الجن المسلم الجزء الثالث
همسات الليل وصراع الروح
بقلم سامر الخفي
كان الليل قد أرخى سدوله على قرية "الزيتون" الهادئة، وكأنما السماء نثرت عليها غطاءً من الحرير الداكن المرصع بآلاف النجوم المتلألئة. في هذا السكون المهيب، لم يكن السكون حقاً إلا قناعاً يخفي تحته اضطرابات لم يعهدها أهل القرية من قبل. داخل منزل الحاج أحمد، حيث تجمعت العائلة في صالة الاستقبال ذات الأثاث العربي التقليدي، كان الهواء مشبعاً بترقب ثقيل. جلست فاطمة، ابنة الحاج، متكئة على وسادة مطرزة، وعيناها واسعتان تلحظان كل حركة وكل همسة. كان وجهها شاحباً، وقد انحسر عنه لون الحياة الذي كان يكسوه في الأيام العادية.
"لم أعد أطيق هذا الخوف يا أبي"، قالت بصوت خافت، ارتجف قليلاً في منتصف الجملة. "كلما أغمضت عيني، أرى تلك الظلال تتحرك، وأسمع تلك الهمسات التي تلتف حولي كالأفاعي."
أمسك الحاج أحمد بيدها برفق، وشعر ببرودة لا تليق بجلد شاب. "اهدئي يا ابنتي. إن الله معنا، ولن يتركنا. هل حدث شيء جديد منذ الأمس؟"
"لا أعرف. كأن الأمر كامناً، لكنه يزداد قوة. شعرت بشيء يقترب، كأنه يتنفس خلف جدار غرفتي. لم يكن هواءً عادياً، بل كان بارداً، ثقيلاً، يحمل رائحة غريبة، كرائحة التراب الرطب الذي لم تمسه الشمس منذ سنين."
تنهد الحاج أحمد بعمق، وهو ينظر إلى زوجته، أم علي، التي كانت تعد القهوة بيديها المرتعشتين. كانت هي الأخرى تعيش حالة من القلق المستمر، لكنها كانت تحاول أن تبدو قوية من أجل عائلتها.
"ربما تحتاجين إلى رؤية طبيب يا فاطمة"، اقترح والدها، محاولاً أن يجد تفسيراً منطقياً لما يحدث. "الضغوطات النفسية قد تسبب لكِ هلاوس."
"بل هو ليس هلوسة يا أبي!" قاطعه صوت قوي جاء من ناحية الباب. كان خالد، شقيق فاطمة، قد دخل للتو. كان يرتدي ملابس بسيطة، لكنه كان يحمل في عينيه شيئاً من التصميم والإصرار. "لقد رأيت بعيني ما لم تره أنت. تلك المخلوقات ليست من صنع الخيال. رأيتها تتحرك في الظلام، كأنها جلود شفافة تلتف حول فراغ."
استدار الحاج أحمد نحو ابنه. "وماذا رأيت بالتحديد يا خالد؟"
"رأيتها قرب النخلة العتيقة، عند حافة البئر المهجورة. كانت تتشكل وتتلاشى. ولم تكن وحدها. كانت هناك أخرى، أصغر حجماً، ترقص حولها كأنها جنود صغار. ورأيت شيئاً لامعاً في يد إحداها، كأنه خنجر مصنوع من الضوء الباهت."
ازدادت علامات القلق على وجه الحاج أحمد. كان يعلم أن ابنه ليس من النوع الذي يختلق القصص. "وهل حاولت الاقتراب؟"
"حاولت، لكنني شعرت بقوة تدفعني للخلف، كأن الأرض نفسها ترفض اقترابي. ثم سمعت صوتاً، لم يكن كلاماً، بل كان أشبه بصرير الأبواب القديمة، ممزوجاً بصوت الريح العاتية، لكنه لم يكن ريحاً. كان صوتاً خرج من مكان عميق، يحمل في طياته غضباً قديماً."
ارتسمت على وجه أم علي علامات خوف لم يعد بإمكانها إخفاؤه. "يا إلهي! وماذا نفعل الآن؟ هل نبلغ الشرطة؟"
"لا أظن أنهم سيفهموننا يا أم علي"، أجاب الحاج أحمد بصوت هادئ، لكنه كان يحمل عبء القرار. "هذا أمر يتجاوز فهمهم. علينا أن نبحث عن حل بأنفسنا. ربما علينا استشارة شيخ القرية. إنه رجل تقي، ويعرف عن هذه الأمور أكثر منا."
كانت كلمات الحاج أحمد تحمل في طياتها إرادة لم تغب عن عيني فاطمة. في خضم الخوف الذي كان يعتريها، كان هناك بصيص أمل ينمو في داخلها. لم تكن وحدها في مواجهة هذا الظلام. كان هناك من يحميها، ومن يناضل معها.
بينما كانت العائلة تناقش خطوتها التالية، كان في الخارج، في زقاق ضيق مظلم، يقف شاب في مقتبل العمر. كان يرتدي جلابية داكنة، وقبعته تتدلى لتخفي معظم وجهه. كان اسمه سالم. كان سالم يعمل في السوق، لكن خلف تلك الواجهة البسيطة، كان يخفي سراً كبيراً. كان يعلم عن هذه الظواهر أكثر من أي شخص آخر في القرية. لقد عاصرها في صغره، وكان لديه معرفة بطرق مواجهتها، ولكن كانت هناك لعنة قديمة تربطه بأحد هذه الجن.
وقف سالم يستمع إلى حديث عائلة الحاج أحمد من بعيد، وكان يعرف أن ما يقولونه ليس محض خيال. لقد شعر هو الآخر بالاضطراب الذي انتشر في القرية. كانت تلك الهمسات التي تسمعها فاطمة، هي نفسها التي بدأت تتردد في أذن سالم أيضاً. ورأى تلك الظلال التي وصفها خالد، وهي تراقص الأشباح في زوايا عينيه.
"يجب أن أتحرك"، تمتم سالم لنفسه. "هذا الأمر بدأ يتجاوز حدوده. إذا لم يتم إيقافه، فقد يمتد ليطال الجميع."
ثم مضى سالم في طريقه، متوغلاً في الظلام، تاركاً وراءه صراعاً جديداً على وشك البدء. كانت روح فاطمة تحتضر تحت وطأة الخوف، وروح سالم كانت تستيقظ لمواجهة عدو قديم. والأدهى من ذلك، أن شيئاً ما كان يتحرك في الظلام، يتحين الفرصة، ويتغذى على خوف الأبرياء. كان ذلك الشيء، الذي أشار إليه خالد، يحمل في يديه نوراً باهتاً، ولكنه نور لا يبشر بالخير.
كانت تلك الليلة طويلة، مليئة بالأسئلة والقلق. في منزل الحاج أحمد، بدأت العائلة في صلاة الاستخارة، طالبة الهداية والنجاة. في خارج المنزل، كان سالم يجمع ما لديه من معرفة، محاولاً فك رموز ما يحدث. وفي أعماق الظلام، كانت قوى أخرى تتشكل، استعداداً لمواجهة ستحدد مصير القرية بأسرها. لم يكن الأمر مجرد خوف، بل كان صراعاً بين النور والظلام، بين الإيمان والشر.
انتهت ليلة فاطمة الأولى بمحاولة للنوم، لكن نومها كان متقطعاً، مملوءاً بكوابيس تداخلت فيها وجوه مخيفة مع أصوات وهمسات لم تفهم معناها. كلما شعرت بأنها على وشك الغرق في نوم عميق، كانت تستيقظ على صوت قلبها يدق بعنف، وعلى شعور بأن شيئاً ما يقف فوق سريرها، يحدق بها ببرد. في إحدى هذه اللحظات، فتحت عينيها ببطء، ورأت خيالاً غريباً يتمايل عند حافة الغرفة. لم يكن بشراً، ولم يكن حيواناً. كان أشبه بقطعة قماش سوداء تتشكل وتتلاشى، لكنه كان يحمل في جوهره بريقاً أحمر خافتاً، كنار تتأجج في الظلام. تجمعت في حلقها شهقة، لكنها لم تستطع إطلاقها. شعرت بشلل يمنعها من الحركة، ويجمد دمها في عروقها.
ثم، كأنما استجاب صمتها، بدأ الخيال في التحرك نحوها. لم يكن يمشي، بل كان ينساب. ورأت شيئاً يلمع في يده، شيء يشبه السيف، لكنه لم يكن من المعدن. كان يتألق بضوء أزرق مخيف، أشبه بضوء القمر في ليلة عاصفة. تقدم نحوها، والهمسات التي كانت تسمعها بدأت تعلو، تتشكل حوله كأنها هالة من الشر.
"أيتها الضعيفة..." همس صوت بدا وكأنه قادم من كل مكان في الغرفة في آن واحد. "أيتها الروح المتعبة... أنتِ ملك لنا."
ارتعشت فاطمة، وشعرت ببرودة تنبعث من الخيال. لكن في لحظة اليأس تلك، استحضرت ما علمها إياه والدها عن قوة الإيمان. بدأت تردد في سرها آيات من القرآن، آيات الحماية، آيات النصر. "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..."
وفجأة، وبينما كان الخيال يقترب منها، اهتزت الغرفة بأكملها. ثم سمعت صوتاً قوياً، صوتاً لم يكن صوت شر، بل كان صوتاً يحمل القوة والحماية. صوت رجل.
"ابتعد عنها أيها اللعين!" صاح الصوت.
استدار الخيال، الذي بدا أنه تفاجأ بهذا التدخل. ثم رأيت شبحاً آخر، أقوى وأكثر إشراقاً، يتجسد أمام فاطمة. كان رجلاً يرتدي ثياباً بيضاء، ويتسلح بسيف ينبعث منه نور ذهبي.
"أيها الخبيث"، قال الشبح الأبيض بصوت قاطع. "لن تصل إليها. روحها أسمى من أن تقع في براثنك."
اندلع صراع في الغرفة. كان الخيال الأسود يحاول الوصول إلى فاطمة، بينما كان الشبح الأبيض يحاول صده. تحولت الغرفة إلى ساحة معركة خفية، حيث تتصادم الأطياف وتتطاير الشرارات. سمعت فاطمة أصواتاً متصاعدة، أشبه بصوت امتزاج المياه بالنار، وأصوات صراخ خافتة ممزوجة بأصوات هدير.
ثم، كأنما انتصر النور، بدأ الخيال الأسود في التراجع، متلاشياً ببطء، تاركاً وراءه رائحة كريهة. اختفى الشبح الأبيض بنفس السرعة التي ظهر بها، تاركاً الغرفة تعود إلى سكونها المشوب بالخوف.
ظلت فاطمة مستلقية، وقلبها يخفق بعنف. كانت تعلم أنها لم تكن وحدها. كان هناك من يدافع عنها. لكن من كان هذا المدافع؟ ومن كان ذلك الخيال الأسود الذي حاول إيذائها؟ هذه الأسئلة ظلت تدور في رأسها، تشعل فتيل فضول ممزوج برعب لم تشعر به من قبل.