الجن المسلم الجزء الثالث
النخلة العتيقة وهمسات الخيانة
بقلم سامر الخفي
عادوا من البئر المهجورة، والنفوس مثقلة بنذير الخطر. لم يكن الانتصار الذي حققوه في البئر نهاية المطاف، بل كان مجرد مقدمة لمعركة أكبر وأشد ضراوة. كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، تلقي بأشعتها الذهبية على قرية "الزيتون"، لكن هذه الأشعة لم تستطع تبديد الظلال التي بدأت تتسلل إلى القلوب.
في ساحة منزل الحاج أحمد، اجتمع الرفاق القلائل الذين يخوضون هذه المعركة. الحاج أحمد، بوقار يزداد مع كل يوم يمر. الشيخ عبد الله، بعينين تبصران أبعد من المادي. خالد، ببراءة الشباب الممزوجة بشجاعة مفاجئة. فاطمة، التي بدأت تشعر بنور داخلي يخفف من وطأة الخوف، وإن لم يزله تماماً. وسالم، الذي كشف عن بعض أسراره، وبدت عليه علامات تحمل عبء الماضي والحاضر.
"ما سمعناه عند البئر مقلق للغاية"، قال الحاج أحمد، وعيناه تبحثان عن إجابات في وجه الشيخ. "كلمات 'حليف أقوى'. من يا ترى يمكن أن يكون هذا الحليف؟"
"لا أعرف بالتحديد"، أجاب الشيخ عبد الله، وشعره الأبيض يتلألأ تحت أشعة الشمس. "ولكن ما رأيته عند البئر، تلك الأشلاء، ليست مجرد أرواح شريرة عادية. إنها أرواح تم سحقها، وتحطيمها، ثم استغلال قوتها. وهذا يدل على وجود قوة ما، تستطيع تدمير الأرواح واستخدامها كأدوات."
"وهل يمكن أن يكون هذا الحليف من عالم البشر؟" تساءلت فاطمة، بصوت ما زال يحمل بقايا ضعف، لكنها استعادت جزءاً من قوتها.
"ربما"، قال الشيخ. "ولكن غالباً ما تكون هذه القوى ذات ارتباطات بعالم الأرواح. قد يكون شخصاً يسعى للقوة، ويتعامل مع الجن المشركين، أو ربما يمتلك معرفة قديمة، تمكنه من السيطرة على هذه الكائنات."
"يجب أن نتوجه إلى النخلة العتيقة فوراً"، قال سالم، وقد استجمع شجاعته. "لقد رأيت تلك النخلة في أحلامي. أشعر أنها مركز للشر. وأن هناك شيئاً قوياً مختبئاً تحتها."
"أنت على حق يا سالم"، أكد الشيخ. "النخلة العتيقة هي من أقدم الأشجار في القرية، وقد تكون مدفونة في تاريخها أسرار قديمة. تعالوا معي. ولنأخذ بعض ما لدينا من أدوات طاردة للأرواح."
بدأت المجموعة تتحرك نحو حافة القرية، حيث تقف النخلة العتيقة، وحيدة، شامخة، لكنها تحمل في أغصانها السوداء همسات قديمة. كان الجو حولها مختلفاً، أكثر هدوءاً، ولكنه هدوء مخيف، كهدوء ما قبل العاصفة.
عندما اقتربوا، شعروا بأن الهواء حولهم أصبح بارداً جداً، رغم حرارة الشمس. وبدأت الأصوات تتردد في آذانهم، أصوات ضعيفة، تشبه أنين الأرواح.
"انتبهوا!" قال خالد، وهو يشير إلى الأرض حول جذع النخلة. "انظروا إلى الأرض."
كانت هناك علامات غريبة محفورة في التراب حول جذع النخلة، علامات لم تكن حروفاً عربية، بل كانت رموزاً غريبة، تشبه الأشكال الهندسية المعقدة، وكانت متصلة ببعضها البعض، كشبكة عنكبوتية.
"هذه رموز شيطانية"، قال الشيخ عبد الله، وهو ينظر إليها بقلق. "إنها تستخدم لفتح بوابات، أو لتقوية ارتباط الأرواح بالأرض."
"هل هذا يعني أن هذه النخلة مسكونة؟" سأل الحاج أحمد.
"ليست مجرد مسكونة يا حاج أحمد"، أجاب الشيخ. "إنها مركز. مركز لقوة ما. ويبدو أن هذا 'الحليف' الذي تحدث عنه الشر، قد وضع هنا بذرة قوته."
وبينما كانوا يتفحصون العلامات، شعر سالم بشيء يلامس ظهره. استدار بسرعة، ليجد... لا شيء. لكنه شعر بشعور غريب، كأن شخصاً ما يراقبه، يضحك بصمت.
"هل سمعت شيئاً؟" سأل خالد.
"لا"، أجاب سالم، وهو يحاول استعادة هدوئه. "ربما هو مجرد وهم."
لكن في داخله، كان يعرف أن الأمر ليس وهماً. لقد شعر بتلك اللمسة. وتلك الضحكة الخبيثة.
تقدم الشيخ عبد الله، وبدأ في تلاوة آيات من القرآن، آيات تطهير، وآيات حماية. وعندما بدأ في تلاوة سورة ياسين، شعروا بأن الأرض تحت أقدامهم تهتز.
"إنه يقاوم!" صاح الحاج أحمد. "القوة التي هنا قوية جداً."
وبدأ الدخان يتصاعد من تحت جذع النخلة، دخان أسود كثيف، يحمل رائحة كريهة. ثم، وسط الدخان، رأوا صورة ما. لم تكن أشلاء هذه المرة، بل كانت صورة شبه بشرية، تلبس ثياباً فاخرة، ولكن وجهها كان مشوهاً، كأنما تعرض لحروق شد