الجن المسلم الجزء الثالث

همسات الماضي على أسوار القصر

بقلم سامر الخفي

استيقظت ليلة على صوت خافت، كأنه أنين قديم، يعلو من جهة الغرب، حيث تقع الأجنحة المهجورة من قصر آل الصباح. رفعت عينيها، مها، نحو السقف المزخرف، وشعرت ببرودة تتسلل إلى عظامها رغم دفء الغطاء. لم يكن هذا الصوت حديثًا، بل كان شيئًا تألفه روحها منذ وطأت قدماها أرض هذا المكان الغريب. كانت تتذكر تلك الليالي الأولى، حين كانت تفسر هذه الأصوات على أنها مجرد همسات الريح في الأروقة الشاسعة، أو حفيف ستائر القماش الثقيلة. لكنها الآن، وبعد كل ما مرت به، أدركت أن هناك ما هو أعمق من ذلك، ما هو أشد إيلامًا وأقدم.

أشعلت شمعة، ونثر نورها الذهبي الظلال المتراقصة على الجدران. جلست على حافة السرير، تنظر إلى انعكاس صورتها الشاحبة في المرآة المعلقة. وجه شاب، أنهكه السهر والقلق، لكن عينيه كانتا لا تزالان تحملان بريق الأمل، وإن كان خافتًا. نظرت إلى خاتم الخطوبة الذي يزين إصبعها، هدية من خطيبها، الشاب المهذب، فواز. تذكرت لقاءاتهما، أحاديثهما الهادئة، الابتسامات الصادقة التي كانت تتبادلها مع أمه، السيدة فاطمة. كل هذا كان بمثابة واحة في صحراء المخاوف التي تحيط بها.

"يا رب، يا رحمن، يا رحيم، اجعلني قوية." تمتمت بكلمات تضرع، ممسكة بحجابها. كانت تشعر بعبء ثقيل فوق صدرها، عبء لم يعد يقتصر على ماضي عائلتها المجهول، بل امتد ليشمل أشباح هذا القصر، وحقيقة وجودها فيه. لم يعد الأمر يتعلق فقط بفواز، بل تعدى إلى ما هو أبعد من ذلك. كانت تشعر بأنها مرتبطة بهذا المكان، بخباياه، وبرموزه.

نهضت، وتسللت بخفة نحو الباب. أرادت أن تعرف مصدر الصوت، أن تواجهه. لم تعد تخشى ما قد تجده، بل أصبحت مدفوعة بفضول متزايد، ورغبة في فهم اللغز الذي يلف حياتها. فتحت الباب ببطء، وانفتحت أمامها الممرات المظلمة. حملت الشمعة، وبدأت تسير بحذر، خطوة بخطوة. الهواء كان باردًا، يحمل رائحة العفن والتراب القديم. كل خطوة كانت تصدر صوتًا مكتومًا على السجاد الفاخر البالي.

توقفت أمام باب خشبي كبير، مزخرف بنقوش معقدة، بدا أقدم من أي شيء آخر في القصر. هذا الباب، لطالما شعرت بوجوده، لكنها لم تجرؤ على الاقتراب منه. الآن، الصوت كان قادمًا من خلفه، خافتًا، لكنه مستمر. مدّت يدها المرتعشة نحو المقبض النحاسي البارد. ترددت للحظة. ماذا لو كان هذا هو المكان الذي يكمن فيه سر ما رأته في أحلامها؟ ماذا لو كان هذا هو المكان الذي تتجسد فيه تلك الكائنات المزعجة؟

نفس عميق، ثم دفعت الباب. انفتح بصوت صرير طويل، مزق سكون الليل. دخلت القاعة، وكانت دهشتها عظيمة. لم تكن قاعة مهجورة كما توقعت، بل كانت مكتبة قديمة، مليئة بالكتب المكدسة على رفوف خشبية داكنة. الغبار كان يغطي كل شيء، لكن الضوء الخافت للشمعة كشف عن كنوز مخفية. على إحدى الطاولات، كانت هناك مخطوطات قديمة، أوراق صفراء، وأدوات كتابة عتيقة.

كان الصوت قادمًا من زاوية مظلمة، حيث كانت هناك أريكة مغطاة بقطعة قماش بالية. اقتربت بحذر، وأسقطت قطعة القماش. لم تجد شيئًا سوى وسادة قديمة، لكن الصوت كان لا يزال يصدر منها. أمالت رأسها، وحاولت التركيز. الصوت كان أقرب إلى تنهيدة، تنهيدة عميقة، مليئة بالحزن.

فجأة، شعرت بحركة خفيفة بجوارها. استدارت بسرعة، ورفعت الشمعة. لم يكن هناك أحد. عادت عيناها إلى المكان الذي كانت فيه الوسادة، وأدركت أن الصوت قد توقف. صمت مخيف، أثقل من أي ضجيج. نظرت حولها، بحثًا عن أي شيء غير طبيعي، أي علامة على وجود دخيل.

فجأة، لمحت شيئًا بين الكتب. مظروف قديم، مطوي بعناية. مدّت يدها وأخذته. كان مغلقًا، ولا يحمل أي عنوان. شعرت بقلبها يخفق بعنف. هل هذا المظروف هو سبب كل هذه الأحداث؟ فتحته ببطء، وكشفت عن ورقة قديمة، مكتوبة بخط عربي جميل، لكنه كان بالٍ. بدأت تقرأ بصوت خافت، وهي تشعر بأن الهواء يزداد برودة: "إلى من ورث هذا العبء، إلى من حمل هذه الأمانة. إن ما يسكن هذا القصر ليس من عالمنا. إنه خادم لكيان أقدم، يسعى للظلام. احذري غفلة النفس، فإنها أشد فتكًا من أي سلاح."

انتهت الجملة، وشعرت ببرودة قاسية تخترقها. هذا المظروف، هذه الكلمات، كانت بمثابة تأكيد لكل مخاوفها. لم يكن الجن الذي رأته مجرد هلوسة، بل كان شيئًا حقيقيًا، شيئًا يسكن هذا القصر، ويحمل نوايا خبيثة. تذكرت عيني الشاب الشرير في رؤاها، الابتسامة الملتوية.

"من أنت؟" سألت بصوت يرتجف.

لم يأتِ رد. عادت لتقرأ المظروف، لكن لم يكن هناك المزيد. فقط هذه الكلمات الموحشة. شعرت بأنها وحدها، في هذا القصر الشاسع، تواجه قوى لا تفهمها. تذكرت فواز، ووالدته. هل يمكن أن يكونوا على علم بهذه الحقائق؟ هل هم جزء من هذا اللغز؟

أغلقت المظروف، ووضعته في جيب ثوبها. عرفت أن عليها أن تخبر فواز، أن تشاركه هذه الحقائق. ربما لديه مفتاح لفهم كل هذا. ربما يمكنهم معًا أن يجدوا طريقًا للخروج من هذا الظلام.

خرجت من المكتبة، وأغلقت الباب برفق. عادت إلى غرفتها، وشمعتها تكاد تنطفئ. جلست على السرير، وأخذت تراجع كل التفاصيل. همسات، أصوات، رؤى، والآن هذا المظروف. كل هذا كان ينم عن وجود شر قديم، يتربص في الظل.

نظرت نحو النافذة، نحو السماء الملبدة بالغيوم. شعرت بأن هناك معركة قادمة، معركة ليست بالسيوف والرماح، بل بالنفوس والإيمان. كان عليها أن تكون قوية، لا لنفسها فحسب، بل لمن تحب، ولمن لم تعرفهم بعد، لكنها تشعر بانتمائهم.

نمت أخيرًا، لكن أحلامها لم تكن مريحة. كانت ترى أبوابًا مغلقة، وأشخاصًا يختفون في الضباب، ووجوهًا غامضة تبتسم لها بشر. لكن بين كل هذا، كانت ترى وجه فواز، يطمئنها، ويمد يده إليها. كانت تلك الرؤى، وإن كانت مزعجة، تحمل بصيص أمل.

في الصباح، استيقظت مبكرًا، قبل طلوع الشمس. أدركت أن ما حدث في المكتبة لم يكن مجرد كابوس. كانت الورقة في جيبها دليلًا قاطعًا. جلست في نور الفجر الخافت، وبدأت تفكر. كيف ستبدأ؟ كيف ستقنع فواز بأن هذا القصر لم يعد آمنًا؟

كانت تعلم أن الصدق هو مفتاح كل شيء. وأن الحب الذي يربطها بفواز، يجب أن يكون أساسًا لكل مواجهة. لم يعد الأمر يتعلق بالشياطين فحسب، بل بالثقة، وبالصدق، وبالقدرة على رؤية الحقيقة مهما كانت مؤلمة.

قررت أن تذهب إلى فواز فورًا. لم تستطع الانتظار. أرادت أن تراه، أن تتحدث إليه، أن ترى عينيه الصادقتين. ربما في صدقه، ستجد القوة التي تحتاجها.

أنهت تجهيزاتها بسرعة، وارتدت عباءتها. نظرت للمرة الأخيرة إلى المرآة. بدت مرهقة، لكن عينيها كانتا مصممتين. حملت في قلبها عبءًا ثقيلاً، لكنها كانت تعلم أن حمل الأمانة، وإن كان صعبًا، يجعلك أقوى.

فتحت الباب، وخرجت إلى الممر. الهواء كان لا يزال باردًا، لكن الشمس بدأت ترسل خيوطها الذهبية الأولى، تخترق النوافذ العالية، وترسم لوحات ضوئية على الأرض. شعرت بأنها تسير نحو مستقبل مجهول، مستقبل مليء بالتحديات، لكنها كانت مستعدة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%