الخوف والإيمان 49
الظلال المتسللة في بيت العتيق
بقلم ظافر الغيب
كان الليل قد ألقى بعباءته المخملية السوداء على قرية "وادي القمر" النائمة، ولم يكسر صمتها إلا همسات الريح المتسللة بين أغصان السدر العتيقة. في بيت الحاج إبراهيم، الذي يقف شامخاً منذ عقود، تتشابك خيوط الظلام لتنسج أشكالاً مرعبة على الجدران التي شهدت أجيالاً من القصص. كانت فاطمة، ابنة الحاج إبراهيم، لا تزال مستيقظة، تجلس في غرفتها، تقلب صفحات مصحف قديم، يتراقص ضوء الشمعة المتأرجح على خطوطه الذهبية. صوت عبد الرحمن، جارهم وابن عمها، كان يتردد في أذنها، صوته الهادئ الذي يحمل وعداً بمستقبل آمن. لكن قلباً واحداً ينبض في صدرها، ينبض برغبة لا تقوى على كتمانها، رغبة في فهم اللغز الذي أحاط بمنزلهم، لغز الظلال التي بدأت تتراقص عند الأطراف، وهمسات خافتة لم يسمعها أحد سواها.
في تلك الليلة، شعرت فاطمة بقشعريرة باردة تجتاح عمودها الفقري. لم يكن البرد هو السبب، بل إحساس غريب بالوجود. أغلقت المصحف ببطء، وأصغت. كان السكون عميقاً، لكنه لم يكن سكوناً طبيعياً. كان سكوناً مشوباً بالترقب، وكأن شيئاً ما كان يحبس أنفاسه في انتظار اللحظة المناسبة. نهضت من مقعدها، وتوجهت نحو النافذة المطلة على باحة المنزل. كان القمر في السماء بدراً، يلقي بضوئه الفضي الباهت على كل شيء، لكنه لم يستطع اختراق الظلام المتكاثف عند زاوية الباحة، خلف بئر الماء المهجور.
ارتدت فاطمة حجابها، وفتحت باب غرفتها بهدوء شديد، خشية أن يوقظ صريره النائمين. انزلقت في الممرات المظلمة، خطى حذرة تتجنب أي صوت. كان بيت الحاج إبراهيم كبيراً، يعج بالذكريات، ولكنه أيضاً مليء بالزوايا المظلمة والأسرار القديمة. كل خطوة كانت تزيد من توترها، وكل ظل كان يبدو وكأنه يتحرك. وصلت إلى الباب الخلفي، الذي يؤدي إلى الباحة. فتحته برفق، وخرجت إلى الهواء الطلق.
كانت رائحة الندى ممزوجة برائحة الياسمين تفوح في الأجواء. لكن رائحة أخرى، غريبة، مختلطة بالتراب المتعفن، بدأت تشق طريقها إلى أنفها. اقتربت ببطء من البئر المهجور. كان السكون مطبقاً، إلا من صوت نبضات قلبها المتسارعة. نظرت إلى أسفل البئر، حيث يتجمع الظلام كالماء الراكد. لم تر شيئاً. شعرت بخيبة أمل ممزوجة بارتياح غريب. هل كانت مجرد أوهام؟ هل كانت تخيلاتها تعبث بها؟
وفجأة، سمعت صوتاً. صوت احتكاك خافت، قادم من داخل البئر. انحنت أكثر، وعينيها تتسعان في الظلام. ظهر شيء. شيء داكن، لامع، يتحرك ببطء في الظلام. لم تستطع تمييزه بوضوح، لكنه كان بالتأكيد ليس حجراً، ولا حيواناً. كان له شكل غريب، أشبه بلحم متورم، يتحرك وكأنه يتنفس. شهقت فاطمة بصوت مكتوم، وتراجعت خطوة إلى الوراء.
في تلك اللحظة، انفتحت نافذة غرفة والدها، وسُمع صوته الهادئ والمرهق: "فاطمة؟ هل أنتِ بالخارج؟" ارتبكت فاطمة، لم تتوقع أن يستيقظ والدها. عادت بصرها إلى البئر، لكن الظلام قد ابتلع كل شيء. اختفى الشيء الغامض. "نعم يا أبي، كنت أستنشق الهواء." أجابت بصوت حاولت جعله طبيعياً. "الجو بارد يا ابنتي، عودي إلى غرفتك." قال الحاج إبراهيم، وعاد صوت إغلاق النافذة.
عادت فاطمة إلى غرفتها، وقلبها يخفق بعنف. لم تكن مجرد أوهام. لقد رأت شيئاً، شعرت به. شيء يسكن في قاع البئر المهجور. ما هذا الشيء؟ ولماذا بدأ يظهر الآن؟ تذكرت حديث جدتها قبل وفاتها، عن أسرار قديمة دفنت في هذا البيت، وعن ظلال لا تظهر إلا لمن يحمل قلباً يشبه الأرض العطشى. هل كانت هي ذلك القلب؟
كان عبد الرحمن قد وعدها بالزواج بعد أن تنتهي دراستها. كان رجلاً تقياً، يعشقها بصدق. لكنها لم تستطع إخبار عبد الرحمن عن هذه المخاوف. كيف تخبره أن منزلها الذي نشأت فيه، والذي كانت تحبه، يحمل في جوفه شيئاً مروعاً؟ لقد كانت تؤمن بالإيمان، وبالله، وتعرف أن كل شر له أصل، وأن الله لا يبتلي عبده بما لا يطيق. لكن الشعور بالخوف بدأ يتسلل إلى قلبها، يهدد بإضعاف إيمانها.
جلست على سريرها، وغطت وجهها بيديها. بدأت الذكريات تتسارع في ذهنها. ليلة موت جدتها، حين سمعت همسات غريبة من غرفة الحارس القديم، والتي كانت مغلقة منذ سنوات. ليلة ولادة أخيها الصغير، حين انطفأت كل مصابيح البيت فجأة، وسمعت صوتاً يشبه الأنين يأتي من القبو. هل كانت هذه الأحداث مرتبطة بما رأته الليلة؟
لقد بدأت الظلال في بيت العتيق تتسلل، وبدأت تقرع باب قلب فاطمة. كان عليها أن تجد حلاً، أن تكشف الحقيقة، قبل أن يبتلعها هذا الظلام الغامض. لكن كيف؟ ومن ستلجأ إليه؟ تذكرت وعد عبد الرحمن، ووعد نفسها أن تكون قوية، مؤمنة. كان عليها أن تواجه هذا الخوف، وأن تنتصر عليه. فالنور يأتي دائماً بعد الظلام، والإيمان يطرد الوساوس. لكن هذه الظلال كانت أعمق وأشد قتامة مما تخيلت.