الجن المسلم الجزء الثالث
ضوء في قلب الظلام
بقلم سامر الخفي
استيقظت قرية "الزيتون" على نسيم الصباح المعتاد، لكنها لم تكن تحمل معه الهدوء الذي طالما عرفته. كان الخوف قد تسلل إلى قلوب أهلها، وبات شبح الليل الطويل يلقي بظلاله على النهار. في منزل الحاج أحمد، كانت فاطمة تجلس مع والدتها، وقد استيقظت مبكراً، عيناها لا تزالان تشعان بقلق أمس، لكن مع لمحة من تصميم جديد.
"لا أستطيع أن أبقى حبيسة هذا الخوف يا أمي"، قالت بصوت ثابت، أقوى مما كان عليه في الأيام السابقة. "ما رأيته الليلة الماضية... لم يكن حلماً. لقد كان واقعاً. ورأيت أن هناك من يقف في وجه هذا الشر. يجب أن نعرف من هو، وكيف يمكننا الحصول على مساعدته."
نظرت أم علي إليها بحنان وقلق. "لا تقلقي يا ابنتي. إن الله معنا. وقد قال أبوك إنه سيذهب إلى شيخ القرية اليوم."
"نعم، ولكن هل سيكون الشيخ وحده كافياً؟" تساءلت فاطمة. "ما رأيته كان قوياً. كان يحتاج إلى قوة أخرى لمواجهته. قوة تبدو وكأنها خرجت من عالم آخر."
خرج الحاج أحمد من غرفته، وقد أعد نفسه للخروج. كان يرتدي ثوبه الأبيض وعليه مشيته الواثقة، لكن عينيه كانتا تحملان عبء التفكير. "صباح الخير. هل استيقظتن مبكراً؟"
"صباح النور يا أبي"، أجابت فاطمة. "كنت أفكر في ما حدث الليلة الماضية. هل تعتقد أن شيخ القرية يمكنه مساعدتنا؟"
"لا أدري يا ابنتي"، أجاب الحاج أحمد بصراحة. "شيخ عبد الله رجل صالح، وعالم بدينه. لكن ما نواجهه قد يكون أمراً خارقاً للعادة. سأستشيره، وسأرى ما لديه من معرفة. في هذه الأثناء، ابقين في المنزل. ولتتجنب فاطمة الخروج وحدها."
بعد أن صلى الحاج أحمد الفجر، اتجه نحو منزل شيخ القرية، عبد الله، الذي كان منزله يقع على أطراف القرية، محاطاً ببعض أشجار الزيتون القديمة، وشعاع الشمس الذهبي بدأ يداعبه. كان الشيخ رجلاً طاعناً في السن، لكنه كان لا يزال يتمتع بصحة جيدة، وعيناه تحملان بريق الحكمة.
"أهلاً بك يا حاج أحمد"، قال الشيخ بصوته الهادئ والعميق. "رأيت في المنام الليلة الماضية أن هناك اضطراباً قادماً إلى قريتنا. هل بلغتك همسات من الشر؟"
فوجئ الحاج أحمد بسؤال الشيخ. "كيف علمت يا سيدي؟ بالفعل، تعاني ابنتي فاطمة من رؤى مخيفة، وشعرت بها تتحرك في غرفتها."
جلس الشيخ، وأشار للحاج أحمد بالجلوس أمامه. "هذه الأيام، ليست أياماً عادية. بدأت الأرواح الشريرة تستيقظ. هناك ضعف في حاجز الأرواح، بسبب بعض الأعمال التي تمت هنا في الماضي. وأرى أن هناك روحاً شريرة قديمة، قديمة جداً، بدأت تحاول التغلغل في هذا العالم."
"هل تقصد تلك الظلال التي وصفها ابني خالد؟" سأل الحاج أحمد.
"بل وأكثر من ذلك"، أجاب الشيخ. "هذه الروح تسعى للامتلاك، ولنشر الفساد. وهي تنجذب إلى النفوس الضعيفة، والقلوب المتعبة. وابنتك، يا حاج أحمد، تحمل في روحها نقاءً كبيراً، لكن هذا النقاء يجعلها هدفاً سهلاً."
"وماذا عن تلك القوة التي ظهرت للدفاع عنها؟" سأل الحاج أحمد. "هل هي من عالمنا؟"
"لا أعرف بالتحديد"، قال الشيخ وهو يفرك لحيته البيضاء. "ولكنها لم تكن من الأرواح الشريرة. يبدو أنها روح قوية، ربما من جن صالح، أو حتى روح شهيد. هذه الأرواح تمتلك قوة عظيمة، ولكنها لا تظهر إلا للضرورة القصوى."
"وهل يمكننا الاستعانة بها؟" سأل الحاج أحمد بأمل.
"لا يمكننا استدعاؤها بالقوة"، أجاب الشيخ. "ولكن يمكننا العمل على تقوية أنفسنا، وتقوية حاجز الحماية حول القرية. علينا أن نعود إلى الله، وأن نتمسك بديننا. وأن نبدأ بعمل تطهير شامل لكل الأماكن التي قد تكون مصدراً لهذا الشر."
"ماذا تقصد بالتطهير؟" سأل الحاج أحمد.
"علينا أن نذهب إلى البئر المهجورة، وإلى النخلة العتيقة التي ذكرتها"، أوضح الشيخ. "هناك قد تكون نقاط ضعف، أو بوابات قديمة. وعلينا أن نقرأ القرآن في تلك الأماكن، وأن نصلي. وأن نحرق بعض الأعشاب التي تطرد الأرواح الشريرة."
"هل أنت مستعد للذهاب معنا؟" سأل الحاج أحمد.
"بالتأكيد"، أجاب الشيخ. "ولكن نحتاج إلى مساعدة. نحتاج إلى أشخاص أقوياء، مؤمنين. ابني خالد، يبدو أنه قد شهد بعض هذه الأحداث. وهناك شاب آخر، أعتقد أن اسمه سالم، رأيته مؤخراً يتصرف بغرابة، كأنما لديه معرفة بما يحدث. هل تعرفه؟"
"سالم؟" فكر الحاج أحمد. "نعم، أعرفه. إنه شاب طيب، يعمل في السوق. لم أره قط يتحدث عن مثل هذه الأمور."
"ربما لديه ماضٍ يربطه بهذه الأرواح. أو ربما هو نفسه هدف لبعض هذه الأعمال." قال الشيخ. "سنجمعنا، وسنبدأ العمل. لكن علينا أن نتحرك بحذر. فالشر لا ينام."
وبينما كان الحاج أحمد يسير عائداً إلى منزله، كان يفكر في الكلمات التي سمعها. كانت الأمور أكثر تعقيداً مما كان يتخيل. لم يكن الأمر مجرد خوف عابر، بل كان صراعاً حقيقياً، صراعاً قديم.
في هذه الأثناء، كان سالم، الشاب الذي تحدث عنه الشيخ، يسير في أزقة القرية المتعرجة. كان يشعر وكأن الهواء حوله يئن. كانت الهمسات التي سمعتها فاطمة، قد تحولت بالنسبة له إلى أصوات واضحة، أصوات تتحدث إليه بلغة قديمة، لغة الشر. لقد كان يحاول جاهداً تجاهلها، ولكنها كانت تزداد قوة.
"لماذا اخترتني؟" تمتم سالم لنفسه، وهو يمسك برأسه. "لماذا تريدون إزعاجي؟ لقد تركت ذلك العالم منذ زمن."
فجأة، شعر بشيء يلامس كتفه. استدار بسرعة، ليجد أمامه شخصاً غريباً. كان رجلاً داكن البشرة، يرتدي ثياباً ممزقة، وعيناه كانتا تشتعلان ببريق أحمر.
"تتكلم عن تركه؟" سخر الرجل الغريب بصوت خشن، أشبه بصوت حجارة تحتك ببعضها. "لقد ولدتم منه، وسوف تعودون إليه. ونحن، يا سالم، لم نتركك أبداً."
شعر سالم برعشة تسري في جسده. لقد تعرف على هذه الروح. كانت هي نفس الروح التي كانت تطارده منذ صغره، الروح التي كان له معها صلة وثيقة، صلة ملعونة.
"ماذا تريد مني؟" سأل سالم، محاولاً إظهار القوة، رغم الخوف الذي كان يعتصر قلبه.
"نحن نريد العالم كله، يا سالم. ونريد أن نعود إليه. وبدأنا بالضعفاء. وبدأنا بمن يعرف أسرارنا." قال الرجل الغريب، واقترب منه أكثر. "وأنت، يا سالم، لديك معرفة. معرفة يمكننا أن نستغلها. أو ربما، يمكنك أن تساعدنا في إيجاد بوابة العودة."
"لن أساعدكم أبداً"، قال سالم بحزم. "لقد تبت، ولن أعود إلى ما كنت عليه."
"التوبة؟" ضحك الرجل الغريب بصوت عالٍ، أدى إلى اهتزاز الجدران المحيطة بهم. "هذا كلام يخدع به الضعفاء أنفسهم. نحن أبناء الظلام، والظلام هو مصيركم. ولن تفروا منه."
بدأ الرجل الغريب في التحول، جسده يتمدد ويتشوه، يتحول إلى شكل مخيف، أشبه بعناكب ضخمة سوداء. بدأ سالم في التراجع، وعيناه تبحثان عن مخرج. شعر بقوة سلبية تلتف حوله، تحاول إحكام قبضتها.
"هذه بداية جيدة"، قال الرجل الغريب، بينما كان يتشكل. "سنلتقي مرة أخرى، يا سالم. وسنرى من الذي سيصبح سيد من."
ثم، كأنما تراجع إلى العدم، اختفى الرجل الغريب، تاركاً سالم وحيداً في الزقاق، يلهث، وقلبه يدق بعنف، وعقله يضطرب. لقد فهم الآن. الشر كان يحاول استغلاله. ولن يستطيع مواجهته وحده. كان عليه أن يتحد مع الآخرين، حتى لو كان ذلك يعني كشف أسراره.
كانت تلك الليلة هي بداية التحول. فاطمة، التي كانت تتجرع مرارة الخوف، بدأت تشعر بقوة غامضة تحميها. خالد، الذي كان يراقب بصمت، بدأ يستشعر ضرورة التدخل. والحاج أحمد، والشيخ عبد الله، بدأوا في التحرك. وسالم، الذي كان يحمل عبء ماضيه، وجد نفسه مضطراً لمواجهة المستقبل.
كان الظلام يتجمع، ولكنه لم يكن مظلماً تماماً. كان هناك ضوء خافت، ضوء أمل، يولد من رحم المعاناة. وبدأ هذا الضوء، يشتعل ببطء، كشعلة قديمة، جاهزة لإضاءة الطريق.