الجن المسلم الجزء الثالث
نَبَضُ الأَمَلِ وَصَلَابَةُ الإِيمَانِ
بقلم سامر الخفي
عَادَ زَكَرِيَّا إِلَى البَيْتِ فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ. لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَجِدَ أُمَّهُ وَاقِفَةً عِنْدَ البَابِ، وَعَيْنَاهَا تَكْتَنِفُهُمَا مَخَاوِفٌ عَمِيقَةٌ. كَانَتْ قَدْ بَاتَتْ قَلِقَةً عَلَيْهِ، تُصَلِّي وَتَدْعُو. لِمَا رَأَتْهُ، انْفَجَرَتْ بِالبُكَاءِ، وَاحْتَضَنَتْهُ بِقُوَّةٍ.
"أَيْنَ كُنْتَ يَا بُنَيَّ؟" قَالَتْ بِصَوْتٍ مُخْتَنِقٍ بِالدُّمُوعِ. "قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ شَيْئًا قَدْ حَلَّ بِكَ. لَمْ أَنَمْ لَيْلَةً كَامِلَةً."
لأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، شَعَرَ زَكَرِيَّا بِالإِثْمِ يَنْهَشُهُ. رَأَى فِي عَيْنَيْ أُمِّهِ حُبًّا لَا مَشْرُوطًا، وَتَضْحِيَةً صَادِقَةً. ذِكْرَى وَجْهِهِ البَائِسِ الَّذِي رَآهُ فِي الغُرْفَةِ المُظْلِمَةِ، وَرَائِحَةِ العَفَنِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَتَعَلَّقُ بِثِيَابِهِ، كُلُّ هَذِهِ الأَشْيَاءِ جَعَلَتْهُ يُدْرِكُ حَجْمَ الخَطَأِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ.
"أَنَا آسِفٌ يَا أُمِّي،" قَالَ بِصَوْتٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الأَسَفُ وَالخَجَلُ. "لَقَدْ أَخْطَأْتُ. أَعْتَذِرُ عَنْ كُلِّ مَا سَبَّبْتُهُ لَكِ وَلِأَبِي."
نَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ بِتَعَاطُفٍ، وَمَسَحَتْ دُمُوعَهَا. "الغَفْرُ مَفْتُوحٌ يَا بُنَيَّ، وَلَكِنَّ التَّوْبَةَ الصَّادِقَةَ هِيَ السَّبِيلُ. مَا الَّذِي جَعَلَكَ تَنْجَرِفُ هَكَذَا؟"
لَمْ يَسْتَطِعْ زَكَرِيَّا أَنْ يُخْبِرَهَا بِكُلِّ شَيْءٍ. لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْبِرَهَا عَنْ لَيْلَى، وَعَنِ الظِّلِّ، وَعَنْ تِلْكَ القِوَى الخَفِيَّةِ. كَانَ يَخَافُ أَنْ لَا تُصَدِّقَهُ، أَوْ أَنْ تَعْتَبِرَهُ مَجْنُونًا.
"لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُ صُحْبَةً سَيِّئَةً،" قَالَ بِاخْتِصَارٍ. "وَقَدْ أَغْرَتْنِي بِأَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً."
هَزَّتْ أُمُّهُ رَأْسَهَا. "الحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّكَ أَدْرَكْتَ ذَلِكَ. الآنَ، عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَعِيدَ نَفْسَكَ."
فِي نَفْسِ الوَقْتِ، كَانَ جَدُّهُ، الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَدْ بَدَأَ يَشْعُرُ بِالقَلَقِ عَلَى زَكَرِيَّا. لَمْ يَرَهْ فِي المَسْجِدِ مُنْذُ فَتْرَةٍ، وَلَمْ يَسْمَعْ عَنْهُ خَيْرًا. ذَهَبَ لِزِيَارَةِ ابْنِهِ، وَالِدِ زَكَرِيَّا، لِيَتَحَدَّثَا.
"إِنَّ زَكَرِيَّا لَقَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرًا يَا أَحْمَدُ،" قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِصَوْتٍ حَزِينٍ. "عَيْنَاهُ لَمْ تَعُدْ تَعْكِسُ نُورَ الإِيمَانِ. أَخْشَى عَلَيْهِ. هَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ يُقْلِقُكَ؟"
صَمَتَ أَحْمَدُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "أَنَا أَرَى فِيهِ تَهَوُّرًا وَطَيْشًا، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدِ انْجَرَفَ مَعَ سُوءِ الأَخْلَاقِ. رَأَيْتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَائِدًا وَعَلَيْهِ آثَارُ لَيْلٍ طَوِيلٍ."
أَضَافَ الشَّيْخُ: "لَا بُدَّ أَنْ نُحَاوِلَ إِعَادَتَهُ إِلَى الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ. قَدْ تَكُونُ الصُّحْبَةُ السَّيِّئَةُ هِيَ السَّبَبُ، وَلَكِنَّ هُنَاكَ شَيْئًا آخَرَ أَقَلَقَنِي. كَانَ يَتَحَدَّثُ بِكَلَامٍ غَرِيبٍ ذَاتَ مَرَّةٍ، عَنْ أَصْوَاتٍ وَظِلَالٍ. لَا أَدْرِي إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَرَّاءِ إِرْهَاقِهِ أَوْ شَيْءٍ آخَرَ."
أَخْبَرَ أَحْمَدُ وَالِدَهُ عَنْ عُثُورِهِ عَلَى رَقَمِ هَاتِفٍ وَاسْمِ "لَيْلَى" فِي جَيْبِ زَكَرِيَّا. ضَاقَ صَدْرُ الشَّيْخِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ الأَمْرَ قَدْ يَكُونُ أَكْبَرَ مِمَّا يَتَخَيَّلُ.
قَرَّرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَ زَكَرِيَّا مُبَاشَرَةً. بَعَثَ فِي طَلَبِهِ، وَعِنْدَمَا حَضَرَ زَكَرِيَّا، وَقَدْ بَدَتْ عَلَيْهِ آثار