الجن المسلم الجزء الثالث

الصراع في أروقة الزمن

بقلم سامر الخفي

التفتت بقوة، محاولاً تحديد مصدر اليد التي لامستني. كان الظلام لا يزال كثيفاً، لكنني بدأت أرى بوضوح أكبر، وكأن عيني تكيفت مع قلة الضوء. الرجل الذي وقف أمامي كان طويل القامة، يرتدي جلابية عربية داكنة، ووجهه مخفي في ظل قبعته. لكن ما لفت انتباهي حقاً كان عينيه. كانت تبدو وكأنها تعكس نور النجوم، تحملان حكمة سنين لا تعد، وصبرًا قديمًا.

"من أنت؟" كررت سؤالي، لكن هذه المرة بصوت أكثر ثباتاً، ممزوجاً بالفضول والخوف.

"أنا عبد الله. حارس هذا المكان. وأنت، أنت حفيد من ترك لنا أمانة." قال بصوت عميق، هادئ، كأنه يردد أصداء الماضي.

"أمانة؟ أي أمانة؟"

"أمانة حماية هذا البيت، وحماية من يسكنه من قوى لا ترى بالعين المجردة." أشار بيده إلى زاوية مظلمة من الغرفة، حيث كانت الأشكال تتكثف، وتتلوى. "هؤلاء هم. لقد استيقظوا. ويريدون ما لنا."

"يريدون ماذا؟"

"يريدون الروح. يريدون الشر. لقد استيقظوا بسبب خطأ، خطأ قديم، استغلوا ضعفه ليستيقظوا."

تذكرت الرسالة الغريبة، الرموز، كلماتها الموحشة. "هل تقصد الرسالة التي وصلت؟"

أومأ برأسه. "الرسالة هي نداء لهم. مفتاح لفتح الباب الذي كان مغلقاً."

بدأ نور المصباح المكسور يومض مرة أخرى، وكأن قوة خفية تعيده للحياة. لكنه لم يكن سوى وهج باهت، بالكاد يكشف عن تفاصيل الغرفة. رأيت الأثاث القديم، المغطى بالأتربة، والكتب المكدسة على الرفوف، تبدو وكأنها تحمل أسرارًا دفينة. وفي وسط كل هذا، كانت الأشكال تزداد وضوحاً، كأنها تستمد قوتها من انطفاء النور.

"هذا ليس وقتاً للأسئلة، يا ولدي." قال عبد الله، ويده لا تزال على كتفي، تبعث في نفسي شعوراً بالأمان رغم الظروف. "لقد أيقظت شيئاً، وعلينا أن نواجهه. إنهم يسعون إلى ما يخصكم، إلى ما ورثتموه. إنهم يسعون إلى دماركم."

"ولكن كيف؟ كيف يمكنني أنا، مجرد إنسان، أن أواجه كل هذا؟"

"بالإيمان، يا ولدي. بالإيمان والعزيمة. أنت تحمل في دمائك نور أسلافك، نور من كان يتلو آيات الله ويحمي بيته. هذا النور كافٍ ليطرد الظلام، إذا أحسنتم استخدامه."

شعر قلبي بنبضة غريبة. هل يمكن أن يكون جدي، ذلك الرجل الصالح الهادئ، قد ترك وراءه إرثاً بهذا الحجم؟ إرث يتجاوز عالمنا المألوف؟

"لقد ترك لك كتاباً، يا ولدي." قال عبد الله، وكأنه يقرأ أفكاري. "كتاباً فيه كل ما تحتاج. تعويذات، وآيات، وأدعية. إنه يسمى 'زاد المؤمن في دروب الغيب'."

"أين أجده؟"

"في المكان الذي لا يبحث فيه أحد. في قلب الظلام. في مكتب جده، خلف اللوح الخشبي الذي يحمل نقشاً غريباً."

نظرت إليه. هل كان يقصد اللوح الذي كان دائماً ما يثير فضولي؟ اللوح الذي كان جدي يقضي وقتاً طويلاً أمامه، يمسحه ويلمعه؟

"عليك أن تجده قبل أن يستقروا. قبل أن يستوطنوا هذا المكان. إنهم يزدادون قوة كلما طال ظلامهم."

بدأت الأشكال تتحرك نحوي. لم تعد مجرد ظلال، بل بدت كأجساد شفافة، تتحرك بانسيابية مرعبة. شعرت برياح باردة تلف جسدي، وكأنها تحاول امتصاص دفء حياتي.

"لا تخف." قال عبد الله، وصوته الآن أقوى، يحمل نبرة سلطة. "سأساعدك. لكن القرار بيديك."

"ماذا علي أن أفعل؟"

"عليك أن تعود إلى مكانك. تجمع ما لديك من إيمان، وتتلو ما تعلمت. وعند الفجر، سنقوم بما يجب."

"ولكن هؤلاء... هل هم من الجن؟"

"هم من يسعون إلى إفساد الأرض. هم من يتبعون إبليس. إنهم قوى الشر التي حذرنا منها ديننا."

شعرت برعشة تسري في جسدي. كنت أقف على عتبة عالم لم أعرفه، عالم مليء بالأخطار، ولكنه أيضاً عالم فيه قوة لا تخطر على بال. العالم الذي ورثته.

"أنا مستعد." قلت، وأنا أحاول أن أجمع شجاعتي.

"جيد. الآن، اذهب. لكن كن حذراً. إنهم يراقبونك."

خرجت من الغرفة، بخطوات سريعة، لكنها محسوبة. في كل خطوة، كنت أشعر ببرودة تتزايد، وكأن الجدران نفسها أصبحت باردة، تتنفس البرد. عدت إلى غرفتي، قلبي لا يزال يدق بعنف. لم أكن مجرد شاب عادي، بل كنت الآن طرفاً في صراع قديم، صراع بين الخير والشر، صراع قديم كوجود الإنسان نفسه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%