الجن المسلم الجزء الثالث

ظِلالُ الأَثَامِ وَصَرْخَةُ الأَرْوَاحِ

بقلم سامر الخفي

تَزَايَدَ الوُجُودُ الخَفِيُّ بِشَكْلٍ مُخِيفٍ. لَمْ يَعُدْ زَكَرِيَّا يَشُكُّ فِي أَنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ الغَرِيبَةَ لَمْ تَكُنْ مِنْ نَتَائِجِ سُكْرِهِ أَوْ إِرْهَاقِهِ. كَانَ يَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ أَشْيَاءَ لَا يَجْرُؤُ عَلَى وَصْفِهَا. كَانَتْ أَصْوَاتٌ تَأْتِيهِ مِنْ أَعْمَاقِ الظَّلَامِ، هَمَسَاتٌ خَبِيثَةٌ تَدْعُوهُ لِلغَوْصِ أَعْمَقَ فِي هَذِهِ الحُفْرَةِ.

فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، بَيْنَمَا كَانَ جَالِسًا وَحِيدًا فِي غُرْفَةٍ مُتَوَارِيَةٍ فِي قَصْرِ لَيْلَى، بَعِيدًا عَنِ الضَّجِيجِ وَالمُبْتَذَلِ، شَعَرَ بَبَرْدٍ قَارِسٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى عَظْمِهِ، عَلَى الرُّغْمِ مِنْ أَنَّ الجَوَّ كَانَ دَافِئًا. سَمِعَ صَوْتَ نَحِيبٍ خَافِتٍ، كَأَنَّهُ قَادِمٌ مِنْ بَعِيدٍ جِدًّا. نَهَضَ وَتَحَرَّكَ بِحَذَرٍ نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ.

وَجَدَ نَفْسَهُ أَمَامَ بَابٍ قَدِيمٍ، مُتَآكِلٍ، مَخْفِيٍّ خَلْفَ سِتَارٍ ثَقِيلٍ. دَفَعَ البَابَ بِيَدٍ تَرْتَعِشُ، فَانْفَتَحَ عَلَى غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ، مُظْلِمَةٍ، تَعْبَقُ بِرَائِحَةِ العَفَنِ وَالتُّرَابِ. فِي وَسَطِ الغُرْفَةِ، كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ غَرِيبٌ. ظِلٌّ مُعْتِمٌ، يَتَشَكَّلُ وَيَتَغَيَّرُ، كَأَنَّهُ حَيٌّ.

صَرَخَ زَكَرِيَّا صَرْخَةً مُفَزِعَةً، وَبَدَأَ يَتَرَاجَعُ إِلَى الوَرَاءِ. لَكِنَّ الظِّلَّ ازْدَادَ قُرْبًا، وَأَصْبَحَ أَكْثَرَ وُضُوحًا. رَأَى فِيهِ مَلَامِحَ وَجْهٍ بَائِسٍ، عَيْنَيْنِ مُفَرَّغَتَيْنِ مِنْ أَيِّ نُورٍ، وَفَمٍ يَنْفَتِحُ كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ هَوَاءٍ.

"أَنْتَ؟" صَاحَ الوَجْهُ الظِّلِّيُّ بِصَوْتٍ أَجَشَّ، كَأَنَّهُ صَادِرٌ مِنْ قَبْرٍ. "أَنْتَ مِثْلُنَا؟ مَنْ جَاءَ بِكَ إِلَى هَذَا المَكَانِ؟"

تَجَمَّدَ زَكَرِيَّا مَكَانَهُ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الحَرَكَةِ أَوْ الكَلامِ. هَلْ هُوَ مَجْنُونٌ؟ أَمْ أَنَّ هَذَا حَقٌّ؟

"هَذَا المَكَانُ لِلأَرْوَاحِ التَّائِهَةِ،" وَصَلَ الصَّوْتُ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى. "الأَرْوَاحُ التِّي اغْتَالَهَا الهَوَى، وَاغْتَالَهَا الظَّلَامُ. أَنْتَ لَسْتَ مِنْ هَؤُلَاءِ بَعْدُ، لَكِنَّكَ عَلَى الطَّرِيقِ."

تَذَكَّرَ زَكَرِيَّا كَلَامَ جَدِّهِ عَنْ أَنَّ هَذِهِ الأَمَاكِنَ قَدْ تَكُونُ مَسْكُونَةً، وَعَنْ وُجُودِ الأَرْوَاحِ الشِّرِّيرَةِ الَّتِي تَغْوِي البَشَرَ. كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِهِ مُجَرَّدُ خُرَافَاتٍ، لَكِنَّ الآنَ، أَمَامَ هَذَا الظِّلِّ المُتَشَكِّلِ، لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَكَانٌ لِلشَّكِّ.

"مَنْ أَنْتَ؟" سَأَلَ زَكَرِيَّا بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ.

"أَنَا كُلُّ مَنْ دَمَّرَ نَفْسَهُ هُنَا،" أَجَابَ الظِّلُّ. "أَنَا صَرْخَةُ الأَثَامِ، وَظِلُّ الهَوَسِ. أَنَا سِجْنٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ أَحَدٌ."

فَجْأَةً، ازْدَادَ الظَّلُّ قُوَّةً، وَبَدَأَ يَتَحَرَّكُ نَحْوَهُ بِسُرْعَةٍ. شَعَرَ زَكَرِيَّا بِأَنَّهُ يُخْنَقُ، بِأَنَّ يَدَيْنِ غَيْرَ مَرْئِيَّتَيْنِ تَلُفَّانِ عُنُقَهُ. كَادَ أَنْ يُفْقِدَ الوَعْيَ.

لَكِنَّهُ، فِي لَحْظَةِ اليَأْسِ، تَذَكَّرَ وُجُوهَ أَحِبَّائِهِ. تَذَكَّرَ وَجْهَ أُمِّهِ، وَعَيْنَيْ أَسْمَاءَ البَرِيئَتَيْنِ، وَنُصْحَ جَدِّهِ الحَكِيمِ. شَعَرَ بِغَضَبٍ مُقَدَّسٍ يَدْفَعُهُ لِلْمُقَاوَمَةِ.

"لَا! لَنْ تَفْعَلَ بِي هَذَا!" صَرَخَ زَكَرِيَّا بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ آيَاتِ الكُرْسِيِّ بِصَوْتٍ مُرتَجِفٍ، لَكِنَّهُ كَانَ يَتَذَكَّرُهَا بِالدِّقَّةِ.

شَعَرَ الظَّلُّ بِضَعْفٍ. بَدَأَ يَتَرَاجَعُ، وَأَصْدَرُ صَوْتَ أَنِينٍ مُؤْلِمٍ. الأَضْوَاءُ البَهِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُضِيءُ القَصْرَ بَدَأَتْ تَنْطَفِئُ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرَ، وَلَمْ يَعُدْ يَبْقَى إِلَّا ظَلَامٌ دَائِمٌ.

خَرَجَ زَكَرِيَّا مِنَ الغُرْفَةِ مُرْتَعِشًا، وَهُوَ يَلْتَفِتُ خَلْفَهُ بِخَوْفٍ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ نَجَا مِنْ مِحْنَةٍ، لَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ فُتِحَ بَابٌ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ أَنْ يُفْتَحَ.

لَاقَتْهُ لَيْلَى فِي المَمَرِّ، وَقَدْ بَدَتْ عَلَيْهَا عَلامَاتُ الغَضَبِ. "أَيْنَ كُنْتَ؟ لَقَدْ بَحَثْتُ عَنْكَ! هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَمْ تَكُنْ كَاللَّيَالِي السَّابِقَةِ. هُنَاكَ شَيْءٌ غَرِيبٌ يَحْدُثُ."

نَظَرَ زَكَرِيَّا إِلَى عَيْنَيْهَا، وَلَمْ يَرَى فِيهِمَا سِحْرًا كَمَا كَانَ سَابِقًا، بَلْ رَأَى بَرِيقًا غَرِيبًا، بَرِيقَ شَيْءٍ لَيْسَ بَشَرِيًّا. "لَيْلَى،" قَالَ بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ، "أَنَا لَمْ أَعُدْ أُرِيدُ هَذَا. أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ هُنَا."

ضَحِكَتْ لَيْلَى ضَحْكَةً خَافِتَةً، بَارِدَةً. "يَا زَكَرِيَّا، لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ خُرُوجٌ. قَدْ أَصْبَحْتَ جُزْءًا مِنَّا. وَعِنْدَمَا يَنْجَرِفُ الإِنْسَانُ مِثْلَكَ، لَا يَعُودُ هُنَاكَ مَكَانٌ لِلعَوْدَةِ."

قَوِيَ الشَّعُورُ بِالوُجُودِ الخَفِيِّ. لَمْ يَعُدْ زَكَرِيَّا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى لَيْلَى كَمَا كَانَ، بَلْ كَانَ يَرَى فِيهَا شَيْئًا آخَرَ، شَيْئًا يُشْبِهُ ذَلِكَ الظِّلَّ المُخِيفَ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الأَمَاكِنَ هِيَ مَلْعَبٌ لِقِوَىً خَفِيَّةٍ، وَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي شَبَكَةٍ لَا يَعْرِفُ مَنْ نَسَجَهَا.

بَدَأَ يَفْقِدُ الإِحْسَاسَ بِالوُجُودِ الحَقِيقِيِّ. كَانَ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ الوَاقِعِ وَالأَحْلَامِ المُزْعِجَةِ. كَانَ يَشْعُرُ أَنَّ هَذِهِ القِوَىَ الشِّرِّيرَةَ تَتَغَذَّى عَلَى ضَعْفِهِ، وَعَلَى هَوَاهُ، وَأَنَّهَا كُلَّمَا زَادَ غَرَقُهُ، زَادَتْ قُوَّتُهَا.

تَذَكَّرَ كَلَامَ أُمِّهِ عَنْ الشَّيْطَانِ وَوُسْوَسَاتِهِ. لَكِنَّ هَذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ وُسْوَسَاتٍ. كَانَ شَعُورًا حَقِيقِيًّا بِالخَطَرِ، وَالخَوْفِ، وَأَنَّ هَذِهِ الأَرْوَاحَ، أَوْ هَذِهِ القِوَى، لَمْ تَكُنْ تَتَمَنَّى لَهُ الخَيْرَ. بَلْ كَانَتْ تَتَمَنَّى لَهُ الدَّمَارَ.

فِي نِهَايَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ نَجَا مِنْ مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ مَعَ ذَلِكَ الظِّلِّ، عَادَ زَكَرِيَّا إِلَى غُرْفَتِهِ، مُنْهَكًا. لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنَامَ. كَانَ يَفْكُرُ فِي أَبِيهِ الَّذِي رَآهُ سَكْرَانًا، وَفِي جَدِّهِ الَّذِي نَظَرَ إِلَيْهِ بِأَلَمٍ، وَفِي أَسْمَاءَ الَّتِي لَمْ يَرَها مُنْذُ زَمَنٍ.

شَعَرَ بِأَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ رَهِينَةً لِهَذِهِ القِوَى، وَأَنَّهُ إِذَا اسْتَمَرَّ عَلَى هَذِهِ الحَالِ، فَلَنْ يَكُونَ هُوَ زَكَرِيَّا بَعْدَ الآنَ. سَيَكُونُ ظِلًّا، جُزْءًا مِنَ الظَّلَامِ الَّذِي رَآهُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%