الجن المسلم الجزء الثالث

سَلسَبِيلُ الشَّرِّ وَسِكِّينُ الهَوَسِ

بقلم سامر الخفي

انْغَمَسَ قَلْبُهُ فِي لُجَجٍ مُعْتِمَةٍ، لَا يَعْرِفُ سَبِيلًا لِلخَرَاجِ. كَانَ زَكَرِيَّا، الشَّابُّ الوَثَّابُ ذُو العَيْنَيْنِ السَّاحِرَتَيْنِ، قَدْ انْجَرَفَ مَعَ سَيْلِ الهَوَى، وَتَخَلَّى عَنْ شَطِّ الأَمَانِ. لَمْ يَكُنْ الشَّرُّ فِي ثَوْبِهِ المُعْتَادِ، بَلْ تَمَثَّلَ فِي وَجْهٍ حَسْنَاءَ، بِشَعْرٍ كَأَنَّهُ لَيْلٌ أَبَطَأَ فِي افْتِرَاشِهِ الأَرْضَ، وَعَيْنَيْنِ كَأَنَّهُمَا بَحْرَانِ عَمِيقَانِ، يَسْتَضِيفَانِ أسرارًا لَا تُفْصِحُ عَنْهَا. اِسْمُهَا لَيْلَى، وَلَكِنْ لَيْلَاهَا كَانَ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ سُحُبَ الشَّقَاءِ.

بَدَأَ الأمرُ بِصَدِيقٍ لَهُ، شَابٌّ قَدْ انْحَرَفَ عَنِ الدَّرْبِ، يَقْضِي لَيَالِيهِ فِي قُصُورِ الرَّذِيلَةِ. كَانَ يَرْوِي لِزَكَرِيَّا عَنْ سِحْرِ هَذِهِ الأَمَاكِنِ، عَنْ غِنَائِهَا الصَّاخِبِ، وَرُقُصَاتِهَا الفَارِطَةِ، وَعَنْ صُحْبَةِ نِسَاءٍ لَا تَعْرِفُ حُدُودًا. فِي البِدَايَةِ، كَانَ زَكَرِيَّا يَرْفُضُ، مُتَمَسِّكًا بِأَخْلَاقِهِ وَتَرْبِيَتِهِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَبِالحُبِّ النَّقِيِّ الَّذِي يَكْنُسُهُ لِابْنَةِ عَمِّهِ، أَسْمَاءَ، زَاهِدَةِ النَّفْسِ، وَصَاحِبَةِ القَلْبِ الطَّاهِرِ. لَكِنَّ الفُضُولَ، وَشَيْطَانَ الهَوَى، وَضَغْطَ الصُّحْبَةِ السَّيِّئَةِ، كُلُّ هَذَا بَدَأَ يَتَآكَلُ صَلَابَتَهُ.

فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، وَبَعْدَ سَاعَاتٍ طِوَالٍ مِنَ الإِلْحَاحِ، وَبِقَلْبٍ يَخْفِقُ بِالخَوفِ وَالتَّرَدُّدِ، وَجَدَ زَكَرِيَّا نَفْسَهُ وَاقِفًا أَمَامَ بَابِ قَصْرِ لَيْلَى. كَانَ البَابُ مُزَخْرَفًا بِالذَّهَبِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُشْعِرُهُ بِأَنَّهُ بَابٌ لِلجَحِيمِ. عِنْدَمَا فُتِحَ البَابُ، تَبَدَّدَ الظَّلَامُ بِأَضْوَاءٍ بَهِيَّةٍ، وَانْسَكَبَ عَلَيْهِ ضَجِيجٌ غَرِيبٌ، خَلِيطٌ مِنَ الضَّحِكِ الصَّاخِبِ، وَالأَصْوَاتِ المُبْتَذَلَةِ، وَبِالرَّائِحَةِ القَوِيَّةِ لِلعِطْرِ المُخَنَّثِ وَالدُّخَانِ.

وَهُنَاكَ، بَيْنَ الزَّحَامِ، لَمَحَ لَيْلَى. كَانَتْ كَأَنَّهَا خَطَفَتْ أَنْفَاسَ الحَاضِرِينَ. شَعْرُهَا الطَّوِيلُ يَتَمَايَلُ مَعَ حَرَكَاتِهَا، وَعَيْنَاهَا تَلْتَقِيَانِ بِعَيْنَيْهِ لِلَحْظَةٍ، لَمْحَةٌ كَفَتْ لِتُوقِظَ فِيهِ شَيْئًا كَانَ نَائِمًا. اقْتَرَبَ مِنْهَا، وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِتَحَدٍّ، تَدْعُوهُ لِلغَوْصِ فِي عَالَمِهَا.

فِي البِدَايَةِ، كَانَ يَقْضِي سَاعَاتٍ قَلِيلَةً، ثُمَّ يَعُودُ مُرْتَعِشًا، يُحَاوِلُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى نَفْسِهِ مَا فَعَلَ. كَانَ يَذْكُرُ وَجْهَ أَسْمَاءَ، وَصَوْتَ أُمِّهِ الحَنُونَ، وَآيَاتِ القُرْآنِ الَّتِي كَانَتْ تَرْتِيلُهَا جَدَّتُهُ. كُلُّ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ كَانَتْ كَالسُّيُوفِ تَنْهَشُ فِي رُوحِهِ. لَكِنَّ لَيْلَى، بِسِحْرِهَا الفَتَّاكِ، كَانَتْ تَجْعَلُهُ يَنْسَى. كَانَتْ تُغَلِّفُهُ بِكَذِبِ الأُفُقِ الزَّائِلِ، وَبِوَعْدٍ بِسَعَادَةٍ لَمْ تُوجَدْ إِلَّا فِي خَيَالِهَا.

تَزَايَدَ وُقُوفُهُ فِي هَذِهِ الأَمَاكِنِ. بَدَأَ يُفَوِّتُ صَلَوَاتِهِ، وَيَتَخَلَّفُ عَنْ عَمَلِهِ، وَيُصْبِحُ عُدْوَانِيًّا مَعَ أَهْلِهِ. كَانَ جَدُّهُ، الشَّيْخُ الحَكِيمُ، يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ، يَرَى فِيهِ انْحِرَافًا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. سَأَلَهُ مَرَّاتٍ عَنْ سَبَبِ تَغَيُّرِهِ، وَلَكِنَّ زَكَرِيَّا كَانَ يَكْذِبُ، يُخْفِي سِرَّهُ المَشِينِ.

فِي إِحْدَى المَرَّاتِ، رَآهُ وَالِدُهُ يَعُودُ فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ جِدًّا، وَعَلَيْهِ آثَارُ لَيْلٍ طَوِيلٍ، وَفِي عَيْنَيْهِ بَرِيقٌ غَرِيبٌ، لَمْ يَكُنْ بَرِيقَ السَّعَادَةِ، بَلْ بَرِيقَ الهَوَسِ. وَجَدَ فِي جَيْبِهِ وِرْقَةً صَغِيرَةً، عَلَيْهَا رَقَمُ هَاتِفٍ مَجْهُولٍ، وَاسْمُ "لَيْلَى". صُعِقَ الوَالِدُ، وَبَدَأَ يَفْهَمُ مَا يَجْرِي.

بَدَأَ زَكَرِيَّا يَطْلُبُ المَالَ مِنْ أُمِّهِ بِإِلْحَاحٍ، مُدَّعِيًا أَنَّهُ مُحْتَاجٌ لَهُ لِتَسْدِيدِ دُيُونٍ عَلَيْهِ. كَانَتْ أُمُّهُ، بِحُبِّهَا الأُمُومِيِّ، تُعْطِيهِ مَا تَمْلِكُ، وَهِيَ لَا تَعْرِفُ أَنَّهَا تُشَجِّعُهُ عَلَى غَرَقِهِ. كَانَ يَبِيعُ بَعْضَ أَغْرَاضِهِ الثَّمِينَةِ، ثُمَّ بَدَأَ يَتَفَكَّرُ فِي أَشْيَاءَ أَكْثَرَ خُطُورَةً.

فِي القَصْرِ، كَانَتْ لَيْلَى تَسْتَغِلُّهُ. لَمْ تَكُنْ تُحِبُّهُ، بَلْ كَانَتْ تَرَاهُ كَأَدَاةٍ لِتَحْقِيقِ مَآرِبِهَا. كَانَتْ تُغْرِيهِ بِالكَلامِ المُعَسُولِ، وَتَطْلُبُ مِنْهُ المَالَ بِذَرِيعَةِ أَنَّهَا تَحْتَاجُهُ لِتَجَاوُزِ مَشَاكِلِهَا. كَانَ زَكَرِيَّا، فِي غَيَاهِبِ الإِدْمَانِ، يَرْضَخُ لِكُلِّ مَا تَطْلُبُ، مُتَخَلِّيًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ نَظْرَةٍ مِنْ عَيْنَيْهَا، أَوْ لَمْسَةٍ مِنْ يَدِهَا.

ذَاتَ لَيْلَةٍ، عَادَ زَكَرِيَّا إِلَى البَيْتِ وَهُوَ سَكْرَانُ. لَمْ يَكُنْ سُكْرُهُ مِنَ الخَمْرِ، بَلْ سُكْرُ الهَوَى المُفْرِطِ. كَانَ يَتَحَدَّثُ بِكَلامٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ، وَيَرْقُصُ بِطَرِيقَةٍ مُنْفَلِتَةٍ. رَآهُ الشَّيْخُ جَدُّهُ، فَلَمْ يَكْتَمِعُ أَلَمُهُ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ: "يَا بُنَيَّ، مَا هَذَا؟ أَيْنَ الشَّابُّ الوَقُورُ الَّذِي عَرَفْتُهُ؟ أَيْنَ حَيَاؤُكَ وَحِشْمَتُكَ؟".

شَعَرَ زَكَرِيَّا بِشَيْءٍ مِنَ الخَجَلِ، وَلَكِنَّهُ سَرَعَانَ مَا طَغَتْ عَلَيْهِ رَغْبَتُهُ. صَرَخَ فِي وَجْهِ جَدِّهِ: "دَعُونِي وَشَأْنِي! أَنْتُمْ لَا تَفْهَمُونَ شَيْئًا!". خَرَجَ مِنَ البَيْتِ مُجَدَّدًا، وَفِي قَلْبِهِ صِرَاخُ الرُّوحِ المُتَأَلِّمَةِ.

تَزَايَدَ العَزْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ. كَانَ يَرْى فِي عُيُونِهِمْ لَوْمًا وَخَزِيًا، وَهُوَ فِي الوَاقِعِ كَانَ يَخْزَى مِنْ نَفْسِهِ. كَانَ يُقَضِّي أَيَّامَهُ وَلَيَالِيهِ بَيْنَ جُدْرَانِ قَصْرِ لَيْلَى، يَنْسَى كُلَّ شَيْءٍ، وَيَتَخَلَّى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ.

لَكِنَّ شَيْئًا غَرِيبًا بَدَأَ يَحْدُثُ. بَدَأَ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ وَحْدَهُ فِي هَذِهِ الأَمَاكِنِ. كَانَ يَشْعُرُ بِوُجُودٍ خَفِيٍّ، بِأَنَّهُ مَرْصُودٌ. كَانَ يَسْمَعُ أَصْوَاتًا غَرِيبَةً فِي أَثْنَاءِ نَوْمِهِ، وَيَرَى ظِلَالًا تَتَمَاوَرُ فِي حَوَافِّ نَظَرِهِ. كَانَ يَشْعُرُ أَنَّ هَذِهِ الأَمَاكِنَ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ عَالَمِهِ، بَلْ هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِعَالَمٍ آخَرَ، عَالَمٍ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى مَسْتُورًا.

خَافَ زَكَرِيَّا. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى حُدُودَ مَا يُسْمَحُ بِهِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ اخْتَرَقَ حِجَابًا رَقِيقًا بَيْنَ عَالَمِهِ وَبَيْنَ عَالَمِ الشَّرِّ، وَأَنَّ هَذَا الشَّرَّ قَدْ بَدَأَ يَتَجَسَّدُ، لَا فَقَطْ فِي سُكْرِ الهَوَى، بَلْ فِي أَشْيَاءَ أُخْرَى، أَكْثَرَ ظَلَامَةً وَتَخْوِيفًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%