الخوف والإيمان 49

أشباح الماضي وتساؤلات الحاضر

بقلم ظافر الغيب

امتد ظلام الليل كعباءة سوداء فوق بيت الأجداد، يحجب معالمه ويضخم من أسراره. كانت ليلى، بعد أن استوعبت جزءًا من خطورة الوضع، تشعر بتناقض حاد في مشاعرها. مزيج من الخوف الذي يتسلل كالنمل في عروقها، والأمل الذي تشبث به قلبها بفضل وجود خالد والحاج سالم. كان الكتاب الذي اكتشفته أشبه بفصل مظلم في تاريخ عائلتها، فصل لم يكن أحد يتحدث عنه.

بعد حديث الحاج سالم، عاد خالد وليلى إلى غرفتهما. كان الصمت ثقيلًا، لا يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتفاوتة. كانت ليلى تشعر أن جسدها ما زال يتفاعل مع تلك الطاقة الغامضة التي شعرت بها في غرفة جدتها.

"خالد، هل تعتقد أن ما يحدث له علاقة بالجن؟" سألت ليلى بصوت منخفض، وعيناها تتبعان الظلال التي ترقص على السقف.

تنهد خالد. "الله أعلم يا ليلى. النصوص القديمة قد تتحدث عن أمور غيبية، لكننا لا ينبغي أن نقفز إلى استنتاجات. أهم شيء هو أن نتوكل على الله، وأن نحصن أنفسنا بالقرآن والأذكار."

"لكن تلك الرموز... وتلك الهمسات." تمتمت ليلى. "لم أشعر بهذا من قبل."

"وأنا معكِ." قال خالد، وهو يشد على يدها. "سأكون بجانبكِ دائمًا. سنقرأ سورة البقرة كل يوم، وسنكثر من الاستغفار. بإذن الله، لن يقدر علينا أي شيء."

كان كلام خالد يمنح ليلى بعض الراحة، لكنها لم تستطع التخلص من الشعور بأن هناك شيئًا أعمق، شيئًا يمتد إلى ما هو أبعد من مجرد الجن. شعور بأن هذا البيت يحمل ندبة قديمة، ندبة تنتظر من يكشفها.

في صباح اليوم التالي، بدأت ليلى تشعر بتغيير في أحلامها. لم تعد مجرد رموز ورؤى مشوشة، بل أصبحت أكثر وضوحًا. رأت صورة جدتها الكبرى، فاطمة، شابة، تقف في هذا البيت، ترتدي ثيابًا قديمة، وتنظر نحو مكان بعيد بنظرة حزينة. كانت هناك امرأة أخرى، وجهها غير واضح، تهمس في أذن جدتها.

استيقظت ليلى مفزوعة، وقلبها يخفق بعنف. "خالد! لقد رأيت جدتي مرة أخرى."

حكى خالد لها عن حلمه. "رأيت نفسي واقفًا في حديقة المنزل. كانت هناك شجرة كبيرة، وأوراقها تتساقط كالثلج. سمعت صوت بكاء قادم من تحت الشجرة."

بدآ في التحدث مع الحاج سالم حول أحلامهما. كان الحاج سالم يستمع بانتباه، وتتغير تعابير وجهه بين التفكير العميق والحزن.

"جدتكم فاطمة." قال الحاج سالم بصوت خافت. "كانت لديها قصة مؤلمة في شبابها. قصة لم تخبرنا بها والدتي إلا بعد وفاتها."

حكى الحاج سالم عن قصة حب جمعت بين جدته فاطمة وبين شاب من قرية مجاورة. كان حبهما قويًا، لكن العادات والتقاليد في ذلك الوقت كانت صارمة. كان الشابان يخططان للزواج سرًا، لكن شيئًا ما حدث. اختفى الشاب دون أثر، وتُركت فاطمة حاملاً.

"عانت فاطمة كثيرًا." قال الحاج سالم. "كان مجتمعنا وقتها ينظر إلى الأم غير المتزوجة بعين الشفقة والازدراء. اضطرت إلى العيش في عزلة، وهي تحمل هذا السر وهذا العار."

"لكن... ما علاقة هذا بما يحدث لنا؟" سألت ليلى، تشعر بأن هناك خيطًا يربط بين كل هذه الأحداث.

"البيت." قال الحاج سالم. "هذا البيت كان شاهدًا على كل شيء. ربما... ربما روح جدتكم، أو روح ذلك الشاب، ما زالت هنا. ربما يبحثون عن شيء، أو يريدون قول شيء."

نظر خالد إلى ليلى. "إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن علينا أن نفهم ما الذي يبحثون عنه. وأن نحاول أن نساعدهم، إن أمكن."

"الحذر يا خالد." قال الحاج سالم. "هذه أمور لا يجب التعامل معها باستخفاف. ربما تكون مجرد أساطير، وربما تكون حقيقة."

في تلك الليلة، قررت ليلى وخالد أن يتغلبا على خوفهما. بعد صلاة العشاء، جلسا في غرفة المعيشة، وبدآ يقرآن القرآن بصوت مرتفع. قرأ خالد سورة البقرة، بينما بدأت ليلى بقراءة آيات الكرسي. شعروا بالراحة والسكينة تغمر المكان.

ولكن، مع انتهاء الآيات، سمعوا صوتًا غريبًا قادمًا من الطابق العلوي. صوت يشبه حفيف الأوراق، ولكنه كان مدويًا.

"ما هذا؟" قالت ليلى، ويدها تتجه نحو ذراع خالد.

"لا تخافي." قال خالد، لكنه شعر هو الآخر بقليل من التوتر.

صعد خالد بحذر نحو مصدر الصوت، وليلى خلفه. وصلوا إلى غرفة جدة فاطمة. كانت النافذة مفتوحة، والستائر تتمايل بعنف، رغم أن الرياح لم تكن قوية في الخارج. وعلى الأرض، كانت هناك أوراق مبعثرة، تبدو وكأنها سقطت من أعلى الرفوف.

"يبدو أن هناك من يحاول إيصال رسالة." قال خالد، وهو يلتقط إحدى الأوراق.

كانت الورقة مطوية بطريقة غريبة، ومكتوبة بخط قديم. كانت عبارة عن قصيدة قصيرة، تتحدث عن حب ضائع، وفراق مؤلم.

"هذه القصيدة... ربما كتبها ذلك الشاب لجدتي." قالت ليلى، وهي تقرأ الكلمات. "إنها تعبر عن حزنه وشوقه."

"إذا كان الأمر كذلك." قال خالد. "فهذا يعني أن هناك روحًا تبحث عن الطمأنينة، أو عن حل. ربما علينا أن نحاول أن نفهم ما الذي حدث لهما."

عاد الحاج سالم، وبعد أن سمع قصتهما، نظر إلى القصيدة بعمق. "كان هناك في الماضي سحر وطقوس معقدة. ربما تم استخدام شيء ما لفصل هذين العاشقين. شيء لم يكن بالخير."

شعر خالد وليلى أن هذه الرحلة إلى بيت الأجداد لم تعد مجرد زيارة، بل أصبحت مهمة. مهمة لكشف أسرار الماضي، ولإيجاد السلام لأرواح ربما ما زالت تعاني. كان الخوف لا يزال موجودًا، لكن الإيمان والعزيمة كانا أقوى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%