الجن المسلم الجزء الثالث
نفحات الإيمان في ليالي الشدة
بقلم سامر الخفي
بعد خروجي من تلك الغرفة المظلمة، عدت إلى غرفتي، وقلبي يخفق بقوة، كأنه يريد أن يقفز من صدري. ضوء القمر كان قد بدأ يتسلل من خلال النافذة، يرسم خطوطاً فضية على الأرضية الخشبية. أغلقت الباب خلفي، وأسندت ظهري إليه، أحاول استيعاب ما حدث. حارس؟ جن؟ أمانة؟ هل كان كل هذا حقيقياً؟
تذكرت وجه عبد الله، عينيه الحكيمتين. لم يكن مجرد رجل عادي. كانت هناك هالة تحيط به، هالة من قوة قديمة، قوة لا يمكن تفسيرها بالمنطق البشري. ووعده بحمايتي، وبالمساعدة. هذا ما أبقاني ثابتاً.
كانت الرسالة لا تزال أمامي على الطاولة، خطها الغريب، رموزها المشؤومة. الآن، فهمت. لم تكن مجرد رسالة، بل كانت دعوة، فتحت أبواباً كان يجب أن تبقى مغلقة. ورثنا هذا البيت، ولكننا ورثنا معه أيضاً مسؤولية لم نكن ندركها.
قضيت الساعات التالية أتلو القرآن. آية تلو الأخرى، سورة تلو الأخرى. لم يكن الأمر مجرد قراءة، بل كان استجداء. استجداء لله، أن يحميني، وأن يحمي عائلتي، وأن يرد عني هذه الشرور. كنت أشعر بأن كلماته المقدسة تمنحني قوة، قوة تعيد لجسدي الدفء، ولروحي الطمأنينة. كل حرف كان كدرع، وكل آية كانت كنور يبدد الظلام الذي شعرت به يتسرب إلى روحي.
في لحظة، شعرت بأن هناك نظرات موجهة إلي. رفعت رأسي، ونظرت إلى النافذة. لم أر شيئاً، لكنني شعرت. شعرت بأنهم ما زالوا هناك، يراقبون، ينتظرون. تنتظر اللحظة المناسبة لشن هجومهم.
تذكرت كلمات عبد الله عن كتاب جدي، "زاد المؤمن في دروب الغيب". يجب أن أجده. هذا الكتاب هو مفتاح النجاة، هو دليل الطريق في هذا العالم الغريب الذي دخلت إليه.
نهضت، متجهاً إلى مكتب جدي. كان المكتب في نهاية الرواق، يفوح منه عطر الكتب القديمة، ورائحة التبغ التي كان جدي يدخنها أحياناً. كان المكان يعج بالذكريات، لكن الآن، بدا لي وكأنه يحمل أيضاً طاقة غريبة، طاقة لم أكن أدرك وجودها من قبل.
وقفت أمام اللوح الخشبي الذي تحدث عنه عبد الله. كان يحمل نقشاً غريباً، لم أفهم معناه أبداً. كان يبدو كأنه مزيج من أشكال هندسية قديمة، ورموز لم أعهدها. لم أكن أعلم أن خلف هذا اللوح سراً بهذا القدر.
بدأت أحاول تحريكه. كان ثقيلاً، كأنه جزء لا يتجزأ من الجدار. لكن مع كل محاولة، كنت أتذكر كلمات جدي، وكلمات عبد الله. "الإيمان والعزيمة".
"يا الله، يا حي، يا قيوم، برحمتك أستغيث." تمتمت، وأنا أضع كل قوتي في دفعه.
فجأة، سمعت صوتاً معدنياً خفيفاً. لقد تحرك. تسرب ضوء خافت من خلفه، ضوء بارد، مختلف عن نور القمر.
"بسم الله الرحمن الرحيم." قلت، وأنا أدفع اللوح بقوة أكبر.
تحرك اللوح، وكشف عن تجويف مظلم في الجدار. كان مكاناً صغيراً، بالكاد يكفي لإخفاء شيء. وفي داخله، رأيت شيئاً. كان كتاباً قديماً، غلافه من الجلد السميك، صفحاته صفراء، وعليها خط عربي قديم، أنيق. كان هو، "زاد المؤمن في دروب الغيب".
شعرت بموجة من الحرارة تنتشر في جسدي، وكأن الكتاب نفسه يبعث نوراً خفياً. أخذت الكتاب، وتأكدت من إغلاق التجويف، وإعادة اللوح الخشبي إلى مكانه. لم أكن أريد أن أترك أي أثر.
عدت إلى غرفتي، والكتاب بين يدي. فتحته، وبدأت أتصفحه. لم يكن مجرد كتاب، بل كان عالماً آخر. فيه آيات وأدعية لم أسمع بها من قبل، تعويذات مكتوبة بلغة قديمة، ورسومات تشرح كيفية استخدامها. كان الأمر أشبه بالعثور على خريطة كنز، خريطة تقودني إلى عالم لا أتصور عمقه.
قرأت عن عالم الجن، عن أنواعهم، عن قوتهم، وعن نقاط ضعفهم. قرأت عن كيفية تحصين النفس، وكيفية مواجهة الشرور. كانت المعلومات صادمة، ومذهلة في آن واحد.
"قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد." رددت الآيات، وشعرت بأنها تشكل درعاً حول روحي.
كانت هذه الليلة، ليلة بداية صراع لم أكن أتخيله. لم أكن أدري إلى أين سيقودني هذا الطريق، لكنني كنت أعلم شيئاً واحداً: لن أستسلم. ولن أدع الظلام ينتصر.