قبل آلاف السنين. كانت تستخدم في طقوس سرية، ولحماية أماكن مقدسة."
"وهل يمكنك فهمها؟" سأل فواز، بأمل.
"يمكنني محاولة. لكنها ستستغرق وقتًا. إنها لغة معقدة، مليئة بالرمزية."
بدأ الدكتور إبراهيم عمله. كان يقضي ساعات طويلة في دراسة الكتاب، ويقارن الرموز بما يعرفه من نقوش أخرى. مها وفواز كانا ينتظران بفارغ الصبر، لكنهما كانا يعلمان أنهم يجب