الجن المسلم الجزء الثالث

همسات الظلام وسر النقش العتيق

بقلم سامر الخفي

كان الليل قد أسدل ستاره على القرية، وقد توشحت البيوت بالسكون، ولم يبقَ إلا أصوات خافتة لبعض الكائنات الليلية، وصدى خطواتٍ وئيدةٍ تنبئ عن حركةٍ في زمن الركود. أحمد، بقلبٍ ينبضُ اضطراباً، فتح باب الغرفة التي احتلها الشبح لأيام، متسللاً كظله. لم يكن هدفه الاستكشاف بقدر ما كان ضرورةً ملحةً، فالحيرة قد أثقلت كاهله، والقلق على فاطمة قد بلغ به مبلغه.

الغرفة، التي كانت قبل أيامٍ تعجُّ بالبهجة العائلية، أصبحت الآن مسرحاً لطقوسٍ غريبةٍ وشعورٍ بالبرودة لا يمتُّ للطقس بصلة. الهواء كان كثيفاً، محملاً برائحةٍ غريبةٍ ممزوجةٍ بعبق البخور القديم، وشيءٍ آخر، شيءٌ لم يستطع تحديد ماهيته، لكنه كان ينذر بالشر. الأثاث، الذي بدا مرتباً في النهار، بدا الآن وكأنه قد أُزيحَ بفظاظة، وبعض الأوراق مبعثرةٌ على الأرض.

بدأ أحمد يبحث بحذر، كلُّ حركةٍ محسوبة، وكلُّ نفسٍ مكتومة. لم يكن خائفاً من المواجهة المباشرة، بقدر ما كان يخشى المفاجأة، تلك المفاجأة التي قد تخفي وراءها حقيقةً أشدُّ رعباً مما يتخيل. لامسَ طرفَ أصابعهِ طاولةً خشبيةً قديمة، وقد انبعث منها بريقٌ خافتٌ من تحتِ كومةٍ من الكتبِ المكدسة. انحنى ببطء، وأزاحَ الغبارَ المتراكم، ليكتشفَ كتاباً جلديّاً عتيقاً، بدا وكأنه يعودُ إلى أزمنةٍ سحيقة.

لم تكن صفحاته من ورقٍ عادي، بل كانت من مادةٍ شبيهةٍ بالجلد، عليها نقوشٌ غريبةٌ وحروفٌ لم يألفها. كانت الكتابةُ بلغةٍ قديمةٍ، متعرجةٍ، تشبهُ الرموزَ التي رآها على حائطِ المطبخِ في تلك الليلةِ المشؤومة. بدأ يتقلبُ الصفحات، وكلَّما قلَّبَ صفحةً، شعرَ بقشعريرةٍ تسري في جسده، وهاجسٌ قويٌّ بأن هناكَ ما هو أكثرُ من مجردِ أشباحٍ أو مسٍّ.

وفجأة، توقفت عيناه عند صفحةٍ معينة، بدت عليها علاماتُ الاستخدامِ الكثيف، وعلى هامشها رسمٌ دقيقٌ لقلادةٍ فضيةٍ. كانت القلادةُ نفسها التي ترتديها والدتهُ، والتي لم يراها منذُ طفولته. شعرَ بدقاتِ قلبهِ تتسارعُ، وبأن عقلهُ بدأ يربطُ خيوطاً متفرقةً بدأت تتكشفُ أمامه.

كانت النقوشُ على تلك الصفحةِ تتحدثُ عن "البواباتِ المنسية"، وعن "الكائناتِ العابرةِ بين العوالم"، وعن "العهدِ الذي كُسرَ". كانت لغةً رمزيةً، لكنها كافيةٌ لتوقظَ فيهِ رعباً عميقاً. كان يتحدثُ عن أرواحٍ لم تجدْ لها قراراً، عن بواباتٍ تُفتحُ بنوايا سوداء، وعن لعناتٍ تسري عبرَ الأجيال.

ثم، وبينما كان يتعمقُ في فهمِ الكلماتِ الغامضة، وقعَ بصرهُ على اسمٍ متكررٍ في الصفحة، اسمٌ بدا مألوفاً بشكلٍ مرعب. إنه اسمُ جدِّهِ، الشيخُ عبد الرحمن. لم يكن الأمرُ مجردَ مصادفة، فالجدُّ كانَ رجلاً صالحاً، معروفاً بتقواه، لكن هذهِ الكتاباتِ بدت تتحدثُ عن شيءٍ آخر، عن سرٍّ دفينٍ، وعن ثمنٍ باهظٍ دفعهُ في الماضي.

مع كلِّ كلمةٍ يقرؤها، كانَ الخيطُ الرفيعُ الذي يربطُ أحداثَ الأمسِ بالحاضرِ يتشددُ. هل كانَ الجدُّ متورطاً في شيءٍ؟ وهل كانَ هذا الارتباطُ سبباً في ما يحدثُ لعائلتهِ الآن؟ الأسئلةُ تتوالى، والواقعُ يزدادُ تعقيداً، ويتطلبُ منهُ مواجهةً أعمقَ وأخطرَ مما كانَ يتصور.

لم يكدْ ينهي قراءةَ الصفحةِ حتى شعرَ بأن الهواءَ المحيطَ بهِ يزدادُ برودةً، وبأن الظلالَ بدأت تتحركُ في زوايا الغرفةِ بطريقةٍ غيرِ طبيعية. سمعَ همساً خافتاً، بدأ من بعيدٍ ثم اقتربَ، يتسللُ إلى أذنيهِ كأنما هوَ حديثُ الأشباحِ نفسِها. همساتٌ بلغةٍ لا يفهمها، لكنها تحملُ نبرةً تهديديةً، وكأنها تحذرهُ من الاقترابِ أكثر.

في هذهِ اللحظةِ بالذات، رأى أحمدُ شيئاً لم يكنْ يتوقعهُ أبداً. فوقَ المرآةِ القديمةِ في الغرفة، ظهرَ نقشٌ مضيءٌ باللونِ الأزرقِ الداكن، كانَ يشبهُ الرمزَ الموجودَ في الكتابِ بالضبط. النقشُ بدأ يتمددُ ويتشكلُ، وكأنما هوَ بوابةٌ بدأت تفتحُ ببطء. شعرَ بالخوفِ يزحفُ إلى عروقه، لكنه في الوقتِ نفسهِ شعرَ بتحدٍّ يشتعلُ في داخله.

لم يعدْ هذا مجردَ خوفٍ من الظواهرِ الخارقة، بل أصبحَ خوفاً من حقيقةٍ داكنةٍ تمسُّ تاريخَ عائلتهِ. لم يكنْ هناكَ مجالٌ للفرارِ أو التجاهل. لقد بلغَ الأمرُ نقطةً لا رجعةَ فيها. يجبُ عليهِ أن يعرفَ الحقيقةَ كاملةً، مهما كانَ الثمن.

فجأةً، انطفأَ الضوءُ الخافتُ الذي كانَ يتسللُ من النافذة، وأصبحَ الظلامُ دامساً. لم يبقَ سوى وهجُ النقشِ الأزرقِ فوقَ المرآة، والهمساتُ التي أصبحتْ أعلى وأكثرَ وضوحاً، تحملُ في طياتها وعوداً بالانتقامِ والألم. شعرَ أحمدُ بأن وجوداً قوياً وغيرَ مرئيٍّ يراقبهُ، وأن الحقيقةَ التي يبحثُ عنها ليستْ مجردَ أحداثٍ ماضية، بل هيَ كيانٌ حيٌّ يسعى للخروجِ من ظلمتِهِ.

لم يكنْ لديهِ أدواتٌ للدفاعِ سوى إيمانهِ وصبرهِ. تذكرَ آياتِ القرآنِ الكريمِ التي يحفظها، وبدأَ يتمتمُ بها بصوتٍ خفيضٍ، في محاولةٍ لصدِّ هذا الشرِّ الذي بدأَ يتجسدُ حوله. شعرَ بأن هناكَ خياراً واحداً أمامه: إما أن يستسلمَ للخوفِ والجهل، أو أن يواجهَ ما هوَ قادمٌ بكلِّ ما أوتيَ من قوةٍ وعزيمة.

في تلكَ اللحظةِ الفاصلة، حيثُ تتداخلُ أصواتُ الهمساتِ معَ تسارعِ دقاتِ قلبه، وحيثُ يتجسدُ الرمزُ الأزرقُ أمامَ عينيهِ، أدركَ أحمدُ أن هذاَ هوَ التحديُّ الأكبرُ في حياتهِ. لقد فتحَ البابَ على مصراعيه، ولم يعدْ هناكَ مجالٌ للتراجع. سرُّ النقشِ العتيقِ بدأَ يكشفُ عن وجههِ الحقيقي، وكانَ وجههَ قاسياً ومخيفاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%