الخوف والإيمان 49

صدى الهمسات في دهاليز النسيان

بقلم ظافر الغيب

تغلغل هدوء الليل المتأخر إلى أركان بيت الأجداد، وكأنه يحاول أن يخمد صخب الأحداث الأخيرة. لكن صخبًا آخر كان يدور في عقول وقلوب ليلى وخالد. لقد اجتمعت خيوط الحكاية لتشكل لغزًا معقدًا، حيث يلتقي الحب الضائع بأسرار الماضي الغامضة. قصيدة العاشق المفقود، ووجود الكتاب الغريب، كلها تشير إلى قصة أكبر من مجرد أحلام مزعجة.

في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كانت تجلس بجوار النافذة، تتأمل القمر الذي يضيء ببرود على حديقة المنزل. رأت في خيالها صورة جدتها فاطمة، شابة، تقف بجوار شجرة قديمة، ودموعها تنهمر. ثم رأتها تتجه نحو زاوية مظلمة في الحديقة، وكأنها تبحث عن شيء.

"ليلى، ألا تنامين؟" سأل خالد بصوت ناعم، وقد استيقظ على حركتها.

"لا أستطيع يا خالد. ما زلت أفكر في كل شيء. في قصة جدتي، وفي تلك القصيدة."

جلس خالد بجانبها، واحتضنها. "إنه أمر مؤلم حقًا. أن نحب شخصًا حبًا صادقًا، ثم نفقد آثاره دون أن نعرف السبب."

"ولكن ما الذي حدث له؟ ولماذا لم تبحث جدتي عنه؟" سألت ليلى، وعيناها تبحثان عن إجابات في وجه خالد.

"ربما لم تستطع. ربما كانت الظروف أقوى منها." قال خالد. "لكن علينا أن نفهم. إذا كان هناك شيء يمكننا فعله، فلنتردد."

قررا أن يستكشفوا الحديقة في صباح اليوم التالي. كان الحاج سالم قد أخبرهما عن موقع الشجرة التي كانت في حلم خالد، وهي شجرة توت قديمة، ما زالت تقف في زاوية مهجورة من الحديقة.

في الصباح، عندما ارتفعت الشمس، وقبل أن يستيقظ الحاج سالم، توجه خالد وليلى نحو الشجرة. كانت الشجرة ضخمة، أغصانها متشابكة، وكأنها تحتضن أسرارًا قديمة. بدأت ليلى تبحث حول جذع الشجرة، بينما بدأ خالد يحفر برفق في الأرض بالقرب منها.

لم يمضِ وقت طويل حتى سمعت ليلى صوت خالد. "ليلى! تعالِ انظري!"

كان خالد قد وجد شيئًا. كان صندوقًا صغيرًا، مصنوعًا من المعدن الصدئ. كان مدفونًا بعمق تحت الأرض.

بقلوب متسارعة، أخرج خالد الصندوق. كان مغلقًا بإحكام، وبدا وكأنه لم يفتح منذ عقود. بعد بعض الجهد، تمكن خالد من فتحه.

داخل الصندوق، وجدوا مجموعة من الرسائل، وقطعة قماش بالية، وخاتمًا فضيًا قديمًا، محفورًا عليه حرفان: "ح. ع."

"هذا خاتم ذلك الشاب." قالت ليلى، وهي تتذكر الوصف الذي سمعته من الحاج سالم. "كان اسمه حسن."

فتحت ليلى الرسائل، وكانت مكتوبة بخط متقن، لكنه متوتر. كانت رسائل حب، مليئة بالشوق والحزن، ومخاوف من مستقبل مجهول. في إحدى الرسائل، كان حسن يصف لقاءً سريًا مع فاطمة، ومحاولة للتخطيط للهروب. وفي رسالة أخرى، كان يتحدث عن مواجهة مع بعض الأشخاص الذين كانوا يعارضون علاقتهما.

"يبدو أن هناك من حاول منع حبهما." قالت ليلى، ودموع الفهم والشفقة تترقرق في عينيها.

"وفي هذه الرسالة الأخيرة." قال خالد، وهو يقرأ بعناية. "حسن يكتب أنه سيحاول الذهاب إلى أحد رجال الدين ليطلب منه المساعدة في الزواج من فاطمة، وأنه سيترك لها هذه الرسائل والأشياء هنا، كعلامة على وعده."

"ولكنه لم يعد." قالت ليلى. "ماذا حدث له؟"

نظر الحاج سالم، الذي كان قد استيقظ واقترب منهما، إلى محتويات الصندوق. "هذا ما أردت أن أكشفه." قال بصوت خافت. "كان هناك في قريتنا شيخ، يدعى أبو سليم. كان معروفًا بأنه يساعد الناس، لكنه كان أيضًا متورطًا في بعض الأمور المشبوهة. كانت لديه قدرة على إقناع الناس، والتأثير عليهم."

"هل تعتقد أن أبو سليم له علاقة باختفاء حسن؟" سألت ليلى.

"كان هناك خلاف بين عائلة حسن، وبين بعض أعيان القرية الذين كانوا يريدون تزويج فاطمة لابنهم." قال الحاج سالم. "ربما استعانوا بأبو سليم ليفرق بينهما."

بعد فترة وجيزة، عادت ليلى وخالد إلى غرفة جدتها. بدآ يقرآن الرسائل بصوت عالٍ، وكأنهما يحاولان أن يصل صداها إلى عالم آخر. كانت القصة مؤلمة، مليئة بالحب والحسرة، والحزن الأبدي.

وفجأة، سمعت ليلى صوتًا هامسًا، ولكنه هذه المرة لم يكن مخيفًا. كان صوتًا حزينًا، مليئًا بالشوق. "لم أستطع... لم أستطع العودة."

نظرت ليلى حولها. لم يكن هناك أحد. لكنها شعرت بحضور قوي، حضور مليء بالحزن.

"لقد سمعته." قالت ليلى لخالد. "لقد سمعت الصوت."

"ربما كانت روح حسن." قال خالد، ويده تمسك بيدها. "ربما كان يريد أن يعرف أن حبيبته فاطمة لم تنسه."

قرر خالد وليلى أن يكتبا رسالة إلى حسن، بلغة الأمس، يطمئنان فيها روحه. كتبا عن فاطمة، وعن حياتها، وعن أنها لم تنسه أبدًا، وأن حبها بقي في قلبها. ثم وضعت ليلى الرسالة في الصندوق، وأعادوه إلى مكانه تحت الشجرة.

عندما عادا إلى المنزل، كان الحاج سالم ينتظرهما. "لقد شعرت بشيء." قال. "وكأن ثقلًا قد أزيح من على هذا البيت."

لم تختفِ الهمسات تمامًا، لكنها أصبحت أقل إزعاجًا. شعروا بأن هناك شيئًا قد تغير، وأن أرواحًا قد وجدت بعض الطمأنينة. لكن هذا لم يكن نهاية القصة. فالكتاب الغامض ما زال يحمل في طياته أسرارًا أخرى، وأسرارًا ربما تكون أعمق وأخطر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%